أصبح من الواضح أن العالم ما قبل إنتشار كوفيد -19 ليس كما بعده، على كافة جوانب الحياة البيئية والإجتماعية، كذلك الإقتصادية. فمن جهة البيئة، سيتجه العديد من سكان دول العالم، نحو إتباع نمط حياة أكثر صداقة وحفاظاً على البيئة، وفق ما تبيّن الدراسات. كذلك من ناحية القيميين على الإقتصاد، فهم أكثر توجهاً نحو ما يسمى “الإقتصاد الأخضر”.

ففي التفاصيل، وبحسب خبراء تحدثوا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، بات الرهان والإستثمار في ما يعرف بـ”الاقتصاد الأخضر”، الطريقة المثالية والأكثر فاعلية، للهروب من تداعيات “كورونا” الإقتصادية، والهروب من مأزق القيود والعزل والقواعد الصارمة، للتباعد الإجتماعي المفروضة في العديد من دول العالم. بحيث أكد الخبراء للصحيفة أنّه “يمكن أن تمثل أزمة Covid-19 نقطة تحوّل في التقدّم بشأن تغيُّر المناخ”، مضيفين أن الكثير سيعتمد على الخيارات السياسية، التي يتم إتخاذها في الأشهر الستة المقبلة.

في الجهة المقابلة، ومع قيام الإقتصادات الكبرى بوضع حزم إقتصادية ضخمة، لتخفيف صدمة تفشى وباء “كورونا”، يرى العديد من المستثمرين والسياسيين والشركات، فرصة فريدة لدفع التحوّل إلى مستقبل منخفض الكربون.

لا سيما وقد أشارت النتائج إلى أن المشاريع الخضراء، مثل تعزيز الطاقة المتجددة أو كفاءة الطاقة تخلق المزيد من الوظائف، وتوفر عوائد أعلى قصيرة الأجل، وتؤدي إلى زيادة معدلات التوفير في التكلفة، على المدى الطويل نسبة إلى تدابير التحفيز التقليدية.

لذلك ومع وجود إنبعاثات الكربون على المسار الصحيح، لأكبر إنخفاض لها على الإطلاق هذا العام، يمكن للحكومات الآن أن تختار إما السعي وراء أهداف الإنبعاثات الصافية، صفر أو الوقوع في نظام الوقود مرة أخرى، وهو الأمر الذي سيكون لا مفر منه تقريباً.

وفي هذا الإطار، قال كاميرون هيبورن، مدير مدرسة سميث للمشروعات والبيئة في جامعة أوكسفورد: “إن خفض الإنبعاثات الذى بدأه Covid-19 قد يكون قصير الأجل”، مضيفاً أن الدراسة تظهر أنه يمكن أن تقر المجتمعات الحفاظ على العديد من التحسينات، التي شهدها المناخ وخفض إنبعاثات الكربون.

وووفق التقرير فإن الحكومات ركّزت حتى الآن على الإغاثة الإقتصادية الطارئة، حيث إن ما يقدر بنحو 81 في المئة من القوى العاملة في العالم، قد تعرضت لحالات الإغلاق الكاملة أو الجزئية.

لذا وبحسب التوصيات، يجب أن تركز البلدان الصناعية على دعم “البنية التحتية المادية النظيفة”، مثل مزارع الطاقة الشمسية أو الرياح، أو تحديث الشبكات الكهربائية، أو تعزيز إستخدام الهيدروجين. كما أوصى التقرير بإجراء تعديلات لتحسين كفاءة البناء، والتعليم والتدريب، ومشاريع لإستعادة النظم البيئية أو الحفاظ عليها، والبحث فى التقنيات النظيفة.

ومما يشجع على الاتجاه نحو “الإقتصاد الأخضر” التقارير المتعلقة بإنخفاض نسب التلوّث في الهواء، نتيجة الإغلاق القسري في معظم دول العالم، إذ أفاد التقرير الشهري الأخير الذي صدر عن المركز الأوروبي، لبحوث الطاقة والهواء النظيف في هلسنكي، أن نسبة ثاني أوكسيد النيتروجين في الهواء قد تراجعت 40 في المئة خلال شهر آذار (مارس) الماضي، ورجّح خبراء المركز أن تكون هذه النسبة أعلى عندما تصدر بيانات الشهر التالي، الذي عمّت فيه تدابير العزل جميع الدول الأوروبية.

وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر طبية وجود علاقة مباشرة بين التلوث والفيروس، تؤثر على معدل إنتشاره ونسبة فتكه بين المصابين. ووفق ما بيّنت دراسة وضعها خبراء معهد الصحة العامة، في جامعة هارفارد الأميركية فهناك علاقة بين نسبة الوفيات المرتفعة الناجمة، عن الفيروس والإصابة بالأمراض المذكورة. حيث تبيّن أن نسبة الوفيات الناجمة عن “كوفيد – 19″، كانت مرتفعة أكثر في تلك الولايات والمقاطعات، التي سجّلت معدلات تلوّث أعلى خلال الفترة نفسها.

كذلك تبيّن أن إنخفاض التلوّث الناجم عن إجراءات مكافحة إنتشار “كوفيد – 19” ، قد أدى إلى تراجع هذه الوفيات في أوروبا بمقدار 11 ألف حالة، نتيجة إنخفاض معدلات إستهلاك الفحم والنفط، اللذين يعتبران المصدر الأساسي للتلوّث في أوروبا.

Pin It on Pinterest

Share This