|  د. ناجي قديح

يكثر الحديث مؤخرا عن عودة شركة هولسيم للترابة في شكا إلى حرق أطنان من الأدوية الصيدلانية منتهية الصلاحية. وربما من المفيد تذكير كل المعنيين بهذا الأمر، أن هذه المواد تصنف نفايات خطرة، وفق لوائح اتفاقية بازل بشأن النفايات الخطرة. وهي تندرج تحت النقطة A 4010، المتعلقة بالنفايات المتولدة عن إنتاج وتحضير واستعمال المنتجات الصيدلانية، في اللائحة (أ)، من الملحق الثامن، أي لائحة النفايات المصنفة خطرة وفق المادة 1 الفقرة 1 (أ) من الاتفاقية.

وإذا راجعنا الملحق الأول لاتفاقية  بازل، الذي يتضمن لائحة بفئات النفايات المصنفة خطرة، الواجب إخضاعها للرقابة والتحكم، والتي ينبغي، وفق أحكام الاتفاقية، أن يتم التعامل معها بناء على هذا التصنيف، على اعتبارها مواد خطرة. نرى في هذا الملحق، أن هناك 3 فئات تغطي المواد الصيدلانية، والأدوية منتهية الصلاحية، وهي:

Y1- أي النفايات الطبية، المتولدة عن الرعاية الطبية في المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات، وهنا تعتبر الأدوية منتهية الصلاحية فئة مميزة من فئات النفايات الطبية الخطرة، متنوعة الخصائص والميزات والفئات.

Y2- أي النفايات المتولدة عن إنتاج وتحضير (تركيب) المنتجات الصيدلانية.

Y3- النفايات الصيدلانية والأدوية والمستحضرات الصيدلانية المستعملة في الممارسة الطبية.

إذن، لا لبس في أن الأدوية منتهية الصلاحية، أوغير الصالحة للاستعمال في الممارسة الطبية، لأي سبب من الأسباب، أو المعدة للتلف أو للتخلص منها، هي مصنفة، وفق اتفاقية بازل، نفايات خطرة. وهذه الاتفاقية هي المرجعية الدولية المعنية بالنفايات الخطرة، ولبنان بلد طرف فيها منذ 1994. ونذكر المسؤولين والمواطنين اللبنانيين، أنه وفق أحكام هذه الاتفاقية بالذات، تمكن لبنان من إلزام ألمانيا وبلجيكا، باسترجاع مستوعبات النفايات الملوثة بمواد خطرة، التي دخلت إلى مرفأ بيروت بطريقة غير شرعية، في العام 1996.

إن مسألة التخلص من النفايات الخطرة على درجة عالية من التعقيد. وعلى من يتصدى للبحث فيها، أو للتقرير حولها، أو لاتخاذ قرار مسؤول بشأنها، أن يتناولها من جوانب عديدة. وبالتالي، عليه أن يخوض في عدد كبير من الضوابط، ذات الأبعاد القانونية والتنظيمية والتقنية، لكي يكون هذا التخلص قانونيا، وسليم بيئيا، وآمن صحيا، وذلك لجهة حماية البيئة والصحة العامة من المخاطر.

سوف نناقش في هذه العجالة، الجانب القانوني والتنظيمي لهذه المسألة، والضوابط التشريعية، التي تحكم أي بحث، أو تقرير، أو قرار مسؤول حيالها.

يعتبر القانون الإطاري لحماية البيئة الرقم 444 بتاريخ 29 تموز 2002 المرجعية القانونية الأساسية، التي تغطي كامل أبعاد هذه الموضوع. ففي الفصل الرابع، المتعلق بأليات رقابة التلوث البيئي، تنص المادة 12 منه على ما يلي: “بغية الوصول إلى مراقبة متكاملة للتلوث، تحدد، بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير البيئة، معايير النوعية البيئية الوطنية، كما وطرق منح التصاريح اللازمة، ومراقبة تطبيقها، وأصول تقييم وضع البيئة وحمايتها”. إذن، يقضي القانون بضرورة مراقبة متكاملة للتلوث البيئي، الناتج عن كل الأنشطة، الصناعية وغير الصناعية. وكلمة “متكاملة” هنا في صلب النص القانوني، تعني عدم الإكتفاء بمراقبة بعض المؤشرات التقليدية البسيطة للتلوث، بل الذهاب بعيدا بمراقبة كل المؤشرات. ويصبح الأمر أكثر مسؤولية، عندما يكون الموضوع متعلقا بحرق نفايات خطرة في أفران صناعية، هي معدة أصلا لوظيفة إنتاج الكلينكر (الترابة/الإسمنت)، وليس لأي هدف آخر. وإجراءات الحماية البيئية، التي تتزود بها، تخص انبعاثات الجسيمات والأغبرة، وليس أنواعا أخرى من الملوثات، التي تنبعث عادة من حرق نفايات خطرة. وينص القانون على أن إتمام هذه المراقبة المتكاملة، يشترط وضع معايير النوعية البيئية الوطنية، وأن تتحدد هذه المعايير بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.

فبدل أن يجهد وزير البيئة نفسه، في وضع فتاوى لإصدار هذا التصريح أو ذاك، لهذا الطرف أو ذاك، نرى من الأجدى أن يستنفر طاقات وإمكانات الوزارة، وهي كبيرة وجديرة بالاحترام، بخبرائها، وتقنييها، وإدارييها، وقانونييها، لفتح ورشة تحضير “مرسوم معايير النوعية البيئية الوطنية”، ليعرضه على مجلس الوزراء لإقراره. ليطوي، اليوم قبل الغد، صفحة القرار 8/1، المتعلق بالمعايير المجتزأة، والمفصلة على مقياس بعض الصناعات دون غيرها، الذي صدر حينها (2001)، في ظروف تجاوزها الزمن منذ سنوات طويلة. وهكذا يفتح الطريق واسعا لتنفيذ المراقبة المتكاملة، ومراقبة تطبيقها، وأصول تقييم وضع البيئة وحمايتها.

قبل القيام بهذه المهمة المسؤولة والملحة، لا يحق لأحد، لا وزير، ولا محافظ، ولا أي جهة أخرى، إعطاء التراخيص لأي جهة كان، قبل القيام بمراقبة متكاملة للتلوث، الناتج عن ذلك النشاط المراد الترخيص له، وقبل التأكد من احترام معايير النوعية البيئية، العامة، الصادرة بمرسوم عن مجلس الوزراء، وكذلك احترام المعايير الوطنية الخاصة بكل فئة من فئات المنشآت، التي ينبغي أن تصدر بمرسوم خاص أيضا عن مجلس الوزراء، وفق ما تنص المادة 42 الفقرة 3 من قانون حماية البيئة، التي تقول: “تحدد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المعايير الوطنية الخاصة بكل فئة من فئات المنشآت”.

وفي مادة تقارب موضوع حرق المواد، لأي غرض كان، ينص قانون حماية البيئة 444 في مادته الـ 25 على ما يلي: “يجب عند حرق أي نوع من أنواع الوقود أوالمحروقات أو غيرها، سواء في أغراض الصناعة أو توليد الطاقة أو أي غرض آخر، أن تبقى الانبعاثات على مختلف أنواعها ضمن الحدود المسموح بها”. فإذا عطفنا هذه المادة على المادة 12، نجد أن الترخيص لحرق الأدوية منتهية الصلاحية، لا يمكن لأحد أن يصدره، ولا أن يستقيم إلا بناء على مرسوم يحدد معايير النوعية البيئية الوطنية، بمعايير تسمح بمراقبة متكاملة للتلوث. أي إدخال كل المؤشرات في لائحة المعايير، وضمنا كل المعادن الثقيلة السامة، وكل الملوثات العضوية عالية السمية، بما فيها، تلك المسماة ملوثات عضوية ثابتة، مثل الديوكسين والفوران ومتعدد الكلور ثنائي الفنيل وغيرها، موضوع اتفاقية ستوكهولم، التي لبنان طرف فيها منذ 2002. وكذلك لائحة طويلة من الملوثات السامة، تشمل أيضا الجسيمات النانوية ومتناهية الصغر، عالية السمية والخطورة على الصحة العامة.

ومن جانب آخر، تقول المادة 44، الفقرة 1، من القانون نفسه بوضوح تام ما يلي: “مع مراعاة أحكام القوانين والأنظمة المرعية، لا سيما القانون 88/64 تاريخ 12 آب 1988، يخضع استيراد وإنتاج أو استخراج أو تحويل أو تسويق أو نقل أو حيازة أو استعمال أو إتلاف المواد الكيميائية الضارة و/أو الخطرة، التي بسبب تركيبها وطبيعتها وآثارها، لا سيما السامة، أو الإشعاعية، أو كميتها، تشكل أو قد تشكل، خطرا على الصحة والسلامة العامتين، وعلى البيئة عامة، لتصريح مسبق، يمنح ضمن شروط، تحدد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير البيئة والوزراء المختصين، ولمراقبة وزارة البيئة”. وتتابع الفقرات 2 و3 و4 سرد الشروط والتوضيحات الدقيقة، المتعلقة بهذا الموضوع الدقيق، والحساس، وعالي الأهمية والمسؤولية.

نخلص إلى القول، أن هناك، وفق قانون حماية البيئة رقم 444، حاجة إلى وضع مراسيم عدة، متعلقة بترتيبات التعامل القانوني مع المواد والكيماويات والنفايات المصنفة خطرة، ومنها، كما رأينا، النفايات الصيدلانية، والأدوية والمستحضرات الصيدلانية منتهية الصلاحية، أو المعدة للإتلاف لأي سبب كان. مراسيم يأخذها مجلس الوزراء، تنظيما، وتشريعا للتخلص من هذه المواد، مع احترام القانون الخاص بحماية البيئة.

 بل وأكثر من ذلك، إن التصريح لأي منشأة، يتيح لها التعامل مع التخلص من النفايات المصنفة خطرة، ومنها الصيدلانية، يصدر حصرا، ودون حاجة لأي تأويل، أو تفسير، أو التفاف، في مرسوم يقر في مجلس الوزراء. وتصريح كهذا، لا يمكن له أن يكون قانونيا، إن صدر عن أي مرجع آخر. فلا وزير البيئة، ولا المحافظ، ولا عن أي جهة أخرى، هي مرجع صالح لإصدار تصريح من هذا القبيل. فوزير البيئة هو المناط به تطبيق قانون حماية البيئة، والسهر على وضع مراسيمه التطبيقية بأسرع ما يكون، للتمكن من حماية البيئة وفق القانون، وبشفافية وفعالية كاملتين.

إن احترام القانون وتطبيقه، هو المسار الصحيح للأمور، وليس اللجوء إلى معالجات مرتجلة، ومتسرعة، واعتباطية، لا تستند إلى القانون، ولا إلى حسن الإدارة البيئية، وتؤدي بالنتيجة، إلى تلويث خطير للبيئة، يطيح بسلامة وأمان الصحة العامة لسكان المنطقة ولبنان عموما، ويتهددهما بأكبر المخاطر.

في الوقائع وبالمستندات: هولسيم تعاود الحرق وقرارات مخالفة للقوانين

رغم القرار الصادر بتاريخ 31/10/2014 عن مجلس بلدية شكا والرافض رفضاً مطلقاً لأي عملية معالجة للنفايات في معامل الاسمنت في شكا، ورغم التشدد في موقف المجلس وفعاليات البلدة، الوارد بوضوح في نص القرار بعبارات مثل “الاجماع وبشكل قطعي ونهائي” على رفض المشروع.. رغم هذا الوضوح في الرفض قامت وزارة البيئة بتاريخ 25/11/2014 بالسماح للشركة بالتخلص من الأدوية منتهية الصلاحية من خلال حرقها في الأفران التابعة لمعامل الاسمنت في شكا.

قرار مجلس بلدية شكا برفض استخدام النفايات في أفران هولسيم

قرار مجلس بلدية شكا برفض استخدام النفايات في أفران هولسيم

11273702_10153463803174203_631112906_n

قرار وزير البيئة بتجديد رخصة هولسيم 1-3

 قرار وزير البيئة بتجديد رخصة هولسيم 2-3

قرار وزير البيئة بتجديد رخصة هولسيم 2-3

 قرار وزير البيئة بتجديد رخصة هولسيم 3-3

قرار وزير البيئة بتجديد رخصة هولسيم 3-3

إلا أن محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا عاد وأصدر قراراً حمل الرقم 4/ب/2015 بناء على المرسوم الاشتراعي رقم 116/59 لا سيما المادة 18 منه، وبناء على قرار وزير البيئة بتجديد رخصة بيئية لشركة هولسيم (القرار اعلاه)، وبنتيجة المراجعات من قبل البلديات والأهالي بموضوع حرق الأدوية وحرصاً على سلامة وصحة المواطنين، يقضي بعدم السماح لشركة هولسيم “في الوقت الراهن” باستعمال معاملها للتخلص من الأدوية المنتهية الصلاحية وغير الصالحة للاستعمال.

قرار محافظ الشمال بوقف حرق الأدوية في أفران هولسيم

قرار محافظ الشمال بوقف حرق الأدوية في أفران هولسيم

لجنة مخالفة للقانون لدراسة وضع “هولسيم”!

المحافظ نهرا عاد بعد فترة وأصدر قراراً قضى بتشكيل لجنة “مهمتها دراسة إمكانية اعطاء رخصة لشركة هولسيم للتخلص من الأدوية”، لم يكن اللافت الوحيد فيها هو صدور قرار تشكيل اللجنة بعد أشهر على رفض المحافظ متابعة الشركة لعملية حرق الأدوية فقط، بل في أنه ضم الى عداد اللجنة مستشاراً من وزارة البيئة بصفة عضو “مندوب وزارة البيئة” في مخالفة واضحة وصريحة لقرار وتوصية هيئة التفتيش المركزي ورئاسة مجلس الوزراء، والموقع بتاريخ 12 تشرين الثاني 2005 في عهد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، والقاضي بمنع مستشاري الوزراء من ممارسة صلاحيات المدراء العامين للوزارات.

تشكيل لجنة لدراسة موضوع هولسيم ومستشار وزير البيئة عضو فيها

تشكيل لجنة لدراسة موضوع هولسيم ومستشار وزير البيئة عضو فيها

من أنهى “الوقت الراهن”؟

يبدو أن عبارة الوقت الراهن المذكورة في قرار المحافظ، قد تم انهاء مفعولها بقرار من “مجهول” حيث لم نستطع معرفة الجهة التي سمحت للشركة بمعاودة حرق الأدوية المنتهية الصلاحية، والتي تردد أنها جهة وزارية مقرها “بيروت”.

“المسؤولين في بيروت”

مصدر في قلم محافظة الشمال أكد في اتصال معنا أن اللجنة المشكلة من قبل المحافظ لم تصدر أي قرار يسمح للشركة بمعاودة حرق الأدوية، وبعد معاودة الاتصال بمكتب المحافظ أفدنا بأنه في اجتماع لكنه لم يتخذ من جانبه أي قرار يسمح للشركة بمخالفة قراره الصادر بتاريخ 4/2015 .. وعندما استفسرنا عن من سمح للشركة بمتابعة عمليات الحرق طُلب منا مراجعة “المسؤولين في بيروت”!.

Pin It on Pinterest

Share This