العمل جزء مهم من حياة البشر، بل قد يكون أهم ما في حياة كثيرين منهم، فبالإضافة إلى توفيره المتطلبات الأساسية للحياة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، فهو أيضا يعطي معنى وقيمة للحياة نفسها، ويمنح الإنسان شعورا بالثقة بالنفس، وقدرة على اختيار أسلوب الحياة الذي يريد واطمئنانا للمستقبل، ولهذا تعدّ البطالة إحدى الآفات الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل الدول والشعوب على التخلص منها والحدّ من آثارها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

والعمل شيء متغير مع تغير الحياة وتطورها، فمهن الأمس قد لا تصلح للحاضر، ومهن ووظائف الحاضر قد لا تكون موجودة في المستقبل.

ومع الثورة الصناعية الرابعة والرقمنة التي أخذت تشمل كل شيء في حياتنا، فإن هناك العديد من المهن التي انقرضت أو في طريقها للانقراض، وهناك مهن ووظائف تظهر حاليا لم يكن لها وجود قبل سنوات، وأخرى قادمة لم توجد بعد.

وحسب دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي نُشرت حديثا، فإن 65% من طلاب المدارس الابتدائية حاليا سيعملون في المستقبل في وظائف لم توجد بعد.

وهناك كثير من الدول في مختلف أنحاء العالم ألغت تخصصات جامعية معينة لانعدام الطلب عليها، وبعض الدول في عالمنا العربي مثل الأردن على سبيل المثال لا الحصر توقفت عن استقبال طلبات التوظيف في تخصصات محددة لانعدام الحاجة إليها في سوق العمل.

ومن الأعمال التي انقرضت أو في طريقها للانقراض في المستقبل القريب: عمل عمال المطابع الذين كانوا يعملون في طباعة الصحف، وكذلك عمل موزعي البريد والحطابين وعمال تعبئة البنزين وأمناء المكتبات ووكلاء السفر وعمال التجميع في المصانع، فضلا عن كثير من الوظائف والمهن التي كانت رائجة حتى وقت قريب.

وفي المقابل، فإن هناك آلاف المهن والوظائف الجديدة التي تظهر كل يوم أو ستظهر في المستقبل القريب، ومنها مهن ووظائف قد تبدو غريبة على القراء، لحداثتها وعدم انتشارها حاليا، ولكن سيكون لها دور كبير في المستقبل.

نستعرض لكم في هذا التقرير بعضا من أهم هذه الوظائف والمهن التي ستزدهر في الأيام القادمة.

مع تطور “العمل عن بُعد” ونموه الكبير حيث أصبح أسلوب حياة لعدد كبير من البشر، وذلك بعد أن بدأ على استحياء كإجراء مؤقت أثناء جائحة كورونا، تظهر حاليا وظيفة جديدة في صفوف الشركات والمؤسسات، هي مدير العمل عن بُعد (Director of remote work).

وحاليا، فإن 16% من الشركات في العالم ترفض تعيين أي موظف في المكتب بل تشترط على موظفيها الجدد العمل عن بعد، كما توجد هناك زيادة كبيرة في عدد الشركات التي توفر وظائف عن بُعد حيث تقدم نحو 55% من الشركات في أنحاء العالم هذا النوع من العمل، ومن المتوقع أن تزداد هذه النسبة زيادة كبيرة في المستقبل القريب.

وعمالقة التكنولوجيا مثل “جت لاب” (GitLab) و”فيسبوك” (Facebook) و”تويتر” (Twitter) من بين الشركات الأولى والأكثر شهرة التي شرعت في تعيين موظفين متخصصين لإدارة العمل عن بعد، خصوصا أن عددا كبيرا من موظفيها هم من بين هذه الفئة، ومن المتوقع أن تزدهر هذه الوظيفة ازدهارا كبيرا في المستقبل في مختلف أنحاء العالم، حسب ما ذكرت منصة “سياتل تايمز” (Seattle Times) في تقرير حديث لها.

خبير الأمن السيبراني

هذه واحدة من المهن التي أخذت في الازدهار أخيرا، وسيزداد الطلب عليها كثيرا في المستقبل، إذ يعدّ الأمن السيبراني أحد أهم التحديات التي تواجه البشرية في زمن الثورة الصناعية الرابعة؛ ولنفهم خطورة هذا التحدي يكفي أن نعلم أن الجرائم الإلكترونية بأنواعها المختلفة قد كلفت الاقتصاد العالمي أكثر من 6 تريليونات دولار العام الماضي فقط، ويتوقع أن تبلغ تكلفة هذه الجرائم على الاقتصاد العالمي نحو 10.5 تريليونات دولار سنويا بحلول عام 2025، وفق ما ذكرت “مجلة الجرائم الإلكترونية” (Cybercrime Magazine) في تقرير حديث لها.

وقد نما عدد الوظائف الشاغرة في مجال الأمن السيبراني بنسبة 350%، وذلك من مليون وظيفة في عام 2013 إلى 3.5 ملايين في عام 2021، ولهذا السبب تحاول الدول والحكومات والشركات معالجة المشكلة من خلال توفير التدريب المهني المناسب لتشجيع الشباب على اختيار هذه المهنة الحيوية.

مدير الفرق “الإنسا-آلية”

يقول الكاتب الأميركي مارتن فورد في كتابه “حكم الروبوتات” (Rule of the Robots) إن “الروبوتات لن تغير بعض الأشياء أو كثيرا من الأشياء في حياتنا، بل ستغير كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة”. ولعل أحد أهم التغييرات التي بدأت بالفعل الآن وستتوسع في المستقبل هو ميدان العمل، فحسب دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي سيرتفع معدل الاعتماد على الآلات (Automation) في كل أنواع الوظائف إلى 52% بحلول عام 2025.

وتوصلت الدراسة إلى أن الروبوتات ستقضي على نحو 85 مليون وظيفة في الشركات المتوسطة والكبيرة الحجم في السنوات الخمس القادمة، وأنه بحلول عام 2025 سيقسم أصحاب العمل أعمالهم بالتساوي بين البشر والآلات.

ومن هنا ستزدهر مهنة مديري الفرق المكونة من مزيج من البشر والآلات لتنظيم العمل وتقسيمه بحيث تؤدي الروبوتات المهام التي هي أقدر على أدائها من البشر والعكس صحيح أيضا، والمهندس الذي سينظم كل هذا هو مدير الفرق “الإنسا-آلية” (Human-Machine Teaming Manager) الذي سيعمل عند لحظات التقاطع ويخلق تعاونا سلسًا بين الطرفين، كما سيعمل على إيجاد طرائق ووسائل لتعزيز هذا التعاون وتكوين شراكة طويلة المدى بين البشر والآلات بدلا من التنافس فيما بينهما.

مدرب الألعاب الإلكترونية

أصبحت ألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية جزءا حقيقيا من حياة معظم البشر وبالذات بعد الجائحة، وفي عام 2020 بلغ عدد من يمارسون هذه الألعاب في مختلف أنحاء العالم 2.69 مليار شخص، وسيرتفع هذا الرقم إلى 3.07 مليارات في عام 2023 بنسبة نمو سنوي مركب تبلغ 5.6%، كما ذكرت منصة “فاينانس أونلاين” (FinancesOnline) أخيرا.

وهناك الآن اتحادات دولية ومسابقات وبطولات عالمية لهذه الألعاب تقدر جوائزها بعشرات الملايين من الدولارات، حيث يبلغ مجموع جوائز لعبة واحدة فقط من هذه الألعاب، هي لعبة “فورتنايت” (Fortnite) على سبيل المثال لا الحصر، 20 مليون دولار.

ومع النمو المطرد لهذه السوق، وازدياد عدد البطولات والمسابقات الدولية لهذه الألعاب ودخول ملايين اللاعبين الجدد كل يوم، ورغبتهم أن يصبحوا لاعبين محترفين يشاركون في المسابقات الدولية، والفوز بجوائزها المغرية، فإن الحاجة إلى مدربين متخصصين بهذه الألعاب تزداد يوما بعد يوم، بل إن هناك حاليا معاهد وأكاديميات تدرب الراغبين بالعمل في هذه المهنة الجديدة، وتمنحهم الشهادات العلمية التي تثبت كفاءتهم وقدراتهم.

ويبلغ حجم سوق مدربي الألعاب الإلكترونية في العالم الآن نحو مليار دولار، ويكسب بعض مدربي هذه الألعاب نحو 1350 دولارا في الأسبوع حسب ما ذكرت منصة “بيزنس إنسايدر” (business insider) أخيرا.

مهندس مياه المد والجزر

حسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن هندسة مياه المد والجزر ستكون من المهن الأكثر طلبا في المستقبل، وذلك للتغيرات المناخية الكبيرة التي تحدث في العالم، والتحديات الضخمة التي تتسارع، وأحد أبرز تجلياتها هو ارتفاع مستوى سطح البحر، حيث سيعمل مهندسو مياه المد والجزر مع الطبيعة وليس ضدها، في بعض من أكبر مشاريع الهندسة المدنية في القرن الـ21.

ووفقا لمؤشر “سي جوف” (CJOF)، فقد نمت فرص العمل لهذه الوظائف بنسبة 37% في الربع الأول من عام 2021، وستزداد الحاجة إلى هذه المهنة مع الزمن واستمرار مشاكل التغير المناخي التي تعدّ أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية في الحاضر والمستقبل.

خبراء الأوبئة

سيكون هناك كثير من الوظائف في علوم الحياة في المستقبل، ومن بين هذه الوظائف وظيفة المتخصص في الأوبئة، حيث يبحث علم الأوبئة في أسباب وتأثيرات الفيروسات والأمراض في البشرية والمجتمعات الإنسانية ووسائل مكافحتها والحد من آثارها، وبعد الجائحة الأخيرة التي سبّبها فيروس “كوفيد-19″، فإن الحاجة إلى علماء الأوبئة تبدو ماسّة أكثر من أي وقت مضى.

مدير تصميم المنازل الذكية

أثناء جائحة كورونا لزم أغلب الناس في العالم منازلهم أوقاتا طويلة بسبب الحجر الصحي الذي شمل أنحاء واسعة من العالم، واكتشف الناس أن منازلهم هي قلاعهم، ولهذا يجب أن تكون مجهزة بأفضل الوسائل.

وفي المستقبل، ومع انتشار فكرة المنازل الذكية في مختلف أرجاء العالم، فإن مهنة المصمم أو مدير تصميم المنازل الذكية سوف تزدهر ازدهارا كبيرا في مجال بناء المنازل أو تعديلها بطريقة ذكية مع توفير مساحات مكتبية منزلية مخصصة، وممتلئة بأجهزة التوجيه في المكان المناسب؛ فيها عوازل للصوت، ومداخل منفصلة يُتحكّم بها بواسطة الصوت، وصولا إلى شاشات الحائط وأجهزة الأمان وغيرها من التجهيزات والأدوات المبتكرة التي تجعل من البيت واحة حقيقية تمنح الراحة والطمأنينة والأمان لساكنيها، وقد وضع المنتدى الاقتصادي العالمي هذه المهنة ضمن قائمة المهن التي ستزدهر بحلول عام 2030.

Pin It on Pinterest

Share This