في معرض مناقشة رد الوزير السابق فادي عبود على موقع greenarea.me، على مقالة لي نشرت يوم السبت في 7 تشرين الثاني /نوفمبر 2015 بعنوان “التراجع عن الخطأ فضيلة… هل تعرض أصحاب المحارق للغش والاحتيال؟”، سأتوجه بمضمون مداخلاتي إلى الرأي العام، ولا سيما منهم أصحاب الاختصاص، من أساتذة وكيميائيين وفيزيائيين ومهندسين كيميائيين وباحثين في الجامعات ومراكز الأبحاث، ولا سيما المجلس الوطني للبحوث العلمية، وإلى الأكاديميين والأطباء والصيادلة، ولا سيما أصحاب الاختصاص بعلم السموم، والباحثين البيئيين في شؤون التلوث الصناعي، والتلوث الناتج عن محارق النفايات بأنواعها ومن كل الأجيال. أتوجه لعقل اللبنانيين جميعا، ولمنطقهم، ولعلمهم، محترما ذكاءهم، ومقدرا لمسؤولياتهم، وأدعوهم للانخراط في المناقشة، على مستواها العلمي، مترفعين عن كل ما هو دون ذلك من مستويات، ولا نحرج أحدا بهذه الدعوة لعلمنا بالمحظورات والموانع من كل نوع. وأتوجه بها أيضا إلى طلبة الجامعات، الذين أحترم عقولهم، من كل الاختصاصات، ولا سيما منها تلك التي على علاقة وثيقة بموضوعنا. وبناء عليه، لا بد من تسجيل الملاحظات والمعطيات التالية: 1- نحن نختلف اختلافا عميقا في الرؤية والخيارات المتعلقة بسياسات إدارة النفايات. وهذا الاختلاف هو ليس فقط موضوع نقاش وجدال، بل هو أيضا موضوع مواجهة حقيقية على كل المستويات، العلمية النظرية، والتطبيقية، والبيئية والصحية والاقتصادية والاجتماعية. ونحن ندرك تماما أننا في مواجهة شاملة مع الخيارات الملوِّثة والمهدِّدة للصحة وعالية الكلفة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ولسنا منزلقين إلى هذه المواجهة عن غير قصد أوإدراك أو وعي. 2- نحن مختلفون بالعمق في موضوع التقييم التقني للمحرقة، وندرك أننا بمواجهة حقيقية بين العلم ومستنداته، وبين الادعاءات ووسائل الترويج والدعاية، التي تعتمد إخفاء أجزاء هامة من الحقيقة، إما لجهلها، وإما بقصد إخفائها لتعارضها مع مصلحة التسويق، وتستخدم وسائل و”دلائل” غير دقيقة علميا، وليست ذات صفة. 3- نحن نوظف معرفتنا العلمية وتجربتنا ومتابعتنا لقضايا مكافحة السموم على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، لتحذير شعبنا وتوعيته على المخاطر، التي تتهدد صحته وبيئته من هذه الخيارات. في حين أن من يتبنى خيار الاستثمار في المحارق ّيدرك عن سابق اصرار وتصميم ان هذه المنشآت ينبع منها الى الهواء الجوي ملوثات تهدد الصحة العامة وتسبب أمراضا خطيرة عند مجمل السكان ولأجيال قادمة. فمن منَّا عليه القلق من القضاء؟ لماذا التغافل عن استرداد القيمة الموجودة في النفايات ؟ لا شك أن ما وصلت إليه أزمة النفايات في لبنان من تطور وتفاقم واتساع وتعقيد، يشكل ضغطا كبيرا على كل المجتمع اللبناني، وهو ناتج عن فشل سياسات الحكومة في التعامل مع هذا الملف، وإصرارها على استراتيجيات أثبتت عقمها، وهي المسؤولة عما أوصلت البلاد إليه، من فضيحة كبرى في هذا الموضوع. إن الخروج من هذه الأزمة، يتطلب الجرأة في القطع مع هذه السياسات قطعا كاملا، وهذا ممكن، والانتقال إلى استراتيجية مختلفة جوهريا، لا في الشكل فحسب، بل في المباديء والآليات والأهداف. إن جوهر السياسات التي اعتمدتها الحكومة على مدى عقود، وهي مستمرة في اعتمادها في خطتها الأخيرة وفي كل القرارات، التي اتخذت في الأربع أو الخمس سنوات الأخيرة، هو التغافل عن استرداد القيمة الموجودة في النفايات، بل بالعكس، دفع كلفات عالية جدا للتخلص منها، بطرق غير آمنة بيئيا وصحيا. إن هذه الاستراتيجية، التي بمضمونها هذا، تعتبر “الطمر” أو “الحرق” هما الخياران الوحيدان المطروحان في ساحة النقاش لإدارة النفايات في لبنان. وهذا الخياران، على اختلافهما وتنافسهما الشديد أحيانا، هما وجهان لاستراتيجية واحدة قوامها: التغافل عن استرداد القيمة الموجودة في النفايات، بل دفع الكلفات العالية على التخلص منها مع ما تختزنه من قيمة مادية لا يستهان بها. وفي معرض القول أن من أجل الخروج من أزمة النفايات لا بد من القبول “بثمن بيئي يدفع للوصول إلى الحلول الأفضل” كما ينصح السيد عبود، نقول نعم هناك ضرورة لدفع ثمن ما، ونحن ندعو لأن يكون الثمن ليس على حساب صحة اللبنانيين وأطفالهم، بل إن الثمن المطلوب دفعه هو تخلي الحكومة عن كنه سياستها الفاشلة، أي التخلي عن التمسك بواحد من خياري “الطمر” أو “الحرق” أو بهما معا، والذهاب بالجرأة الكافية إلى القطع النهائي معها، واعتماد الادارة المتكاملة للنفايات. ونعني بالإدارة المتكاملة نظاما متكاملا من عدة حلقات مترابطة، تشكل مجتمعة الاستراتيجية البيئية السليمة والآمنة صحيا. وحلقات هذه الإدارة المتكاملة: التخفيف من كميات النفايات المتولدة، بمواكبة خطة للتوعية ووضع تشريعات مناسبة وآليات تحفيز ولجم مالية وضرائبية تخدم هذا الهدف. الفرز من المصدر بحيث يتم فصل المكونات العضوية عن غيرها من المكونات. اعتماد نظام ووسائل نقل متناسبة مع خصائص المكونات المفروزة، ويلغي كليا استعمال الشاحنات التي تضغط النفايات. إنشاء مراكز للفرز الآلي، وعدم الاكتفاء بالفرز اليدوي غير الفعال، ومعالجة المكونات العضوية عبر التسبيخ لانتاج الكومبوست، أو معالجته بطرق أخرى عبر الهضم اللاهوائي لتوليد البيوغاز من أجل إنتاج الطاقة. توضيب المكونات القابلة للتدوير وفق مواصفات تضعها مصانع التدوير اللبنانية: مصانع تدوير الورق والكرتون، ومصانع تدوير المعادن من الحديد والألمنيوم والنحاس وغيرها، ومصانع تدوير البلاستيك، ومصانع تدوير الزجاج. درس المتبقيات ومعالجتها حسب مكوناتها، وضمنا درس تصنيع الوقود البديل RDF من بعض مكوناتها الصالحة لذلك، الخالية من السموم والغنية بالطاقة الحرارية. والوقود البديل هو منتج صناعي بمواصفات مقبولة بيئيا يتم إنتاجه من بعض مكونات النفايات، التي لا تحتوي على عناصر ومركبات خطيرة على البيئة والصحة، وتتمتع بقيمة حرارية عالية، تتيح له أن يستعمل كوقود بديل يشبه بمواصفاته الوقود المستعمل في مختلف المنشآت الصناعية ولا سيما مصانع الإسمنت. وضع خطة لمعالجة كافة المكبات العشوائية المنتشرة في جميع المناطق اللبنانية، ومنع الحرق العشوائي للنفايات، ومنع المحارق غير المجهزة بتجهيزات فعَّالة لمكافحة التلوث بالجزيئات وبالغازات، لما يشكله ذلك من تلويث خطير للهواء الجوي، ومن مخاطر مباشرة وبعيدة المدى على الصحة العامة. مع تقدم المشاركين في الفرز من المصدر تنخفض نسبة النفايات الكلية الواصلة إلى مراكز الفرز الآلي والمعالجة، وتدريجيا تتقدم هذه النسبة على حساب تلك، وهكذا نكون قد وضعنا نظام الإدارة السليمة بيئيا للنفايات على سكة التقدم نحو التحسن التدريجي والتقدم في مؤشرات السلامة البيئية والصحية، وكذلك الاقتصادية والاجتماعية. نعم المحرقة المقترحة فضيحة ! سميت المحرقة بالفضيحة لأنها بالفعل كذلك، فهي ليست مجهزة بأي تجهيز لمكافحة التلوث، لا فلاتر لالتقاط الجزيئات الصغيرة والمتناهية الصغر، المسماة في الأدبيات الخاصة بالمحارق “رماد متطاير” Fly ash. وهي بذلك تصبح مصدرا خطيرا لتلوث الهواء الجوي وتهدد الصحة البشرية بكبير المخاطر. ولا بتجهيزات “أبراج غسل الغازات” وتعديلها، والتخفيف من انبعاثاتها في الجو. أما القول بأننا نسوق الشتائم واتهام الناس بالجهل، فهذا ما ترفَّعنا عنه في كل كتاباتنا، بشأن هذا الموضوع وغيره، في هذه المقالة بالذات، موضوع ردكم، وفي غيرها… وحاولنا جاهدين أن نفتش على كلمة واحدة يمكن لها أن تصنف في عداد الشتائم واتهام الناس بالجهل فلم نجد. فإذا لديكم ما تشيرون إليه في هذا السياق، أعيدوا نشره بين مزدوجين بصيغة النقل المباشر، ليصبح واضحا للقراء عن ماذا تتحدثون بالفعل. نحن دعوناكم بوضوح، إضافة لجميع الشركاء في هذه العملية، من مروِّجين ومورِّدين ومشترين وأصحاب حصرية الاستيراد إلى أن تعرفوا جميعا أن لبنان ليس “مزرعة موز” أو جمهور من “الجهلة”، فتقعون في خطأ كبير، لأن الشعب اللبناني ليس كذلك. أما “الهراء” فهي كلمة عربية فصحى، وتعني في القواميس العربية “الكلام الخطأ، أو الكلام غير الخاضع للمنطق”، ونحن نعيد تأكيد ما قلناه في هذا السياق بثقة أكبر هذه المرة. وجاء هذا التوصيف، في سياق الكلام الذي سمعناه منكم على وسائل الإعلام، والذي كرره ممثل الشركة المورِّدة في لقائنا معه في مكتب greenarea، والمتعلق بأن لا “رماد متطاير” ينبعث من المدخنة. إن الرماد المتطاير يتكون من جزيئات صغيرة Fine Particulates PM2.5 ومتناهية الصغر Ultrafine particulates PM0.1، وهذه لا ترى بالعين المجردة، وتتطلب تجهيزات معقدة وخبرة تحليلية عالية لأخذ العينات منها وقياس تراكيزها وكمياتها، ونحن لا نعتقد أن في لبنان مختبرات وكادر بشري مؤهل وذي خبرة للقيام بهذا العمل. وهي أخطر الملوثات على الصحة البشرية. نحن حين نقول ذلك، نتعامل مع معلومات من صلب علمنا واختصاصنا، ولا نتعدى على مجال لا دراية لنا به. فهذا من صلب علم السموم الكيميائي الذي نتقنه بحمد الله. وكذلك قولكم، وقوله، إن الجزيئات المنبعثة من المدخنة، هي “معقمة” ولا ضرر منها. وهنا لا بد من التأكيد، أن في انبعاثات المحارق، وملوثاتها، لا نتحدث عن تلوث جرثومي – ميكروبيولوجي، لا من قريب أو بعيد، فهذا النوع من التلوث تحمله النفايات قبل معالجتها، وليس كملوثات صادرة عن مدخنة المحارق أو رمادها. إذن نتساءل، ما هي الحكمة من قولكم هذا على الإعلام؟ أوليس لإيهام الناس أنها آمنة؟ وهي ليست كذلك، لأن مخاطرها السمية ترتبط بطبيعتها الفيزيائية، أي بصغر حجمها وقدرتها على التسرب عميقا إلى حويصلات الرئتين، بل وإلى الدورة الدموية والانتقال معها إلى كل أعضاء الجسم. ولطبيعة المواد الكيميائية السامة التي تكون “ممتزة” adsorbed على سطحها لكبر نشاطها السطحي، أي جذبها للمواد للالتصاق عليها، فتصبح حاملة لهذه الملوثات الكيميائية إلى عمق الجسم وأعضائه، فيكون التخريب مزدوجا، منها هي بالذات، وما تحمله معها من ملوثات كيميائية. هذه هي الحقائق العلمية. التخليق المتجدد للديوكسين قلتم أيضا، وقالها مدير الشركة المصنعة خلال لقائنا، إن الجزيئات “خاملة” Inert ، وذلك للتدليل أيضا على أمانها البيئي والصحي. ولكن هذا غير صحيح. ليست كلها خاملة، فالمعادن الثقيلة وأكاسيدها ليست خاملة بالمطلق، بل هي مواد ومركبات تتمتع بنشاط كيميائي موصوف. وإذا سلمنا بأن جزءا منها خامل بالفعل، فهذا لا يعني أنه آمن صحيا. فكما أشرت سابقا، إن التأثير السمي لكثير من الجزيئات والألياف الصغيرة ومتناهية الصغر، يرتبط ليس بسمِّية داخلية  جوهرية intrinsic toxicity للمادة المكوَّنة منها هذه الجزيئات، كما هو الحال مع معظم المواد الكيميائية السامة، بل يرتبط بقياسها الفيزيائي، أي بصغر حجمها. وهذا ما يفسر النشاط المسرطن للأسبستوس، والكوارتس، وغبار السليكا، ومسحوق أوكسيد الزنك، وكثير غيرها. أما عن الملوثات عالية السمية، وبعضها معروف بنشاطه المسرطن، هي ملوثات معروفة بأن محارق النفايات هي واحد من أهم مصادرها. وهذا ما تؤكده كل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ولا سيما اتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، التي تعتبر محارق النفايات مصدرا رئيسا لانبعاثاتها وتلوث البيئة بها. وكذلك المعادن الثقيلة من الزئبق والرصاص والكادميوم والكروم والزنك، وهي كلها معادن سامة، وبعضها معروف أيضا بنشاطه المسرطن. واتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق تعتبر محارق النفايات واحدا من أربعة مصادر رئيسة لتلوث الهواء الجوي والبيئة بالزئبق ومركباته غير العضوية. إن مطالبتكم لنا بالدليل الحسي القاطع بأن هذا النوع من المحارق ينتج هذه السموم يشير بشكل واضح إلى مدى بعد معارفكم عن هذا العلم. نعم إن تقنية الحرق على درجات مرتفعة (أكبر من 850 درجة مئوية) والبقاء في غرقة الاحتراق لمدة ثانيتين، وبتغذية كافية بالهواء (الأوكسجين) لتحقيق الاحتراق الكامل للنفايات والمواد، قد ساهمت بتخفيف نسب التلوث كمَّا ونوعا بالمقارنة مع محارق ما قبل ستينات القرن الماضي، وحققت تفاديا لتكوُّن الديوكسينات والفورانات، وهي ملوثات عالية السمية والنشاط المسرطن، داخل غرف الاحتراق، ولكنها لا تضمن عدم تكوُّنه في المدخنة بعد انخفاض درجات حرارة غازات العدم ودخولها في مجال درجات الحرارة الملائمة للتخليق غير المقصود للديوكسينات والفورانات، أي المجال ما بين 640 و220 درجة مئوية. وهذا ما تحدثنا عنه في مقالتنا، وتتحدث عنه ألوف التقارير العلمية المتخصصة في هذا العلم الدقيق والمعقد. ويسمى التخليق المتجدد للديوكسين Novo dioxins synthesis. الامتثال للمعايير البيئية الصارمة إن تقنية الحرق التي تعتمد غرفتين للحرق ودرجات حرارة عالية قد حققت تخفيفا لانبعاثاتها وملوثاتها الخطيرة، ولكنها لم تصل إلى درجة يصبح معها الحرق آمنا صحيا دون وضع تجهيزات مكافحة التلوث من فلاتر وأبراج غسيل، ودون إدارة سليمة للرماد المتأتي عن عمليات الحرق. إن تفادي تكون الديوكسين من جديد في مدخنة المحرقة، أو في الهواء الجوي على مخرج المدخنة حيث يتم قذف غازات العدم مباشرة إلى الجو، يتم عبر تجهيزات عالية الفعالية تؤمِّن تبريدا فوريا وسريعا للغازات، بحيث يكون عبورها في المجال الحراري 640 – 220 درجة مئوية بسرعة كبيرة تفوق سرعة تخليق الديوكسين، فتحول دون تحققه. إن تقنية الحرق هذه لا تعفي على الاطلاق من ضرورة وضع تجهيزات تنظيف الغازات Exhaust gas cleaning، وهي منظومة من التجهيزات المتقدمة لمكافحة التلوث، وذلك لتأمين الامتثال للمعايير البيئية الصارمة المنصوص عنها في “التوجيه الإطاري المنقح للنفايات” للاتحاد الأوروبي Revised waste framework directive (rWFD) Directive 2008/98/EC on waste. إن هذا التوجيه يتضمن رؤية استراتيجية لإدارة النفايات حيث يحدد الأفضليات والأولويات. إن “استرداد الطاقة” وهي ميزة الجيل الرابع للمحارق، بعد أن كان الجيل الثالث جيل إدخال “أبراج غسل الغازات وتعديلها الكيميائي” في العام 1985، والجيل الثاني كان جيل إدخال فلاتر التقاط الغبار والجزيئات الصغيرة والمتناهية الصغر أي “الرماد المتطاير” في العام 1960، وكان الجيل الأول مع ظهور المحارق بفرن مجهز بغرفة واحدة، وغير مجهز بأي تجهيزات لمكافحة التلوث من فلاتر وأبراج غسيل في العام 1900. إذن حسب هذا التوجيه، يأتي “استرداد الطاقة” من النفايات قبل “الطمر” من حيث الأولوية والأفضلية في إدارة النفايات، ولكن هذا التوجيه نفسه يؤكد أن الحرق والمعالجة الحرارية المتقدمة يمكنها أن تأتي جزءا من استراتيجية الادارة المتكاملة للنفايات، ولكن ليس على حساب التخفيف من تولد النفايات وتدويرها. محرقة “ضهور الشوير” لا تمتثل للشروط البيئية والصحية نعم إن تقنية الحرق على درجات حرارة عالية “تقنية المعالجة الحرارية المتقدمة” قد حققت تقدما ولكنها لا تغني عن ضرورة تجهيز المحرقة بوسائل وتجهيزات مكافحة التلوث لتصبح قادرة على الامتثال لمعايير السلامة البيئية والصحية المنصوص عنها في توجيهات الاتحاد الأوروبي. ونراكم تتحدثون عن تقارير أوروبية تقول بأفضليات هذه التقنية في أوروبا قياسا للمطامر، وهذا صحيح، وإنما عليكم الإقرار بأن محرقتكم ليست شبيهة بتلك المحارق، التي تتحدث عنها التقارير الاوروبية لجهة تجهيزها بكل أنظمة مكافحة التلوث. فأنتم تكتفون بما حققته هذه التقنية من تخفيف لملوثات الحرق مقارنة مع العقود الماضية خلال القرون الماضية، ولكنكم تعفون أنفسكم من تجهيز محرقتكم بما هو شرط لامتثالها للتوجيهات الأوروبية ومعاييرها، ببث أقاويل دعائية وترويجية على وسائل الإعلام لا تمت للعلم بصلة، ولا إلى الحقائق حيال التوجيهات الأوروبية بصلة. إن محرقتكم هذه، التي وضعتموها في “ضهور الشوير” دون أي ترخيص أو مسوغ متلائم مع التشريعات والأنظمة المعمول بها في لبنان لجهة التراخيص والموافقة البيئية المسبقة، ليست تلك التي تتحدث عنها التقارير التي تستشهدون بها، ولا تشبهها لناحية أنظمة مكافحة التلوث، من فلاتر وأبراج غسيل ومعالجة للرماد. فلو كانت هذه المحرقة قد حصلت على التراخيص حسب الأصول، لكانت رخصة استثمارها مربوطة بلائحة من الشروط البيئية والصحية، ليس أقلها الالتزام والامتثال لمتطلبات التوجيهات الأوروبية، لجهة مؤشرات التلوث في انبعاثاتها، ولا سيما الجزيئات والغازات عالية السمية المنبعثة في الجو. وتجهيزها بكل المنظومات الضرورية لمكافحة كل أنواع التلوث الذي تسببه، الجزيئي والغازي على السواء. “المسرحية الهزلية” لتجربة أمان المحرقة يتحدث السيد عبود عن “المهنية العلمية” ويطالبنا بالموافقة على نتائج “تجربته وبرهانه” حيث تم اختبار “داخون المحرقة” من قبل “دائرة الميكانيك” في لبنان. بالله عليكم، أفليست “المسرحية الهزلية”، التي عرضت على شاشات التلفزة، بشأن المحرقة وأمانها الصحي، والتجربة التي تم اختبارها، والبراهين “المفحِمة”، التي قدمتها، هي استخفاف مذهل بعقول اللبنانيين جميعا؟ والأنكى من ذلك كله، يدعونا السيد عبود إلى التسليم بها باسم “المهنية العلمية”. بداية، إن “المهنية العلمية” تتطلب أن تكون المحرقة قد دخلت إلى البلد بطريقة قانونية وشرعية لا تشوبها شائبة. وبعد ذلك، عليها أن تكون قد حصلت على الترخيص القانوني من الجهات والسلطات الرسمية المولجة بذلك وفق القانون والأنظمة المعمول بها في الجمهورية اللبنانية. وقبل ذلك، عليها أن تكون قد حصلت على موافقة وزارة البيئة، السلطة المختصة بإعطاء الموافقة على دراسة تقييم الأثر البيئي الإلزامية حسب مرسوم “أصول تقييم الأثر البيئي ” رقم 8633 بتاريخ آب 2012، والقانون الإطاري لحماية البيئة رقم 444 بتاريخ تموز 2002. ومن جهة أخرى، قامت بالتجربة “دائرة الميكانيك” في لبنان. مع كامل احترامنا لدائرة الميكانيك، وما تقوم به من دور هام نقدره ونحترمه في مجال الرقابة الميكانيكية على المركبات الآلية في لبنان، وضمنا الرقابة على غازات العدم، في عوادم المركبات الآلية. ولكن يبرز السؤال، ما علاقة “دائرة الميكانيك” بمحرقة النفايات؟ إلا إذا كان السيد عبود يصنف محرقته مركبة آلية، أو دراجة نارية؟ ولا زلت حتى الآن مذهولا، وأفتش عن العلاقة بينهما فلا أجدها. وبهذه المناسبة، أطلب المساعدة “من صديق”، أي صديق، ليمرر لي الجواب على هذا السؤال العجيب. 8 “بلدوزرات” ام سيارة صغيرة واحدة  ؟ ربما وجد السيد عبود العلاقة بين محرقته والمركبة الآلية، ولا سيما منها العاملة على المازوت (الديزل)، أن الإثنتين يعملان على المازوت، فبعض المركبات الآلية من شاحنات وبلدوزرات وتراكتورات وباصات كبيرة تعمل على المازوت في لبنان، وليس المركبات الصغيرة والسياحية، إذ أنها تعمل حصرا على البنزين. ولكنه لم يلحظ الفرق بين الحالتين. ففي حالة المحرقة، فإنها تستهلك بمعدل 65 كلغ من الفيول بالساعة، ونعرف أن قدرتها التشغيلية حوالي 1طن بالساعة، أي حوالي 77 ليترا للطن، علما أن  الوزن النوعي للمازوت هو 0.84. أي تستهلك حوالي  1850 ليترا من المازوت يوميا، أي حوالي 92 “تنكة” يوميا بالحساب اللبناني “الدارج”، وذلك دائما حسب المعطيات في “كاتالوغ” المحرقة. نسأل السيد عبود، أي مركبة آلية تستهلك 92 تنكة من المازوت يوميا؟ وإذا افترضنا أن مركبة آلية (بلدوزر) على سبيل المثال تستهلك، على أبعد تقدير، “تنكة” مازوت كل ساعتين، فستستهلك 12 “تنكة” يوميا إذا كانت تعمل على مدار الساعة. إذن محرقة السيد عبود توازي حوالي 8 “بلدوزرات” عاملة يوميا على مدار الساعة في نقطة جميلة جدا من “ضهور الشوير”. ثم تأتي نتائج “اختباره” أنها تلوِّث ما يساوي سيارة صغيرة واحدة. هذا إذا افترضنا أن التجربة تمت بدون “نفايات”، أي أن المحرقة عملت خلال التجربة على تشغيل حرَّاقاتها فقط العاملة على المازوت، فكيف ستكون الصورة الحقيقية للانبعاثات مع حرق أطنان من النفايات؟ لون الانبعاثات ليس وحده مؤشرا على وجودها عند لقائنا بالسيد “بول نيكلاس” Paul Niklas مدير عام الشركة المصنعة للمحرقة، في مكتبنا في greenarea تبين لنا أنه مهندسا ميكانيكيا ومديرا للتسويق، وليس خبيرا لا بالحرق ولا بالتلوث الناتج عن المحارق، وبالتالي هو ليس الشخص المناسب للظهور على شاشات التلفزة لمحاولة “إقناع” اللبنانيين بأمان المحرقة البيئي والصحي. وما ظهر خلال طرحه على أن المحرقة لا يخرج منها أي دخان، أو أي تلوث ظاهر للعيان، أكبر دليل على ذلك. إذ أن أي خبير بموضوع التلوث يدرك ألف باء هذا العلم، بأن ليس لون الانبعاثات وحده مؤشرا على وجودها ونوعيتها وخطورتها. فهناك عدد كبير جدا من الملوثات عالية الخطورة التي لا لون لها، أو أنها متناهية الصغر بالحجم ولا ترى بالعين المجردة، بل هي يمكن أن ترى تحت الأشعة ما فوق البنفسجية، أو تحت مجاهر الكترونية عالية الدقة. ليس مسليا قط أن تستمع إلى هذه الأقاويل، وأقول “الأكاذيب”، من على شاشات التلفزة، وهي موجهة إلى اللبنانيين، مستهزئة بعقولهم، وساخرة من علمائهم واختصاصييهم وباحثيهم وكل العارفين منهم. في بلد يعج بالجامعات ومراكز الأبحاث، وعدد غير قليل من كراسي الكيمياء والفيزياء والهندسة الكيميائية، وكبار الأساتذة والباحثين والمراجع العلمية، ولا سيما منها، الجامعة اللبنانية، والأميركية واليسوعية والروح القدس واللبنانية الاميركية ومعهد البحوث الصناعية، والزراعية وغيرها الكثير الكثير… يطلع علينا أحدهم ليقول لنا أن “لا أرى أي ملوثات متصاعدة من مدخنة المحرقة”. أو أن نلجأ إلى “دائرة الميكانيك” التي نحترمها في نطاق عملها، وهي ليست مرجعا صالحا للقيام بمثل هذه الاختبارات، لاجراء قياسات لانبعاثات محرقة غير مرخصة قانونا، وهي لأول مرة في لبنان. ورغم كل ذلك، سوف نناقش بـ”مهنية علمية” عالية التقرير الصادر عن “دائرة الميكانيك” بشأن الانبعاثات والمؤشرات التي تم قياسها. قامت “دائرة الميكانيك” بواسطة مسبار يتم إدخاله في مدخنة المحرقة بسحب الغازات إلى جهاز “نقال” لقياس مجموعة محدودة من المؤشرات في غازات عدم المحركات الآلية، وهي: أول أكسيد الكربون CO وثاني أكسيد الكربون CO2 والاوكسجين O2 والمركبات الهيدروكربونية HC وكل هذه المؤشرات مرتبطة بتقييم درجة الاحتراق للفيول في المحركات ذات الاحتراق الداخلي. يقول تقرير “دائرة الميكانيك” أيضا، لم تلاحظ انبعاثات مرئية للرماد خلال عملية الحرق. (الرماد المتطاير هو جزيئات متناهية الصغر لا ترى بالعين المجردة). إذن يعتمد صاحب الاختبار على العين والنظر لتقدير ما إذا كان هناك جزيئات أم لا في انبعاثات المحرقة، وهذا طبعا لا يستقيم مع المنطق العلمي والطرق العلمية لقياس هذا النوع من الملوثات الخطيرة. تم قياس درجة حرارة غازات العدم، دون الإشارة إلى النقطة التي تم القياس فيها من المدخنة. وهذا مهم جدا لتقدير إذا ما كان الديوكسين سوف يعاد تخليقه من جديد في المدخنة أو على باب مخرجها أو في الهواء الجوي مباشرة عند خروج الانبعاثات منها. التوجيه الأوروبي المتعلق بحرق النفايات للعام 2000 waste incineration Directive (WID) 2000 Directive 2000/76/EC on the incineration يحدد الغازات والمواد والجزيئات التي يجب أن يتم رصدها لكي تتوافق كليا مع لوائح المقاييس التي يتضمنها، وهذه المؤشرات هي: أكاسيد الكبريت (SO2, SO3) Sox أكاسيد النيتروجين NOx (No, NO2) هيدروجين الكلور) (HCl هيدروجين الفليور (HF) غازات وأبخرة المواد العضوية معبر عنها بالكربون العضوي الإجمالي (TOC) أول أكسيد الكربون (CO) الجزيئات المعادن الثقيلة الديوكسينات والفورانات وهناك مطلب آخر يتطلبه التوجيه الأوروبي، بأن يكون المحتوى الإجمالي للكربون العضوي في “الرماد المتبقي أو رماد القاع” Bottom ash، وفي الخبث Slag أقل من 3%. إذن هذا هو الحد الأدنى من المؤشرات التي يجب أن نرصدها للتحقق من أن المحرقة “مطابقة للمواصفات” على حد تعبير الوزير “وائل أبو فاعور”، وممتثلة للتشريعات الاوروبية لناحية آمانها البيئي الصحي، ولو النسبي، الذي تمثله تلك التشريعات نفسها، وتلك اللوائح من المقاييس نفسها. رماد القاع والرماد المتطاير ماذا بقي من رواية “الجيل الرابع” التي يكررها السيد عبود على مسامع اللبنانيين صبح مساء؟ فمحرقته لا تحتوي على تجهيزات التقاط الجزيئات والرماد المتطاير، إذن هي لا تتوافق مع متطلبات الجيل الثاني من المحارق، التي ظهرت في ستينات القرن الماضي 1960. وهي لا تحتوي على أبراج غسيل الغازات وتعديلها ومعالجتها كيميائيا، إذن هي لا تتوافق مع الجيل الثالث للمحارق، التي ظهرت في أواسط ثمانينات القرن الماضي 1985. وهي أيضا لا تحتوي على منظومة استرداد الطاقة والمواد، إذن هي لا تتوافق مع الجيل الرابع للمحارق، الذي ظهر في أواسط العشرية الأولى من القرن الحالي 2006. فليس هناك مراجل/ توربينات على البخار، حيث حرارة الحرق تنتج بخارا، والبخار يولد الطاقة الكهربائية عبر توربينات استرداد الطاقة. وليس هناك أنظمة لتنظيف الغازات من الجزيئات والرماد المتطار. وليس هناك أبراج غسيل، لا جافة ولا رطبة. لا تلك التي ترش مسحوق الكلس أو ذرات الطين الجيري على الغازات الساخنة لتعديل أو نزع الغازات الحمضية الملوثة مثل أكاسيد الكبرييت وهيدروجين الكلور. ولا تلك التي ترش محاليل كيميائية لتعديلها. وليس هناك حقن للكربون المنشط لامتزاز to adsorb أو لنزع المعادن الثقيلة والملوثات العضوية (الديوكسينات والفورانات وغيرها من المكونات العطرية متعددة الحلقات) في غازات العدم. وليس هناك فلاتر من السيراميك أو الأكياس لالتقاط ونزع الغبار والجزيئات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي لا ترى بالعين المجردة. حيث الجزيئات الكبيرة من قياس أكبر من 10 إلى 25 ميكرون ترى بالعين المجردة كغبار متناثر. وليس هناك اختزال انتقالي تحفيزي وغير تحفيزي selective catalytic and no-catalytic reduction of NOx باستعمال الأمونيا واليوريا لنزع أكاسيد النيتروجين، وهي ملوثات هامة للهواء الجوي، حيث تسبب بالتفاعل مع غيرها من الملوثات وتحت أشعة الشمس ملوثات مؤكسدة (الأوزون الملوِّث للهواء على مستوى الأرض) المسبِّبة للكثير من الأمراض التنفسية والتحساسية. وليس هناك معالجة للمتبقيات الصلبة الناتجة عن عمليات الحرق، وهي بنسبة 10% بالحجم و 25% بالوزن. أي أن عمليات الحرق تختزل حجم النفايات بنسبة 90% وتختزل وزن النفايات بنسبة 75%. وتتكون المتبقيات الصلبة من الرماد المتبقي أو رماد القاع Bottom ash الذي يجمع من قاع الفرن، ومن الرماد المتطاير Fly ash الذي يجمع من تجهيزات تنظيف الغازات (الفلاتر). فرماد القاع يخضع للغسيل قبل البحث في إمكانية استخدامه في بعض الاستخدامات المحدودة والمشروطة بتركيبه، لجهة احتوائه على معادن ثقيلة سامة، أو يصار إلى طمره في مواقع متخصصة لاستقبال هذا النوع الخاص من النفايات الخطرة. أما الرماد المتطاير، المصنف نفاية خطرة وعالية السمية على الصحة البشرية، فيصار إلى تحويله إلى مادة مستقرة وصلبة من خلال تفاعله مع الإسمنت في مكعبات صلبة معدة للطمر في مطامر متخصصة لاستقبال النفايات الخطرة وتحت المراقبة الدائمة والرصد البيئي المستمر. هذا ما تمليه علينا “المهنية العلمية” في التعامل مع محرقة “ضهور الشوير”، لنقول كل الحقيقة العلمية للناس، ليكونوا على بينة من أمرهم، ولكي لا يكونوا ضحية الأضاليل الإعلامية والترويجية، حماية لصحتهم وصحة أطفالهم ولأجيال قادمة. د.ناجي قديح – مستشار موقع Green Area

Pin It on Pinterest

Share This