ربما يظن البعض أن من الواجب تقديم التهاني للبنانيين على إنجاز حكومتهم بإقرار خارطة طريق وزير البيئة بالتراضي، التي تسير بهم بتؤدة نحو استدامة أزمة النفايات، بكل ثقلها المدمر على بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام.

وربما أيضا يظن البعض أن من الواجب تقديم التهنئة لوزير البيئة على إنجازه العظيم في استدراج التراضي المطلوب لتمرير خطة تقطيع الوقت الفاصل إلى حين الوصول إلى المحارق. فبهذا يكون قد حقق الهدف الرئيس للرؤية، التي يحملها لإدارة أزمة النفايات.

لن نزيد شيئا على ما قلناه وكتبناه وشرحناه وفصلناه على مدى سنوات الأزمة منذ 1997 حتى اليوم، ولا سيما في حلقتها الأخيرة منذ العام 2015 حين، افترشت ملايين الأطنان من النفايات شوارع عاصمة الوطن بيروت وكل الوطن لما يزيد عن ثمانية أشهر، دون أن يرف جفن لحاكم، لا في الحكومة ولا في البرلمان. إنتقلت الأزمة بعدها إلى حلقاتها المتتالية في الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة وطرابلس، وإلى ما تجاوز 1350 مزبلة عشوائية تغطي جغرافية لبنان، وتبث في أجوائه باقة متنوعة من السموم والغازات والملوثات، بحيث بدأت نتائجها تظهر في إحصاءات ونسبة انتشار الأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة.

لن نزيد شيئا على ما كتبناه وشرحناه في موضوع خطط الإدارة المتكاملة للنفايات، وتقديم البدائل تلو البدائل عن الخطط والقرارات والخيارات والسياسات، التي تقرها الحكومات، وتتراضى عليها معظم القوى السياسية الفاعلة، المكوِّنة للسلطة في لبنان، حكومات وبرلمانات، والتي تستجيب لمصالح فئوية، حيث تحقق أرباحا بمئات ملايين الدولارات على حساب بيئة لبنان في كل أوساطها ومواردها الطبيعية، وعلى حساب صحة اللبنانيين ورفاه عيشهم، وحسن إنفاق المال العام، المؤتمنين عليه من موقع المسؤولية أمام الله والشعب والتاريخ.

لن نزيد شيئا على مئات المقالات والمنشورات والمحاضرات والمقابلات والندوات وورش العمل والمؤتمرات، التي عقدناها وشاركنا فيها، بموضوع محارق النفايات ومخاطرها ومتطلبات إدراتها، وأنها من حيث المبدأ ليست خيارا عقلانيا للبحث فيه في الإدارة المتكاملة للنفايات في لبنان. فمن يهمه الإطلاع، لمزيد من المعرفة والعلم، يمكنه مراجعة أرشيف كبير وغني وشامل بهذا الشأن.

هنيئا للبنانيين إنجاز حكومتهم بإقرار خارطة الطريق، التي ستنقلهم بخطى واثقة نحو المحارق بعد 5 سنوات، مرورا بعدد كبير من المطامر في كل المناطق اللبنانية، دون المساس بجوهر استراتيجية “التخلص” المعتمدة منذ ثلاثة عقود، وهي مع هذا القرار ستمتد لعقود ثلاثة قادمة.

من حق وزير البيئة أن يشعر بالسعادة، فهو حظي بما لم يحظ به العديد من قبله. فعلى الأقل وضعت خطته على طاولة مجلس الوزراء وتم إقرارها، ولم تلق ما لاقته الخطط السابقة من تجاهل. أقرت خارطة الطريق قبل الاستراتيجية، ودون إخضاعها لتقييم بيئي استراتيجي وعلى خلاف كل التشريعات البيئية النافذة. وعلى كل ذلك، يستحق الجميع المزيد من التهنئة والشعور بالإنشراح والسعادة.

ماذا أقول؟ تشريعات بيئية نافذة؟ فهذا ما يجهله حكام لبنان ولا يعيرون له أي اعتبار.

يقول وزير البيئة “لا نريد بيئة بالتراضي”…

لا نعرف لمن يمكن أن يكون موجها هذا الكلام، ولكننا على ثقة أنه عندما يحضر التراضي والتوافق بين القوى السياسية المكوِّنة للسلطة لا يعود للقوانين والمراسيم والتشريعات البيئية أي قيمة، تسقط كلها خاشعة عند أقدام تراضيهم وتوافقهم، وتسقط الحاجة إلى السير باحترام وفق الآليات والأنظمة، التي تنص عليها.

أجمل ما في هذه الخطة، ما يرافقها من رفع لمستوى التهديد باستخدام القوة لمواجهة المعترضين، وقد مورست فعلا في تربل، ويبدو أن هناك إصرارا على التهديد بالقوة واستعمالها.

والأبهى، هو مطالبة الآخرين المعترضين على مواقع المطامر أن يقدموا البديل عنها. وهذا هراء جميل أيضا….

بكل بساطة، البديل تقدمه دراسة تقييم الأثر البيئي، وليس المعترضين، إن هم كانوا أفرادا أو جمعيات أو بلديات أو كائنا من كان.

نعم، دراسة البدائل هي فصل رئيس من أي دراسة لتقييم الأثر البيئي لأي مشروع.

أنتم تتجاهلون الحاجة إلى وضع هذه الدراسات للمواقع، التي تقترحونها بشكل اعتباطي يصل إلى حد التعسف.

وتقولون هذه بضاعتنا، فمن يريد الإعتراض عليها، عليه أن يقدم البديل. هذا هراء حقيقي… ولكنه جميل أيضا، من المستغرب أن يصدر عن إناس يمارسون السلطة في الحكومة وفي البرلمان.

نحن الناس، نطالبكم بأن تمارسوا سلطتكم بطريقة مشروعة، عبر التزامكم بأحكام القوانين والمراسيم والتشريعات والأنظمة، وليس بتعسف واعتباط وارتجال وبالتراضي كما أنتم فاعلون.

وهكذا، عليكم أولا، وقبل إقرار خارطة الطريق في مجلس الوزراء، أن تضعوا دراسة تقييم بيئي استراتيجي لها، تبحث في آثارها وانعكاساتها على البيئة والموارد الطبيعية، وعلى الصحة، وعلى الإقتصاد. وتبحث أيضا في جدواها وفي تلاؤمها مع القوانين والأنظمة أولا، ومع الميول العالمية الأكثر حداثة في سياسات إدارة النفايات واسترداد قيمة مواردها والإقتصاد الدائري، تاليا.

نحن الناس، نطالبكم، أنتم وليس غيركم، بضرورة وضع دراسات تقييم أثر بيئي شاملة وكاملة ومفصلة لمشاريع المطامر الـ25، التي تضمِّنوها خطتكم.

فهذا واجبكم أنتم، وليس من حقكم أن تطالبوا الآخرين، أي من الآخرين، تقديم البدائل عن مواقع مطامركم. وفوق كل ذلك، تضعون المهل لهذه الأطراف لتقديم بدائلها في غضون شهر، وإلَّا فرضتم مواقعكم بالقوة، “ولا نريد بيئة بالتراضي”…

نقول “عفارم”. فأنتم لا تضعون الدراسات، ولا تتيحون الفرصة لمن تطالبونهم بتقديم البدائل أن يضعوا الدراسات اللازمة لبدائلهم. فمهلة الشهر يضعها من لا يدخل في حساباته لا دراسة ولا “من يحزنون”.

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني بكل وضوح، أنكم تدعون الأطراف لأن يتوافقوا بالتراضي على مواقع في مناطقهم دون إخضاعها لأي معايير بيئية، ولا أي درس لتقييم الأثر البيئي لها. تريدون في غضون شهر أن تنفذوا بالقوة مطامركم.

هنيئا للبنان واللبنانيين، في كل المناطق، وتحت كل السماوات، وفي رحاب كل القوى السياسية الفاعلة، والمشاركة في سلطة التراضي والتوافق على خطة المطامر-“عشوائية اختيار المواقع”، وخطة المحارق الثلاثة، بعد بضعة سنوات، والتي ستدخل لبنان في عصر جديد.

سجِّلوا علينا للتاريخ ما يلي: “عندما تقام محرقة واحدة في لبنان، في أي منطقة من مناطقه، سيتحول لبنان كله إلى وطن للمحارق، وستفقص في كل مدينة وكل بلدة وكل دسكرة و”زنقة” محارق من كل الأحجام والأنواع والفئات”.

عندها سيدخل لبنان وشعبه عصرا جديدا من الإنهيار التام للأمان الصحي، وللتلوث البيئي، ولهدر، على مستوى رفيع جدا، للمال العام، لم يشهده من قبل في هذا القطاع. مع فارق “بسيط”، أنه سيكون موزعا على الجميع وليس محصورا في يد فئة واحدة.

 

Pin It on Pinterest

Share This