تسببّت أزمة كوفيد -19 بأزمة إقتصادية عالمية، فطبقاً لتوقعات البنك الدولي، فإن الاقتصاد العالمي سيشهد انكماشا بنسبة 5.2% هذا العام. كذلك يضيف البنك أن هذا سيُمثِّل أشد كساد منذ الحرب العالمية الثانية، إذ ستشهد أكبر مجموعة من اقتصادات العالم منذ عام 1870، تراجعات في متوسط نصيب الفرد من الناتج.

في حين، أنّه من المتوقع أن ينكمش النشاط الاقتصادي، في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 7% في عام 2020 . كذلك تشير التنبؤات إلى أن اقتصادات الأسواق الصاعدة، والبلدان النامية ستشهد انكماشا نسبته 2.5% هذا العام، وهو أول انكماش لها كمجموعة منذ 60 عاما على الأقل. ومن المتوقع أن ينخفض متوسط نصيب الفرد من الدخل بنسبة 3.6%، متسبباً في سقوط ملايين من الناس في براثن الفقر المدقع هذا العام. ووفق التقرير، فإنّ أشد البلدان تضرراً من الصدمة، هي البلدان التي كانت فيها الجائحة أشد تأثيراً، والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة العالمية أو السياحة، أو صادرات السلع الأولية، والتمويل الخارجي.

يعتبر لبنان من الدول التي تعتمد على السياحة والتمويل الخارجي، لذا فإن الأزمة الإقتصادية الخانقة، التي يمر بها هي وليدة العديد من الأسباب أولها، النظام الإقتصادي السائد منذ عشرات السنين، الذي أثبت فشله مراراً وتكراراً. ثانيها الوضع الأمني والإجتماعي غير المستقر المتمثل بالثورة، ثالثها جائحة كوفيد – 19، وآخرها إنهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي.

كل هذه الأسباب فاقمت الوضع المعيشي لدى اللبنانيين، وأوصلت نسب كبيرة منهم إلى حافة الجوع. ونتيجة لذلك فقد ظهرت العديد من المهن التي كانت سائدة منذ زمن، وإندثرت مع تطوّر الحياة، إلاّ أن الحاجة والعوز أديا إلى معاودة ظهورها، خاصة مع إزدهار حركة النزوح من المدن نحو الأرياف.

أبرز هذه المهن:

  • تربية المواشي

لجأ العديد من سكان الريف اللبناني، إلى تربية المواشي. بحيث تعتبر هذه المهنة من أكثر المهن المعتمدة، وذلك بسبب توفر الشروط الملائمة لها. إذ تنتشر المساحات الخضراء الشاسعة في المناطق الريفية، حيث ترعى المواشي، وبالتالي يقلّ إعتمادها على العلف. فضلاً عن توفر أماكن يمكن تبييت  المواشي فيها، نتيجة المساحات الخاصة  التابعة للمنازل الريفية، بعكس إزدحام الأبنية في المدن. إضافة إلى إمكانية الإستفادة من لحومها إما للإستعمال الشخصي أو بيعها، ناهيك عن إنتاجها من الحليب لصناعة الأجبان والألبان والكشك… وغيرها من المنتوجات، التي تعتبر أساسية في مونة كل منزل ريفي.

  • الزراعة

لجأ معظم سكان الأرياف إلى زراعة الحدائق المنتشرة حول منازلهم، أو الأراضي التي يملكونها. وتنوّعت هذه المزروعات وتعددت من كافة أنواع الخضار والفاكهة، والأشجار. بطريقة تكفي حاجة المنزل وتخفف الحاجة إلى الشراء من الخارج، خاصةً في ظل الإرتفاع الجنوني، وغير المستقر في الأسعار. يضاف إلى ذلك، لجوء العديد من العائلات إلى شراء الطحين، وصناعة الخبز في المنازل، للإستخدام الشخصي أو بيعها.

  • صناعة الصابون البلدي

بشكلً عام ، يفضل العديد من سكان الأرياف والمدن على حد سواء، إستخدام المنتوجات البلدية للنظافة الشخصية، أو حتى للتنظيف المنزلي. غيرأنّه ونتيجة الإرتفاع الجنوني، لمساحيق التنظيف الشخصي والمنزلي، فقد عاود الكثير من الناس إستخدام الصابون البلدي، الذي له الكثير من الإستعمالات، للشعر والبشرة، كذلك لتنظيف المنازل أو الثياب. بناءً عليه، إزدهرت هذه الصناعة، وإزداد الطلب على هذه المنتوجات.

  • صناعة وبيع القناديل

نتيجة أزمة الكهرباء، المتمثلة بالتقنين القاسي، الذي عانت منه كافة المناطق اللبنانية. وبعد تخوّف من إغراق لبنان بالعتمة لعدم توفّر مادة الفيول. بحيث ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي بالأخبار والتهويلات، الداعية إلى شراء الشموع أو أي وسيلة أخرى للإنارة. فقد تهافت اللبنانيون على شراء الشموع، التي وصلت أسعارها إلى أرقامٍ خيالية. كذلك إزداد الطلب على القناديل بشكل جنوني أيضاً، مما أدى بدوره إلى إرتفاع أسعارها هي الأخرى، وبالتالي إزدهرت صناعتها من جديد.

  • إزدهار الأسواق الشعبية

حتى الأمس القريب، عانت الأسواق الشعبية من الركود،  على الرغم من بضائعها الجيّدة والممتازة في أغلب الأحيان. إلاّ أن الترف الإجتماعي الذي كان سائداً، واللجوء الدائم إلى المحلات ذات الماركات العالمية، للأحذية والملابس، إنعكس ركوداً في حركة البيع في هذه الأسواق. غير أنّ هذه الأزمة الإقتصادية، أعادت الحياة لهذه الأسواق من خلال لجوء الناس، ومن كافة الطبقات الإجتماعية للتهافت على بضائعها.

مما لا شك فيه، أن الأزمة الإقتصادية التي ترافقت مع جائحة كوفيد – 19، ستترك بصمة كبيرة ومهمة قد تعيد ترتيب حياة سكان الأرض أجمعين، فتأثيراتها لم تنحصر على المستوى المعيشي فقط، بل على النمط التفكيري لسكان العالم بشكلٍ عام، ولسكان لبنان بشكلٍ خاص.

Pin It on Pinterest

Share This