هل يدرك أهالي “ضهور الشوير” ومنطقتها أي “دب” يدخلون إلى كرمهم؟ وهل هم على دراية بما ستؤول إليه الأمور في وضعهم الصحي والبيئي مع بدء تشغيل “المحرقة”؟ أم أنهم يستكينون لما يسوق لهم من معلومات غير آمنة وغير موثوقة، حول المحرقة و”أمانها” البيئي والصحي. بالإضافة طبعا لتوفيرها المالي، بالمقارنة مع “الطمر”، الذي تبنته الخيارات الحكومية سابقا وحاليا ومستقبلا وفق الخطة الأخيرة. بادىء ذي بدء، أود التأكيد على مجموعة من الأمور، لكي يستقيم نقاش موضوع “المحرقة” والحرق عموما كخيار للتخلص من النفايات في إطاره العلمي البحت، والتقني – الاستراتيجي، المتعلق بالإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحيا والمقبولة اقتصاديا وماليا واجتماعيا للنفايات، وهي: -لا نناقش هنا الانتماء السياسي لأحد، فهذا خارج إطار اهتمامنا وبحثنا، وبالتالي، لا يلجأن أحد لوضع هذا النقاش خارج سياقه الصحيح. -إن الآراء والتصريحات، التي يطلقها السيدان الياس أبو صعب وفادي عبود حول “المحرقة”، والكلام عن أفضلياتها وأمانها البيئي والصحي، لا تمت بصلة، لا بشكل مباشر وغير مباشر، لما يتمتعان به من صفات رسمية حالية أو سابقة. الأول بصفته وزيرا للتربية والتعليم العالي، والثاني باعتباره وزيرا سابقا للسياحة. فبكل بساطة، تأتي هذه الآراء في سياق تسويق “المحرقة”، ودعوة الناس إلى اعتمادها كخيار للتخلص من نفاياتهم، على خلفية الأزمة الحادة، التي يعيشها البلد منذ 105 أيام. وبناء على ذلك، لا علاقة لنقاشنا هذا بصفاتهم تلك، بل باعتبارهم صناعيين يسوقون لبضاعة، هي بحد ذاتها موضوع نقاشنا. وبناء عليه، نتساءل، من أين يأتي الحق لهؤلاء “الصناعيين” أن يتجاوزوا كل القوانين المرعية الإجراء، فيستوردون “محرقة”، ويقومون بتركيبها في موقع في منطقة “ضهور الشوير”، ويستعدون لتشغيلها في اليومين القادمين، وفق تصريحاتهم، وذلك دون ترخيص من السلطات المختصة بإصدار هذا الترخيص، ووفق الآلية القانونية لذلك. وبدون دراسة تقييم أثر بيئي مقبولة، وتتضمن التشاور العلني مع الجمهور المعني بالمحرقة، والمتأثر بها، ودائما وفق الآليات المنصوص عنها في مرسوم تقييم الأثر البيئي للمشاريع. إن المعلومات التي يجري ترويجها، عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، عن هذه المحرقة، لا تعدو كونها معلومات تسويقية تجارية، يتضمنها عادة “كاتالوغ” أي جهاز يصدره المصنِّع، أو المستورد أو المسوِّق لهذا الجهاز. وغالبا ما يبالغ “الكاتالوغ” في فضائل ومحاسن بضاعته، ويغض الطرف عن مخاطرها، أو يخفف منها إلى أدنى حد. وهذا يندرج في إطار استراتيجية تسويقية. فإذا تجاوزنا ذلك، وأخضعنا المعلومات، التي تساق، للنقد والتحليل العلمي العميق، يمكننا التأكيد على الحقائق التالية: -إن حصر خيارات التخلص من النفايات بالطمر أو الحرق، والتباري في مقارنة مؤشراتها بشأن الكلفة، وتجاهل ما ندعو إليه من خيار ثالث، لا هو “الطمر” الذي مورس حتى الآن في لبنان، وتنوي الخطة الأخيرة الاستمرار به كخيار أساس، ولا هو “الحرق”، الذي نعتبره أسوأ خيار وأكثر الخيارات تلويثا. وإذا ما أدخلنا في الحسابات كلفة التدهور البيئي والصحي الذي يسببه، لأصبح أعلى الخيارات كلفة وخطورة. -نحن ندعو إلى اعتماد الحلقات التالية: التخفيف عبر آليات قانونية واقتصادية وتربوية ومن خلال التوعية المستمرة، والفرز من المصدر بموازاة مراكز مجهزة للفرز الآلي المتطور، وتدوير كل ما هو قابل لذلك واسترداد قيمته المادية، ومعالجة المكونات العضوية، وتحويلها إلى منتج له قيمة وقابل للاستعمال. إن استراتيجية استرداد القيمة الموجودة في النفايات، هي بحد ذاتها عالية الفعالية في تخفيف الكلفة الإجمالية للإدارة السليمة للنفايات بيئيا وصحيا واقتصاديا واجتماعيا. -إن سعر الـ”محرقة” أي 300 ألف دولار، الذي تم الإعلان عنه اليوم بتصريحات صحافية، يدعونا للتساؤل، هل هي مجهزة بفلاتر لالتقاط الرماد المتطاير، أي حوالي 3-5 بالمئة من كمية النفايات، والمكون من جزيئات صغيرة ومتناهية الصغر، ويصنف نفاية خطرة وفق اتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة؟ وهل هي مجهزة بأبراج لغسل الغازات وتعديلها؟ وهل هي مجهزة بحفازات لمعالجة بعض أنواع الغازات؟ -فإذا كان الجواب بــ “نعم”، ماذا سيكون مصير الرماد المتطاير، الذي ستلتقطه الفلاتر، وهو نفاية خطرة وفق التصنيفات العالمية؟ ومصيرها يكون عادة المعالجة، والتخلص منها في مواقع متخصصة بالتعامل مع النفايات الخطرة، وهي غير موجودة في لبنان. -وماذا سيكون مصير مياه الغسيل الملوثة كيميائيا والآتية من أبراج غسل وتعديل الغازات؟ فهل ستلحق بالمحرقة محطة لمعالجة المياه الملوثة كيميائيا قبل رميها في الطبيعة؟ هذا ما لم نسمع عنه شيئا في تصريحات السيدين الياس أبو صعب وفادي عبود. -وإذا كان الجواب بـــ “لا”، فهذه هي الكارثة الكبرى، وهذا بالضبط ما نحذر منه، لما نعرفه جيدا، وبالعمق والاتساع العلمي التخصصي الكافي، على عكس ما تسوقه “الكاتالوغات” من معلومات. إذ أن الرماد المتطاير، الذي يتكون من جزيئات صغيرة ومتناهية الصغر ذات فعالية سمية عالية وخطيرة جدا على الصحة العامة، يهدد الأمان الصحي للمواطنين، ولأجيال متلاحقة، بأكبر المخاطر. بالاضافة إلى الجزيئات، هناك الغازات المنبعثة في الجو، وهي، كما الجزيئات، غير مرئية في الغالب، تتكون من مركبات كيميائية عالية السمية، وتسبب أمراضا خطيرة ومميتة ومزمنة، وتهدد الأمان الصحي لعموم المواطنين بأكبر المخاطر. -تقول التصريحات الصحافية أن كمية الرماد المتبقي لا تتجاوز الـ 3 بالمئة. ليسمح لنا أصحاب هذا التأكيد، إنه غير دقيق على الإطلاق. فبالعموم تقدر كمية الرماد المتبقي بحوالي 10 – 15 بالمئة من مجمل كمية النفايات التي تدخل إلى المحرقة. هذا الرماد المتبقي، تصنفه اتفاقية “بازل” نفاية “تستحق العناية الخاصة”، وهذا يعني، أن تصنيفها النهائي يعتمد على تراكيز المعادن الثقيلة فيها والترسبات الكيميائية السامة، فإذا تجاوزت حدا معينا، تصنف نفاية خطرة، وبالتالي علينا التعامل معها على هذا الأساس، أي معالجتها والتخلص النهائي منها في مواقع متخصصة للنفايات الخطرة. وإذا لم تتجاوز تراكيزها هذا الحد، فهي تصنف نفاية تتطلب الاهتمام الخاص، أي الحذر أثناء استخدامها في بعض المجالات كمادة تدخل في إنشاءات الطرق. هنا من الضروري الإشارة، إلى أن الخبرة العالمية بشأن هذا الاستعمال، تشير إلى مخاطر محتملة كبيرة على الصحة العامة، ناشئة عن تآكل الطرق، وعن أعمال الصيانة، التي تخضع لها الطرق دوريا، مما يؤدي إلى إعادة انتشار جزيئاتها في الجو حاملة معها مخاطر بيئية وصحية كبيرة. -إن ما تمت الإشارة إليه في التصريحات من استعمالات ممكنة لهذا الرماد في البناء، أو في تصنيع حجارة الباطون، لا ننصح بها على الإطلاق، بل نحذر تحذيرا شديدا من هذه الاستعمالات لما تحمله من مخاطر جدية على الصحة العامة ولمدى بعيد جدا. -في الغالب، وجب قياس مستوى التلوث الإشعاعي في رماد المحارق المتبقي، قبل البحث بأي خطوة لاحقة تتعلق باستعماله. ولذلك نقول أن مصيره الحقيقي، والواقعي هو أن يتم التخلص منه في مواقع خاصة، حيث تتم معالجته بتثبيته بمكعبات صلبة solidification، قبل دفنه في مواقع متخصصة لهذا الهدف. -نحن نشارك جميع اللبنانيين انتقاد أسعار عقود “الطمر”، وندعو إلى متابعة الملفات القضائية المتعلقة بهذا الأمر. ولا نعطي أي أحقية منطقية لمقارنة سعر الكلفة، الذي تحدثت عنه التصريحات المتعلقة بالـ”محرقة”، أي 60 دولار أميركي للطن، بأسعار “الطمر” المشار إليها في التصريح نفسه. بل ندعو إلى التدقيق بسعر الحرق المعلن لذاته. فإذا كانت المحرقة غير مجهزة بما سبق ذكره من تجهيزات الحماية والوقاية وتخفيف الانبعاثات السامة في الجو، تكون الـ”60 دولارا” كلفة عالية جدا لحرق الطن في “وجاق” لا حماية بيئية وصحية له. أما إذا كانت مجهزة بالفلاتر وأبراج الغسيل، فسعر الـ60 دولارا، لا يبدو منطقيا إطلاقا، إذ في هذه الحالة سوف تقفز الكلفة الحقيقية إلى أرقام أكبر بكثير. -نحن ندعو بلدية “ضهور الشوير”، التي تستضيف، أو تملك، أو تشغل هذه المحرقة، أن تتحلى بالشفافية الكافية، وتدعو الخبراء أصحاب الاختصاص، من مختلف التوجهات، لزيارة هذه المحرقة والتعرف على تكوينها وطريقة عملها، ومستوى أمانها البيئي والصحي، ودرجة فعاليتها التقنية، والتزامها بالمزايا التقنية للتشغيل المذكورة في “الكاتالوغ”، لجهة مجال درجات حرارة الحرق، ونسبة الرماد المتبقي، وتجهيزات الحماية. لتبني على الشيء مقتضاه، بمسؤولية عالية. ونحن متطوعون للقيام بهذه المهمة لما فيه خير أهالي “ضهور الشوير” ومنطقتها، وكل لبنان.

Pin It on Pinterest

Share This