هل تكون “ضهور الشوير” أولى ضحايا المحارق الصغيرة؟ سؤال بدأ يؤرق البيئيين والمهتمين، خصوصا وأن هذه المحارق تحوِّل النفايات المنزلية غير الخطرة إلى ملوثات عالية الخطورة، تبثها في الجو غازات وجسيمات صغيرة ومتناهية الصغر، تصنف عالميا من أكثر الملوِّثات خطرا وتهديدا للصحة العامة، ليس لجيل واحد فحسب بل أيضا للأجيال القادمة، نظرا لتأثيراتها السامة بعيدة المدى على البشر، حتى قبل تكوُّنهم، وهم أجِنَّة في أرحام أمهاتهم، وإلى ما بعد تقدم سنوات أعمارهم، وإلى أجيال متلاحقة. تحت جنح ظلام أزمة النفايات المتفاقمة، وفي ظل تعثر السياسات والخيارات العقيمة التي تعتمدها الحكومات المتعاقبة، وقد شكلت خطة الحكومة الأخيرة استمرارا لها، وتحت ضغط الأزمة الخانقة، التي تتمثل باستمرار آلاف الأطنان من النفايات متراكمة ومرمية في الشوارع، أو مرمية في باحات ومواقع عشوائية لا تتوفر فيها معايير السلامة البيئية والأمن الصحي، في بيروت وفي مناطق الجبل وكل لبنان. وتحت جناح الاستهتار الفاضح للحكومة والوزارات والإدارات الرسمية المعنية، بشكل مباشر أو غير مباشر، بملف النفايات، وعدم اتخاذ أي إجراء عملي سريع وطارىء، ليشكل استجابة فعالة للتعامل مع مخاطر أزمة النفايات على البيئة والتهديدات الواقعية على الصحة البشرية. في هذه الظروف المعقدة والضاغطة، يظهر من يحاول الاصطياد في الماء العكر، ليوهم بعض البلديات بأن المحارق الصغيرة هي الحل للخروج من أزمة النفايات. والدافع لذلك، هو محاولة الاستثمار على الأزمة وقطف الفوائد المالية الباهظة، على حساب صحة المواطنين وأمان عيشهم. يروِّجون، ويعرضون، بل ويحضِّرون لاستيراد محارق صغيرة، يوهمون الناس أنها آمنة بيئيا وصحيا، ويتباهون أنها من الاجيال المتقدمة للمحارق… وهذا بالطبع كلام تضليلي لا يرقى إلى الحقائق العلمية. من المعروف لدى اصحاب الاختصاص والمعرفة العلمية، وليس بالطبع عند أصحاب وسائل الترويج التجاري واستغلال ظروف الأزمات لبيع وتشغيل بضاعتهم، أن المحارق، من حيث المبدأ، ومن كل الأجيال التقنية، هي مصدر هام للانبعاثات الملوثة عالية الخطورة على البيئة، وعالية السمية على الصحة البشرية. وهذا ما تؤكد عليه كل الاتفاقيات الدولية، التي تهتم بالتلوث الكيميائي للبيئة بأكثر الملوثات تهديدا للبيئة والصحة البشرية، ونذكر منها اتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، واتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق، والنهج الاستراتيجي بشأن الإدارة الدولية للكيماويات، حيث تشير كلها إلى أن محارق النفايات، هي واحدة من أكبر وأخطر مصادر التلوث بالغازات والجسيمات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تحمل أخطر التهديدات على الصحة العامة ولأجيال متتالية. وهي من أكبر مصادر التلوث بالمركبات العطرية متعددة الحلقات، وبالديوكسين والفوران والمركبات البرومية والفليورية والمعادن الثقيلة، بما فيها الزئبق والرصاص والكادميوم، والجسيمات متناهية الصغر، وهي تعتبر، وفق التصنيفات العالمية، أكثر الملوثات خطورة وتهديدا للبيئة وتهديدا للصحة العامة، إذ أنها تسبب ليس تسممات مزمنة وأمراضا قاتلة، وتخريبا خطيرا لأجهزة الجسم الهرمونية والدموية والعصبية فحسب، بل تهدد أيضا الأجيال التي لم تولد بعد، من خلال تخريب في الأجهزة والوظائف الهرمونية والتناسلية والإنجابية لدى الآباء والأمهات. إن المحارق الصغيرة ليست مجهزة بأي جهاز للتخفيف من الملوثات التي تبثها في الهواء الجوي. فهي ليست مجهزة بالفلاتر، ولا بأبراج الغسيل، ولا بالمحفزات، ولا بالتجهيزات اللاقطة. وسوف تنتج كمية من الرماد المتطاير، وهو نفاية خطرة وفق اتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة، تنتشر في الجو على شكل جسيمات متناهية الصغر، غير مرئية بالعين المجردة، وتحتاج لمراقبتها وأخذ العينات منها وفحصها، إلى تجهيزات معقدة ومختبرات غير متوفرة في لبنان، والجهاز البشري المتخصص بالقيام بمثل هذه الرقابة والرصد غير متوفر أيضا في كل لبنان. وسوف تنتج أيضا كمية هامة من الرماد المتبقي، يصنف نفايات خطرة لاحتوائه على مستويات عالية من المعادن الثقيلة والترسبات الكيميائية السامة، تفترض معالجتها والتخلص منها في منشآت متخصصة بمعالجة واستقبال النفايات الخطرة، ومنشآت من هذا القبيل غير موجودة في لبنان. وإذا ما تم التخلص منها بطرق غير سليمة، تشكل مصدرا خطيرا لتلوث البيئة وتهديدا إضافيا للصحة العامة. نناشد البلديات، الصغيرة والكبيرة، واتحادات البلديات، أن يأخذوا الحذر الشديد من هذه الخيارات الخطيرة، وألا يُخدعوا بأضاليل المروِّجين، الذين لا يبغون من هذه التجارة إلا تكديس الربح، ولو على حساب سلامة البيئة وصحة المواطنين، حاليا وللمستقبل أيضا. إن الدافع الوحيد لدى هؤلاء المروِّجين لمثل هذه المحارق، هو الربح فقط، إذ أن كلفة الطن عندهم تتراوح بين 90 و100 دولار أميركي، وكذلك اولئك المروِّجين لمحامص صغيرة مماثلة، تدعي أنها تحوِّل النفايات إلى فحم دون تلويث للبيئة، وهذا هراء وخداع، إذ أن تحويل النفايات إلى فحم يترافق بإطلاق كميات هائلة من الغازات والأبخرة والجسيمات من مختلف الأحجام، بما فيها الجسيمات متناهية الصغر، حيث معظم هذه الانبعاثات يشكل خطرا كبيرا لا جدال فيه على البيئة والصحة العامة. من جهة أخرى، إن إنشاء مثل هذه المحارق وتشغيلها ووضعها في الخدمة، يتطلب من الناحية الإجرائية، الحصول على تراخيص من الوزارات والسلطات المعنية، بعد وضع دراسة تقييم أثر بيئي واجتماعي تحترم المعايير الوطنية والدولية، وتحظى بموافقة السلطات المختصة، وتحظى أيضا بموافقة الرأي العام، من خلال آليات التشاور مع الجمهور المعني، قبل البدء بتسويقها والترويج لها عند البلديات في كل مناطق لبنان. على ضوء ما يتم تناقله من أخبار في الأيام الأخيرة حول هذا الموضوع، خصوصا وأن محارق وصلت إلى مرفأ بيروت، تحت تسمية “آلات صناعية” بهدف تمويه حقيقة المحارق المستوردة، نناشد أجهزة الجمارك أن تتحقق من قانونية هذا الاستيراد، وأن تتعامل بشفافية وباحترام القوانين والأنظمة المرعية الإجراء حيال حالات من هذا النوع. كما وندعو أهالي المناطق المنوي ترويج هذه المحارق فيها، وأوَّلها ما تتناقله الاخبار عن محرقة يُنوى تشغيلها في “ضهور الشوير” ومنطقتها، إلى رفض كامل لهذه المحارق الخطيرة على بيئتهم وصحتهم وصحة أطفالهم. وندعوهم للقيام بكل أشكال التحرك والاحتجاج، وإلى تقديم دعاوى قضائية لرفع جرم التلويث المقصود عنهم، الذي ترعاه القوانين البيئية النافذة في لبنان، ولا سيما منها القانون الإطاري للبيئة رقم 444 الصادر في 29 تموز (يوليو) 2002. إن الخيارات السليمة بيئيا للتعامل مع النفايات التي ندعو إليها، والتي تتلخص بجمع النفايات في شاحنات دون ضغطها، وبإنشاء مراكز للمعالجة، تتضمن تجهيزات للفرز الآلي وليس اليدوي فقط، وتدوير كل ما هو قابل للتدوير، وتسبيخ المواد العضوية، وتصنيع المتبقيات بما يتلاءم مع تركيبها ومكوناتها. هذا ما يترافق بكلفة إجمالية أقل بكثير من كل الخيارات غير البيئية الأخرى من طمر وحرق، وهذا ما يسمح أيضا باسترداد القيمة المادية الموجودة في النفايات عبر التدوير والتسبيخ، وبهذا يتم استرداد ما يقارب 50 -60 بالمئة من كلفة هذه الإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحيا للنفايات. ندعو رجال الأعمال والصناعيين اللبنانيين إلى الاستثمار في إنشاء وتشغيل مراكز ومعامل لمعالجة النفايات من هذا الطراز، بدل المطامر والمحارق، المسببة للتدهور البيئي والخراب الصحي، كي يكون ضميرهم مرتاح، وأرباحهم مشروعة أمام الله في الدنيا والآخرة.

Pin It on Pinterest

Share This