تابعنا، في ثلاث مقالات سبق نشرها، موضوع مخاطر الرصاص على صحة أطفالنا. واشرنا إلى أن الرصاص في الدهانات يشكل واحدا من أهم الطرق لتعرض الأطفال لهذا المعدن الثقيل السام. واستكمالا لذلك، نعرض ونناقش، في سياق هذه المقالة، نتائج دراسة قمنا بتنفيذها في لبنان، بهدف التعرف على حقيقة احتواء الدهانات المنتجة محليا، أو المستوردة، والتي تباع في السوق اللبنانية، على الرصاص.

إن التعرض للرصاص يسبب العديد من المشاكل الصحية، وخصوصا عند الأطفال الصغار، وتستمر هذه المشاكل على طول السنوات اللاحقة. وخلصت السلطات الصحية العالمية إلى عدم وجود حد آمن لتركيز الرصاص في دم الأطفال. ولهذا هناك ضرورة ملحة لأن يتم إنتاج الدهانات من مواد خالية من الرصاص. وهذا يشكل ضرورة استثنائية بالنسبة للدهانات المستعملة في المنازل والمدارس والحضانات، وفي كل الأماكن، التي يتواجد فيها الأطفال.

يتم تعرض الأطفال للرصاص عادة من خلال الأغبرة الملوثة برقائق من الدهانات المحتوية على الرصاص، التي تنسلخ عن الأسطح الملونة، والجدران والألعاب الخشبية وغيرها من الأدوات.

تهدف هذه الدراسة إلى توفير معطيات حقيقية عن تراكيز الرصاص في الدهانات، وذلك باتباع منهجية علمية، وتنفيذ طرق معيارية لأخذ العينات والتحليل المخبري، بغية الحصول على أرقام حقيقية، موضوعية، تسمح لنا بتقييم حالة لبنان، حيال هذا الموضوع، الذي يكتسب أهتماما صحيا وبيئيا كبيرا على المستوى العالمي، في السنوات الأخيرة. وتهدف أيضا، إلى طرح الاستنتاجات والخلاصات، والمطالب الملحة، والإجراءات الفورية المطلوب تحقيقها في لبنان، بغية رفع مستوى الأمان الكيميائي، والسلامة الكيميائية، والارتقاء بمستوى حماية أطفالنا مما يتهددهم من مخاطر على صحتهم العقلية والجسدية، وصحة نموهم الطبيعي.

نفذت هذه الدراسة في إطار عمل دولي مشترك، قامت به “الشبكة الدولية للتخلص من الملوثات العضوية الثابتة” IPEN و”منظمة الناشطين المستقلين” IndyACT اللبنانية، ومنظمات مماثلة من الباراغواي وروسيا، بالتعاون مع جامعة سينسيناتي الأميركية University of Cincinnati (UC). و IPEN شبكة عالمية من المنظمات غير الحكومية، مكونة من منظمات صحية وبيئية من مختلف مناطق العالم، ومنظمتنا إندي آكت IndyACT اللبنانية هي عضو نشيط في هذه الشبكة، وعضو في هيئتها  التوجيهية Steering Committee، ونسعى جميعا لوضع وتطبيق سياسات في السلامة الكيميائية، والسير قدما في تطبيقات وممارسات تهدف لحماية الصحة البشرية والبيئة. وشعارنا الرئيسي هو: “مستقبل خالٍ من السموم للجميع”.

ثلاثة ألوان، الأصفر والأحمر والأبيض، أخذت من خمسة علامات تجارية “ماركات” من الدهانات. وتم اختيار الألوان لأن دراسات سابقة دلت على أن اللون الأصفر يميل لاحتواء أعلى تركيز من الرصاص، واللون الأبيض إلى أدنى تركيز، في حين يحتل اللون الأحمر مركزا وسطيا.

عولجت هذه العينات وحللت في مختبر جامعة سينسيناتي (UC) وفق منهجية علمية وبطرق معيارية معتمدة من وكالة البيئة الأميركية EPA – PB 92 – 114172 Sept. 1991.

 وقد تم نشر ورقة بحثية علمية عن هذه الدراسة في مجلة “أبحاث بيئية” Journal Environmental Research 138 (2015) 432-438.

تمت مقارنة نتائج تحليل تراكيز الرصاص في الدهانات مع المعيار المعتمد في كندا والولايات المتحدة الأميركية والنيبال للـ”التركيز الأقصى المقبول” للرصاص في الدهانات، أي 90 جزء من مليون (90 ppm)، ومع معيار 600 جزء من مليون (600 ppm)، المعتمد في بعض البلدان الأخرى مثل البرازيل، والفيلبين، والسنغافورة، وسري لانكا، والأوروغواي، وقورنت أيضا بـ 10000 جزء من مليون لاعتباره حدا شديد الارتفاع.

نتائج الدراسة – لبنان

يتضمن الجدول رقم 1 عرضا تفصيليا لنتائج التحليل لعينات الدهانات في لبنان، من مختلف الألوان ومن مختلف العلامات التجارية.

يتبين ما يلي:

–          المعلومات المعلنة على اللاصق، الذي تحمله علبة الدهانات، لا تتضمن أي معلومة عن تاريخ الصنع، ولا عن تاريخ انتهاء صلاحية المنتج.

–          منتجات بعض العلامات التجارية يحمل ملصقها عبارة “خالٍ من الرصاص” بالانكليزية. Tinol “Free of lead” ، و Dutch Boy “Lead free”. أما منتجات العلامات التجارية الأخرى لا تذكر شيئا بشأن هذه المسألة.

–          المنتجات التي تحمل معلومة “خالٍ من الرصاص” تبين أن بعضها يحتوي على تراكيز عالية جدا من الرصاص، وهذا يطرح مسألة مصداقية المعلومات المعلنة على الملصق.

–          ثلاثة عينات فقط من مجموع 15 عينة، تبين أنها تحتوي على تراكيز ضعيفة من الرصاص، أقل من الحد المقبول (أشير إليها باللون الأخضر في الجدول)، وواحدة فقط أكبر بقليل من هذا الحد (أشير لها باللون الأزرق)، أما باقي العينات، فتحتوي على تراكيز عالية جدا من الرصاص (أشير لها باللون الأحمر في الجدول).

حقائق مقلقة

يظهر من الدراسة أن 87% من العينات، المأخوذة في لبنان، يزيد تركيز الرصاص فيها عن 90 ppm، ومعدل التركيز في العينات اللبنانية هو 48300 ppm، أما التركيز الأعلى المرصود في لبنان هو 236000 ppm، في منتج “تينول” من اللون الأصفر.

تم شراء العينات خلال شهر تشرين الأول من العام 2011، من السوق اللبنانية، وتم تعمد شراؤها من مناطق مختلفة من لبنان. وبهدف متابعة بعض النتائج، تم إعادة شراء عينات منها بعد سبعة أشهر، وتم تحليلها.

العلامات التجارية الخمسة هي التالية: تينول Tinol ونولا Noula، وأوميغا Omega، هذه العلامات الثلاثة هي علامات تجارية وطنية لبنانية، وسايبس Sipes وهي علامة تجارية مركزها الرئيسي في مصر، وداتش بوي Dutch Boy وهي علامة تجارية مركزها الرئيسي في الولايات المتحدة الأميركية Dutch Boy – Sherwin Williams USA.

معلومات كاذبة على الملصق

معلومات على الملصق عن محتوى الرصاص في المنتج وجدت فقط في لبنان، وفقط في علامتين تجاريتين هما “تينول” Tinol (وطنية)، و”داتش بوي” Dutch Boy (أميركية). ولكن في كلا الحالتين، وعلى عكس ما هو معلن على اللاصق، تبين أن في واحدة أو أكثر من العينات يوجد مستوى عالٍ من الرصاص، وهو الأعلى في اللون الأصفر 236000 ppm (تينول)، والأخرى في اللون الأحمر 32400 ppm (داتش بوي). ومن الملفت، أن بعض ألوان منتجات “داتش بوي” المسوقة خارج لبنان تحتوي أيضا على الرصاص، ولكن بمعدل يساوي نصف ما وجد في منتجاتها المعروضة للبيع في السوق اللبنانية.

المركز الرئيسي للشركة الأم موجود في الولايات المتحدة الأميركية، فرعها في لبنان يحمل إسم “داتش بوي” Dutch Boy، وفرعها في الباراغواي يحمل إسم “كوراليت” Coralit. ففي حين منتجات “داتش بوي” في لبنان تحتوي على مستويات عالية جدا من الرصاص، ويشير ملصقها إلى أنها “خالية من الرصاص”، نرى منتجاتها في الباراغواي لا تحتوي على كمية من الرصاص قابلة للكشف (أي خالية من الرصاص)، على الرغم من أن ملصقها لا يحمل أي إشارة إلى محتوى الرصاص في المنتج.

تركيز الرصاص في الألوان المختلفة

يظهر ان أعلى تراكيز الرصاص موجودة في اللونين الأصفر والأحمر، ويليهما اللون الأبيض، حيث وجدت في بعض العينات تراكيز غير قليلة (2630 ppm في منتج “نولا” Noula، و2780 ppm في منتج “سايبس” Sipes).

متابعة تحاليل العلامة التجارية الأميركية المسوقة في لبنان

كما يظهر في الجدول، إثنان من ثلاثة عينات من العلامة التجارية الأميركية المسوقة في لبنان (داتش بوي Dutch Boy) تحتويان على تراكيز عالية من الرصاص – 32400 ppm و 1360 ppm. وهذا ما دعانا لمتابعة هذا الموضوع، قمنا بعد سبعة أشهر على شراء العينات الأولى، بشراء عينات من هذه العلامة التجارية، تتضمن الألوان الثلاثة نفسها، التي شملتها الدراسة الأساسية، وتم فحص وتحليل هذه العينات الإضافية بنفس المنهجية والطرق المعيارية.

أتت النتائج للألوان، التي تم تحليليها في الحالتين، متماثلة. اللون الأبيض 9 ppm مقابل 16 ppm في العينة الأساسية قبل سبعة أشهر. واللون الأصفر 381 ppm مقابل 1360 ppm، واللون الأحمر 66000 ppm مقابل 32400 ppm.

المقارنة مع تراكيز الرصاص لعينات تم تحليلها في بلدان أخرى

تراكيز عالية من الرصاص في اللون الأبيض 2780 ppm، واللون الأحمر 27700 ppm تم كشفها في دهانات “سايبس” Sipes (مركزها الرئيسي في مصر)، التي تم شراؤها في لبنان. في حين لم يتم كشف الرصاص (عدم وجود رصاص) في اللون الأبيض لدهانات “سايبس” المباعة في مصر، وهذا ظهر في دراسة نفذت مؤخرا في العام 2014.

استنتاجات مثيرة للدهشة

–          للمرة الأولى يتم تحليل الرصاص في الدهانات في لبنان. وهذا ما يجعل من هذه الدراسة رائدة في هذا المجال. وتستحق أن تتابع بهدف المراقبة والرصد.

–          متوسط الرصاص الكلي في الدهانات في لبنان يصل إلى 537 ضعف “الحد الأقصى المقبول” المعتمد في كندا والولايات المتحدة والنيبال – 90 ppm.

–          عينتان من الدهانات من العلامة التجارية الأميركية Dutch Boy – Sherwin Williams، التي تباع في لبنان في أوعية تحمل لاصقا يقول “خالٍ من الرصاص”، وهي في الحقيقة تحتوي على تراكيز عالية من الرصاص 66000 ppm  و 1360 ppm، في حين أن دهانات نفس العلامة التجارية المباعة في البارغواي خالية تماما من الرصاص. وهذا ما يطرح التساؤل عن أسباب ذلك. هل غياب المعيار الملزم وغياب الرقابة والرصد الرسميين يكمن وراء هذا الاستهتار بصحة الأطفال اللبنانيين والمقيمين في لبنان؟

–          57% من عينات اللون الأصفر و55% من عينات اللون الأحمر تحتوي على أكثر من 10000 ppm من الرصاص، وهذا مستوى عال جدا، ويترافق بمخاطر هامة على الصحة البشرية والبيئة.

–          ظهر أن ثلاثة عينات تحتوي على تراكيز أقل من 90 ppm، وهذا يشير إلى أن تكنولوجيا إنتاج دهانات خالية من الرصاص موجودة فعلا في لبنان، وهي متوافرة وقابلة للتطبيق، وبالتالي ليس هناك أية أسباب تطبيقية تمنع انتاج كل الدهانات بالاستغناء عن استخدام مركبات الرصاص في لبنان.

إجراءات فورية مطلوبة

–          بهدف حماية صحة الأجيال الحالية والقادمة من أطفالنا، وكل المتعرضين الآخرين، هناك حاجة ملحة ومستعجلة لسن لوائح تنظيمية ومعيارية ملزمة التنفيذ فورا، تعتمد 90 ppm “حدا أقصى مقبولا” لتركيز الرصاص في الدهانات المنتجة والمستوردة والمسوقة في لبنان.

–          نناشد وزارة الصناعة والسلطات المعنية الأخرى، الإسراع بوضع وإقرار هذه اللائحة المعيارية، ووضع آلية متكاملة للمراقبة والرصد.

–          نناشد وزارة التجارة، والسلطات المعنية الأخرى، متابعة موضوع المعلومات الكاذبة الموجودة على اللاصق، الذي تحمله عبوة المنتج. وندعو إلى المراقبة والرصد والمحاسبة.

–          ندعو مؤسسات صناعة الدهانات اللبنانية، وجمعية الصناعيين، للعب دورها الفعال بالتحول إلى تصنيع وتسويق منتجات، تتوافق مع المعايير الدولية، لناحية محتوى الرصاص فيها. وكذلك ندعو المستوردين للالتزام بمعايير الجودة العالمية للدهانات المستوردة للتسويق في لبنان، لجهة محتوى الرصاص فيها.

–          نحيط الجميع علما بأننا سوف نتابع هذه المسألة الهامة، وغيرها من القضايا المماثلة، وسوف نقوم بالمراقبة والرصد ونشر النتائج، بغية التقدم على طريق السلامة الكيميائية، والحماية من مخاطر الكيماويات على الصحة البشرية والبيئة، ولا سيما صحة أطفالنا اليوم وغدا وبعد غد.

سلسلة المقالات التي نشرت للدكتور ناجي قديح على موقعنا حول “خطر الرصاص على الأطفال”

الرصاص في الدهانات… خطر على أطفالنا

تعرض الأطفال للرصاص… تعددت المصادر والخطر واحد

لنحمي أطفالنا من التعرض للرصاص

Pin It on Pinterest

Share This