على مدى سنوات طويلة، تضطرنا خيارات حكومات لبنان المتعاقبة وسياسات وزراء البيئة، الذين يتعاقبون على هذه الحقيبة الهامة إلى تأكيد الحديث عن الإستراتيجية المفترضة لإدارة النفايات في لبنان، وإعادة شرح وتفصيل عناصرها وأهدافها وحلقاتها وأدواتها. لأن ما يقومون به، على امتداد كل السنوات الماضية وحتى الآن، لا يرتقي إلى الحد الأدنى المقبول من استراتيجية حديثة ومعاصرة مفترضة لإدارة النفايات. نراهم غارقون في رؤية بائدة، بعيدة كل البعد عن كل ما يجري في العالم من مسارات متجددة تتعلق بالإقتصاد الدائري، والتخفيف من تولد النفايات والمحافظة على الموارد وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية، وتصنيع وتحويل مكونات النفايات لاسترداد قيمتها، وتفعيل البحث العلمي بهدف إيجاد الإجابات المناسبة على التحديات، التي لا تزال تشكل مكامن الضغط على البيئة والصحة العامة.

اتفاقية بازل، واحدة من أهم الأدوات القانونية الدولية، التي تعنى بالإدارة السليمة بيئيا للنفايات الخطرة والنفايات الأخرى، بما فيها النفايات المنزلية. وتعنى بوضع الدلائل التوجيهية، التي تساعد دول العالم، ولا سيما الدول النامية، على وضع الاستراتيجيات والخطط المناسبة لإدارة نفاياتها، وتخفيف ثقلها التلويثي على عناصر بيئتها، وعلى الآمان الصحي لشعوبها، التي تعاني من تحديات قاسية وصعبة في مختلف القطاعات الإقتصادية – الإجتماعية والبيئية – الصحية.

في هذا السياق عقدت مجموعة عمل النفايات المنزلية في اتفاقية بازل اجتماعها الثاني منذ فترة في مدينة “بورت أوف سبين” Port of Spain عاصمة ترينيداد وتوباغو Trinidad and Tobago، بهدف استكمال البحث والنقاش في وضع دليل توجيهي للإدارة السليمة بيئيا للنفايات المنزلية.

إن الإدارة السليمة بيئيا للنفايات ترتكز في هذه المرحلة على رؤية استراتيجة تعتبر النفايات موارد ثانوية ذات قيمة، يجب استردادها حفاظا على الموارد الطبيعية. وهذا ما يجد تجسده في رؤية الإقتصاد الدائري، التي ترى بوضع نظام الإدارة المناسب لتخفيف تولد النفايات عبر إعادة التفكير بطرق الإنتاج ونسق الإستهلاك السائدة، ولإعادة إستعمال موارد النفايات وتحضيرها لإعادة تدويرها وإدخالها في الدورات الإنتاجية، وتحويل مكوناتها وتصنيعها في منتجات جديدة، وتقليل كميات متبقياتها الذاهبة إلى التخلص النهائي إلى الحد الأدنى باتجاه تصفيرها.

وترتكز الإدارة السليمة بيئيا على عدد من المباديء والقيم بحيث يؤدي تطبيقها والبناء عليها واحترامها إلى وضع منظومة ضوابط وآليات عمل تضمن تحقيق الأهداف والغايات والنتائج المبتغاة في الحفاظ على بيئة سليمة وصحة عامة على درجة عالية من الأمان وبكلفات معقولة على الإقتصاد الوطني.

توقف الإجتماع عند عدد من القضايا الهامة، التي قلَّما يتم الحديث عنها، وتناول آليات التعامل معها. من أهم هذه القضايا، مسألة النفايات الخطرة في النفايات المنزلية، التي يجب تحديدها وجمعها المنفصل، وضمِّها إلى سيل النفايات الخطرة المتولدة من مصادر أخرى، صناعية وغير صناعية، لتتم إدارتها بشكل سليم بيئيا. وفي البلدان النامية، التي لا تزال تفتقر إلى منظومة كافية لإدارة النفايات الخطرة، أن يتم تخزينها بشكل آمن في أماكن مراقبة، في شروط تكفل إلى الحد الأقصى الممكن تخزينها الآمن بعيدا عن مخاطر وقوع الحوادث، إلى أن يتم تقرير مصيرها بمعالجتها داخل البلد أو خارجه، وفقا لآليات وضوابط إتفاقية بازل.

في هذا العنوان، هناك عمل جاد مطلوب القيام به، في نشر الوعي والثقافة عند المواطنين عن ماهية هذه النفايات الخطرة المنزلية، ومكوناتها، ومخاطرها المباشرة وبعيدة المدى على البيئة والصحة البشرية، ومخاطر الإبقاء عليها في سيل النفايات المنزلية الأخرى، دون جمعها المنفصل، حيث أن جمعها مع النفايات الأخرى، من شأنه أن يؤدي إلى تلويث كميات كبيرة من النفايات ويجعلها خطرة على التعامل معها، مما يزيد في المخاطر البيئية والصحية، ويجعل إدارتها أكثر تعقيدا وصعوبة، ويزيد أيضا من كلفة إدارتها.

لأهمية هذه المسألة، تم تشكيل فريق فرعي لمتابعتها والعمل على تعزيز النشاط العملي وتطويره، عبر تنفيذ مشاريع نموذجية ناجحة بهدف تعميمها وتحويلها إلى خيارات قابلة للتعميم.

مسألة أخرى عالية الأهمية تم التوقف عندها والنقاش بشأنها، تتعلق بما دأبنا على طرحه منذ سنوات، تكمن في أهمية الجمع المنفصل للمكوِّنات العضوية من النفايات، كخطوة عالية الأهمية الاستراتيجية في الإدارة السليمة بيئيا للنفايات في كثير من البلدان النامية، حيث تشكِّل هذه المكونات النسبة الأكبر من مجمل سيل النفايات المنزلية، وتتراوح بن 50% و70% في كثير من البلدان، وهي في لبنان أيضا تتراوح حول نسبة 60%، تزيد أو تنقص قليلا حسب الفصول والمناسبات، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، وفصلي الربيع والصيف.

إن الأهمية الكبرى لهذا الأمر، تكمن في نقل التركيز، عند الحديث عن الفرز من المصدر، من المكونات الصلبة الجافة، التقليدية في موضوع إعادة التدوير مثل الورق والكرتون والمعادن والبلاستيك والزجاج، إلى ضرورة فصل المكونات العضوية وفرزها من مصدر تكونها.

تكمن أهمية هذا الأمر، في أن هذه المكونات العضوية هي الأعلى نسبة، وبالتالي إن توفير طريقة لجمعها المنفصل، ونقلها المنفصل، يسمح بمعالجتها بفعالية كبيرة، عبر تحويلها إلى “كومبوست” عالي الجودة، أو إدخالها في سيل مكونات عضوية أخرى آتية من مصادر مختلفة، مثل وحول محطات معالجة المياه المبتذلة والمسالخ والملاحم وأسواق السمك وأسواق الخضار والفواكه، ونفايات الحدائق، إلى مفاعل الهضم اللَّاهوائي لتوليد البيوغاز، وبالتالي توليد الطاقة الأنظف والأقل تلويثا.

إن الجمع المنفصل للمكوِّنات العضوية من المصدر، يؤمن مسارا للإدارة السليمة، ليس فقط لهذه المكونات، التي هي في الواقع، النسبة الأكبر من الناحية الكمية، والتي تشكل الحلقة الأكثر تعقيدا من الناحية النوعية، لجهة سرعة تعفنها وإصدار روائح كريهة وانبعاثات ملوثة، وتولد عصارة قابلة أيضا للتعفن وتلويث مساحات واسعة. ويؤمن مسارا أسهل للإدارة السليمة للمكونات الصلبة الأخرى، التي تبقى قابلة بشكل أفضل للننقل والتخزين، وأيسر للتعريب، وأسهل لفصل المواد وتحضيرها لإعادة التدوير، وإعادة إدخال هذه الموارد الثانوية في الدورة الإنتاجية لمختلف القطاعات الصناعية.

المسألة الهامة الأخرى، التي ناقشها الإجتماع تتعلق بالقضية العالمية الكبرى لإدارة النفايات البلاستيكية. إن النفايات البلاستيكية، بعضها قابل للتدوير، وبعضها الآخر، وهي النسبة الأكبر، ملوثة ومصنفة نفايات خطرة أو نفايات خاصة تخضع لمراقبة اتفاقية بازل ولنظام الموافقة المسبقة في التجارة الدولية، لاحتوائها مركبات كيميائية خطرة، مثل النفايات الإلكترونية والكهربائية، والعديد من مركبات البلاستيك، التي تحتوي على مركبات مثبطة للهب، وإضافات مصنفة ملوثات عضوية ثابتة عالية الخطورة البيئية والصحية.

إن النفايات البلاستيكية، تشكل فقط  حوالي 10 – 15 % من سيل النفايات المنزلية في لبنان، والبلدان النامية عموما، في حين أنها تشكل نسبة عالية في نفايات البلدان الصناعية المتطورة. وهي، على الرغم من هذا التفاوت في نسبتها بين البلدان النامية والصناعية المتطورة، تشكل ملوثا هاما للبيئة العالمية، في المحيطات والبحار واليابسة، مما يجعل من الإهتمام بمسألة التلوث بالبلاستيك، وإدارة النفايات البلاستيكية قضية ذات اهتمام عالمي بامتياز. ولذلك، تم بحث إيجاد آلية للتآزر بين مجموعتي العمل التابعتين لاتفاقية بازل، تلك المتعلقة بالإدارة السليمة بيئيا للنفايات المنزلية، وتلك المتعلقة بالإدارة السليمة للنفايات البلاستيكية.

تزامن الإجتماع مع إبرام كرواتيا “قرار الحظر”، رقم 3/1، الذي أقر في المؤتمر الثالث لاتفاقية بازل، المنعقد في العام 1995 في جنيف، والذي ينص على منع تصدير النفايات الخطرة من البلدان الصناعية المتطورة في بلدان مجموعة التعاضد الإقتصادي OECD وبلدان الإتحاد الأوروبي وليخنشتاين، إلى البلدان النامية وكل البلدان الأخرى.

مع إبرام كرواتيا يوم 06 أيلول (سبتمبر) 2019 لهذا القرار، يكتمل العدد المطلوب (97 دولة) أي 4/3 عدد الدول الأطراف في الإتفاقية لكي يصبح هذا القرار نافذا.

بعد أكثر من ثلاثين سنة على اتخاذ قرار الحظر، يدخل حيز التنفيذ، حيث سيتم صياغته في مادة جديدة في الإتفاقية، ويدخل حيز التنفيذ الفعلي بعد مرور 90 يوما على تاريخ إبرام كرواتيا، الدولة الـ97، أي في 5 كانون الأول (ديسمبر) 2019.

إن دخول “قرار الحظر” حيز التنفيذ يشكل لحظة تاريخية تتحقق معها أهداف اتفاقية بازل في حماية بلدان العالم النامية في آسيا أفريقيا وأميركا اللاتينية من الإستمرار بالتعامل معها على اعتبار أنها مزبلة البلدان الصناعية، حيث تنقل إليها، بالطرق المشروعة وغالبا غير المشروعة، ملايين الأطنان من مختلف أنواع النفايات الخطرة الصناعية، وضمنا الكيميائية والبلاستيكية الملوثة والخطرة، لترمى أو تحرق بطرق تؤدي إلى تلويث خطير لبيئات هذه البلدان، مما يترافق مع آثار خطيرة على الصحة العامة لشعوبها.

يأتي دخول “قرار الحظر” الآن، في مرحلة هامة جدا، بعد أن فرضت الدول الصناعية، وفي مقدمتها الإتحاد الأوروبي، تعديلات على معايير تصنيف النفايات الخطرة، مما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في كميات النفايات الصناعية، ولا سيما منها البلاستيكية، التي تصدرها الدول الصناعية إلى البلدان النامية، كاستجابة منها للتعامل مع الوضع الجديد، الذي نشأ بعد الأول من كانون الثاني 2018، تاريخ منع الصين استيراد النفايات الصناعية، وخصوصا البلاستيكية، من كل الدول الصناعية في العالم، مما أدى إلى نشوء أزمة تصريف خانقة عندها لهذه النفايات لا تزال مستمرة بقوة حتى الآن.

إن لائحة البلدان، التي أبرمت قرار الحظر لا تزال تفتقد لدول صناعية كبرى، تسهم بالقسط الأكبر من إنتاج النفايات الصناعية الخطرة، والنفايات البلاستيكية الملوثة والخطرة، والتي تلوث بيئات العالم كلها، مثل الولايات المتحدة الأميركية وكندا واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وروسيا والهند والبرازيل والمسكيك.

إن الولايات المتحدة الأميركية، التي تنتج الكمية الأكبر من النفايات الصناعية الخطرة لكل نسمة من السكان، لا تزال تمتنع عن إبرام اتفاقية بازل نفسها، وقرار الحظر، وتعرقل تبني دول منظمة التعاضد الإقتصادي لآلية الموافقة المسبقة، التي أقرها المؤتمر الأخير لاتفاقية بازل عبر إقراره لمقترح الحكومة النرويجية. إن هذا الإستهتار بالقوانين الدولية المنظمة للتجارة العالمية ولقواعد الإتجار بالنفايات يسمح لشركات إعادة التدوير الأميركية، الفاقدة للضمير الإنساني، بتصدير مئات الحاويات من النفايات الإلكترونية الخطرة كل أسبوع إلى البلدان النامية تحت العنوان الكاذب لإعادة التدوير. إن عمليات إعادة التدوير البدائية تشمل حرق النفايات الإلكترونية وتذويبها وتفكيكها كيميائيا من قبل عمال غير مؤهلين، دون أية حماية، مما يؤدي إلى عمليات شديدة التلويث والمخاطر.

من غير المقبول الإستمرار في اعتبار البلدان النامية مكبا عالميا لنفايات البلدان الصناعية الخطرة، وينبغي التصدي لذلك بصرامة وبقوة القانون الدولي وقواعد التجارة العالمية بالنفايات وقيم العدالة البيئية والإجتماعية.

هذا ما يضع أمام اللبنانيين مهمات حماية بلدنا وبيئتنا وصحة شعبنا مما يحضَّر له، عبر خريطة الطريق، التي أقرها مجلس الوزراء مؤخرا، من اعتماد للمحارق، الممولة أوروبيا عبر مؤتمر سيدر، تمهيدا لاستيراد أطنان النفايات البلاستيكية الملوثة والخطرة من أوروبا، لتحرق عندنا، بعدما جرى تعديلات على بعض معايير التصنيف في اتفاقية بازل، وبعدما جرى دس مواد في قانون النفايات رقم 80 للعام 2018، تسمح باستيراد النفايات الخطرة في المادتين 26 و27، باشتراط موافقة وزارة البيئة، بعدما كان عندنا قانون خاص يمنع استيراد النفايات الخطرة منعا باتا، بل يعاقب على هذا الجرم بعقوبات تصل إلى الإعدام.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This