يشير الوزير أكرم شهيب، في معرض تفسيره لخلفية اختيار مواقع المطامر، بأنها مواقع “معدومة” بيئيا. قالها منذ مدة عن موقع “سرار”، واليوم كررها أيضا بشأن موقع “الكوستابرافا” على شاطيء الشويفات. ولا نعتقد أنها زلة لسان، بل هي بالفعل الخلفية، التي يبرر فيها “فريقه الفني” اختيار هذه المواقع، بمعزل عن أي معيار من المعايير أو الشروط والمواصفات البيئية، التي ينبغي أن تتوفر، بالحد الأدنى، في موقع يصلح لإنشاء “مطمر صحي”. إن موقعي “سرار” في عكار و”كوستابرافا” في الشويفات، لا يتوفر فيهما أي من الشروط أو المعايير أو المواصفات، التي تتحدث عنها كل التشريعات العالمية، التي تنظم تقييم موقع إنشاء مطمر صحي. ونحن نؤمن بعمق أن إدارة النفايات الصلبة المنزلية في لبنان عليها الابتعاد الكلي عن البحث في خياري “الطمر” و “الحرق”. الأول، لأن ليس في لبنان طبيعة مؤاتية لمجرد البحث في هذا الأمر. فالبلدان التي تعتمد الطمر للتخلص من نفاياتها هي بلدان فيها مساحات كبيرة من الأراضي الجرداء، أو الصحراوية، أو القاحلة، والبعيدة بمئات الكيلومترات عن المدن والقرى والمناطق المسكونة، وهناك لا أحواض مياه جوفية ولا مجاري مياه سطحية يتهددها التلوث والتدهور. أما في لبنان، فطبيعتنا ليس فيها مناطق صحراوية أومناطق جرداء قاحلة، متمادية الأطراف وواسعة المساحات، بل هي طبيعة تتميز بسهولها وجبالها وهضابها المكتظة بالسكان، وتكاد القرى والبلدات تكون متصلة بعضها ببعض دون مسافات تذكر بينها. وفيها الأراضي الزراعية والغابات والأحراج، والبراري والأراضي الخصبة، التي تعوم على بحيرات من أحواض المياه الجوفية والينابيع. والثاني لأنه وفق تجارب العالم، وعلى ضوء التقارير التي تتوالى للحديث عن المخاطر البيئية، والتهديات الكبيرة على الصحة البشرية، المتأتية عن المحارق. وعلى الرغم من اعتقادنا هذا، سوف نناقش الخطأ الجسيم، الذي يشار إليه في تبرير اختيار هذه المواقع. فبحجة أن منطقة “سرار” منطقة “معدومة”، بل ومنكوبة، بفعل وجود المكب العشوائي هناك، حيث تلوثت التربة والمياه السطحية والجوفية، في حين أنها منطقة “أراضي رطبة” تستحق أن تكون محمية طبيعية، يقومون باختيارها مطمرا، لهذا السبب بالذات وفقط، وليس بناء على أي معيار آخر، أو أي مواصفة أخرى تتوفر في هذا الموقع. إن هذه المنطقة معرضة أيضا لمصادر أخرى محتملة للتلوث، مثل وجود مزارع “هوا تشيكن” على ظهرها، قد يسهم إسهاما كبيرا بواقع التلوث الحاصل هناك. وهذا بالطبع ما يوجب القيام بدرس معمق لهذا الاحتمال، من أجل التحقق منه وتقييم مخاطره. وكذلك الأمر بالنسبة لموقع “كوستابرافا”، الذي يصفعك صفعا مجرد تداوله كاحتمال أن يكون موقعا لمطمر للنفايات. فالحجة لاختياره تكمن، وفق تصريح الوزير شهيب، في أنه موقع “معدوم” ومنطقة “محروقة”، وذلك لوجود ردميات الضاحية هناك، ولرمي مياه الصرف الصحي دون معالجة في البحر، وكذلك أيضا، وهنا أرجو منكم الإصغاء جيدا، والتبصر جيدا، “لأنه موقع ترمى فيه “عصارة” مطمر الناعمة على مدى سنوات طويلة”! بالله عليكم، قولوا لنا، هذا الذي تعتمدونه مبررا لاختياركم موقعا لمطمر نفايات، أهو تبرير، أم ذنب تستحقون عليه أقسى المساءلة؟ فهناك أنشئت منذ سنوات طويلة محطة لمعالجة المياه المبتذلة، محطة “الغدير”. زرتها يوما في الماضي البعيد، وكان قد مر على إتمام إنشائها سنوات عدة، وهناك عقود تشغيل، وموظفين ومهندسين، وإلى آخر أفراد الطاقم، ولكن المحطة لا تعمل. لمذا لا تعمل؟ لأن شبكة المجارير، التي عليها نقل المياه لم تكتمل بعد! هذا ما يسمونه “إنماء” على الطريقة اللبنانية، محطة منجزة مع كامل عقود التشغيل، ولكن شبكة المجارير غير منجزة. وربما هي لا تزال غير منجزة حتى يومنا هذا، وإلا لماذا ترمى مياه الصرف الصحي محملة بالصهاريج مباشرة إلى البحر؟ نغض الطرف عن تلويث هذه النقطة من الشاطيء، الواقعة على البحر قرب محطة “الغدير”، في منطقة الشويفات، قضاء عاليه، لنأتي اليوم ونقول إنه موقع “معدوم” ومنطقة “محروقة”، وبالتالي لا بأس أن يكون موقعا لمطمر نفايات. أهذا منطق؟ أم اللامنطق بعينه؟ يختارون المواقع، التي يلوثونها، أو يسكتوا عن تلويثها سنوات طويلة، وهم السلطة المؤتمنة على بيئة البلد وصحة المواطنين، والمؤتمنين على إدارة شؤون البلاد والعباد، مواقع لمطامر نفايات، ليمعنوا بتلويثها، وليكملوا “إعدامها”، مع كل ما يترتب عن ذلك من نتائج مدمرة على البيئة والصحة البشرية. ولكن هذه المرة، إضافة لكل ذلك، مخاطر مرعبة بشأن سلامة الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت. أي عقل هذا الذي فكر بموقع “كوستابرافا” لإقامة مطمر للنفايات؟ بل الأحرى القول، أي جنون هذا؟ موقع على تماس مع البحر، حيث سترمى فيه العصارة دون عناء أو شقاء نقل، أو تمثيلية معالجة. هذا بالتأكيد ليس همّاً لأحد ممن يخططون البيئة في لبنان، وممن يضعون سياسات إدارة النفايات وغيرها. فتلوث البحر أمر “عادي” ولا يهمنا هَمّ من زيادته بضعة آلاف من الأمتار المكعبة من العصارة، التي سترمى على مدار الساعة. والأخطر من كل ذلك، موقع على بعد أمتار عن مطار “رفيق الحريري” الدولي، مما يتعارض مع أبسط إجراءات الحماية والوقاية للمطارات والطيران المدني. إذ أن كل تشريعات العالم تؤكد وبقوة، الامتناع عن إنشاء مطامر للنفايات على مقربة من المطارات، نظرا لكونها عنصر جذب كبير للطيور، في الليل والنهار، مما يهدد سلامة الطيران بأكبر المخاطر. ونذكر هنا أن وكالة حماية البيئة الأميركية USEPA تعتبر أن المناطق الأعلى خطرا بالنسبة لمطامر النفايات هي ثلاثة، المطارات، والأراضي الرطبة والسهول المعرضة للفياضانات ، والأراضي غير المستقرة. فالطيور تشكل خطرا حقيقيا على سلامة الطائرات خلال إقلاعها وهبوطها. وتقول الوكالة الأميركية، يمنع إقامة مطامر للنفايات في مسافة تقل عن 3048 مترا (10000 قدم) عن حدود أي مطار يستقبل طائرات ركاب نفاثة، وتقل عن 2415 مترا (5000 قدم) عن أي مطار يستقبل فقط طائرات صغيرة غير نفاثة. فمطارنا هو مطار دولي، ويستقبل كل أنواع الطائرات، وبالتالي، إن مجرد البحث بموقع “كوستابرافا” هو مخالفة لأبسط قواعد السلامة المعتدة في المطارات الدولية. من سيتحمل مسؤولية هذا النوع من المخالفات لقواعد السلامة العالمية؟ ومن سيتحمل تبعاتها الكارثية؟ ومن سيتحمل النتائج الاقتصادية المدمرة، إن بدأت تتمنع شركات النقل الجوي العالمية عن زيارة مطار بيروت، لعدم ملاءمته لقواعد وشروط سلامة الطيران؟ عودوا عن جنونكم قبل فوات الآوان، حيث لن ينفع الندم، ولا يعيد الندم روحا زهقت، أو انهيارا اقتصاديا، نتدحرج نحوه بسرعة انهيار عقولكم. وموقع “سرار”، حيث “الأراضي الرطبة”، الملوثة، تربة ومياها، يستحق خطة للمعالجة البيئية لإصحاحها، ولتخفيف المخاطر الصحية المتأتية عن تلوثها و”انعدامها” البيئي على عموم سكان المنطقة. إن المواقع الملوثة Contaminated sites، موجودة في العديد من بلدان العالم، وهي موضوع خطط وطنية وإقليمية ودولية لمعالجتها وإصحاحها، وهذا ما تشجع عليه كل الاتفاقيات الدولية، وتعمل على تحقيقه، وتساهم في تمويله، وتبسيط إجراءات المساعدات الدولية التقنية والمالية لتحقيقه. هذا ما تستحقه هذه المواقع الملوثة منكم، وليس الإمعان بخرابها و”حرقها” عبر مخططاتكم العبثية المجنونة.    

Pin It on Pinterest

Share This