ليس من شيم الكرام استخدام التضليل والإدعاءات الإعلامية لتشويه رأي ومواقف المعترضين على خيارات وقرارات وسياسات وخطط ومقترحات مواقع “الباركينغات” والمزابل والمكبات وما يسمونه المطامر، التي تعتمدها وزارة البيئة، ومعها اللجان الوزارية والبرلمانية ومجلس الوزراء.

أولا، نحن من حيث المبدأ لا نتفق مع الرؤية الأساسية، التي تعتمدونها في رسم سياساتكم حيال النفايات. أنتم تعتبرونها “كتلة من المرفوضات مطلوب التخلص منها”، وبالتالي تفتشون عن مواقع وطرق للتخلص منها، إما في المكبات العشوائية، التي تتفننون في ابتداع تسميات لها، أو في المطامر الصحية وغير الصحية، والنظامية وغير النظامية، أو كما تجمعون حاليا على الذهاب بها إلى المحارق، مع كل ما يرافق هذا الطرح من تضليل عند اعتبارها الحل “الجذري والمستدام”.

نحن نعتبر أن النفايات هي “مجموعة من الموارد الثانوية ذات القيمة”، علينا أن نضع نظام الإدارة المناسب والضروري لإسترداد هذه القيمة، وإعادة إدخال الموارد الثانوية في الدورة الإنتاجية.

ثانيا، نحن نختلف من حيث المبدأ على أمرين جوهريين في مسألة التخلص. الأمر الجوهري الأول، أين يتم هذا التخلص، أي مواصفات الموقع، الذي يتم اختياره لإقامة المزبلة أو الباركنغ أو المكب أو المطمر أو المحرقة. والأمر الجوهري الثاني، هل سيتم نقل مجمل النفايات (أو 95% منها) إلى هذه المواقع، أم أنها ستخضع مسبقا إلى عملية فرز حقيقي وتدوير ومعالجة وتحويل وتصنيع جدي للقسم الأكبر منها، بحيث يتم التخلص من متبقيات عمليات الفرز والتدوير والمعالجة والتحويل والتصنيع، أي ما لا يجب أن يزيد عن 20% من مجمل كمية النفايات؟

ثالثا، نحن نعتبر أن الإدارة البيئية السليمة للنفايات هي الإدارة المتكاملة، التي تتكون من مجموعة من المراحل المترابطة والمتتالية، بحيث تخدم كل مرحلة حسن تحقيق أهداف المرحلة التي تليها. وهذا يعني، أن المرحلة الأولى من الإدارة المتكاملة هي مرحلة التخفيف من كمية النفايات، التي تتطلب وضع سياسات واستراتيجيات وخطط وقرارات حكومية تهدف إلى تحقيق تخفيف كمية النفايات، وتحسين نوعيتها لناحية سهولة إدارتها، وهذا يتحقق بأدوات إدارية واقتصادية ومالية مطلوبة من الدولة، وزارات وحكومة وبرلمانا، وليس من البلديات أو منظمات المجتمع الأهلي والجمعيات البيئية والمدنية.

يلي ذلك، الفرز من المصدر، وتوفير نظام الجمع المناسب للمفروزات، لنقلها إلى مراكز التعريب والتوضيب والتدوير والمعالجة والتحويل والتصنيع. ولذلك نشدد على أن نظام الجمع والنقل يجب أن يكون ملائما لنوع النفايات المفروزة المطلوب نقلها ونوع العمليات، التي ستخضع لها في المرحلة التالية.

أما النفايات غير المفروزة، يجب أيضا أن يتم جمعها ونقلها بواسطة أسطول ملائم لعلميات الفرز، التي ستتم في مراكز الفرز حيث ستنقل، وهذا يعني أن منظومة نقل النفايات يجب أن تتخلص نهائيا من الشاحنات الضاغطة Compactors، إذ أن هذه الشاحنات هي معدة أصلا لجمع النفايات ونقلها إلى المكبات العشوائية أو إلى المطامر أو المحارق، التي تستقبل مجمل النفايات دون فرز أو تعريب، أو تدوير أو معالجة.

في مراكز الفرز يتم فصل مكونات النفايات عن بعضها وتعريبها وتوضيبها لتدوير بعضها، ولمعالجة وتحويل وتصنيع بعضها الآخر.

وهكذا، تنقل متبقيات هذه العمليات، وهي إن تمت بالكفاءة والفعالية المقبولة، تكون بنسبة 20-25% من مجمل النفايات، إلى مطمر صحي نظامي، تم اختيار موقعه باحترام المعايير البيئية، وجرى إنشاءه باحترام تصميمه الهندسي، وتزويده بنظام جمع وإدارة الغازات، ونظام جمع وإدارة العصارة، وتشغيله بطريقة سليمة لناحية استقبال المتبقيات ووضعها في خلايا ورصها وتغطيتها.

رابعا، نحن لا نعترض على مبدأ المطامر الصحية، فهي لا تزال تشكل حلقة ضرورية في الإدارة المتكاملة للنفايات، وستبقى إلى عقود قادمة حاجة ضرورية، لاستقبال كميات المتبقيات عن عمليات الفرز والتدوير والمعالجة والتحويل والتصنيع، حيث أن هذه العمليات سيتولد عنها بقايا مطلوب التخلص النهائي منها بطريقة مقبولة بيئيا وصحيا. وفق رؤيتنا، كميات المتبقيات هذه الذاهبة إلى الطمر الصحي يجب أن تتناقص تدريجيا مع رفع مضطرد لكفاءة الفرز والتدوير والمعالجة والتحويل والتصنيع.

على ماذا نعترض؟

أولا، نحن نعترض على تجاهل المسؤولين، إن في وزارة البيئة، أو الوزارات الأخرى، أو الحكومة أو أجهزتها التنفيذية مثل مجلس الإنماء والإعمار، الإلتزام بالقوانين والتشريعات البيئية، التي من حيث المبدأ هي مسؤولة ليس فقط عن تطبيقها، بل عن السهر على حسن تطبيقها من الجميع في القطاعين العام والخاص، ومن كل اللبنانيين والأجانب على الأراضي اللبنانية.

لمزيد من الإيضاح، لنفصل بالضبط على ماذا نعترض. نحن نعترض على عدم إخضاع الخطة أو خارطة الطريق أو الاستراتيجية، التي أعدتها أو تعدها أو ستعدها وزارة البيئة، أو أي وزارة أخرى، لدراسة تقييم بيئي استراتيجي تطبيقا للمرسوم رقم 8213 لعام 2012. ومناقشتها علانية مع الجمهور العام وكل المعنيين.

نحن نعترض على عدم إخضاع المواقع، التي تختارونها بشكل اعتباطي وعشوائي لإنشاء مزابل وباركينغات ومكبات ومطامر لأية معايير بيئية. فأنتم أولا، لا تميزون بين هذه المصطلحات وتدمجون بعضها ببعض مما يصعب على الناس العاديين فهم ماذا تريدون أن تقيموا بالضبط حاليا. فأنتم لا تخضعون هذه المواقع لأي درس جدي لمواصفات الموقع بحيث تراعي الحد الأدنى من المعايير البيئية والصحية.

نحن نعترض أيضا، على البدء بإنشاء هذه المنشآت، العشوائية منها، وتلك التي تتطلب أعمال هندسة مدنية، دون إعداد دراسة تقييم أثر بيئي وفق الأصول، تنفيذا للمرسوم رقم 8633 للعام 2012، مع تنفيذ الفصل المتعلق بمشاركة العامة، ولا سيما الناس المتأثرين بالمشروع. وتتهربون من تنفيذ هذا المرسوم وغيره، وهذه المراسيم هي في الحقيقة مراسيم تطبيقية لأهم قانون بيئي في لبنان، قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002. إذن، نحن نعترض بالفم الملآن وبالصوت العالي، على عدم التزامكم بالقانون البيئي ومراسيمه التطبيقية، وتجاهلكم التام لها.

بعد هذه التوضيحات، نسألكم، هل تريدون أن نطبل ونزمر ونهلل ونبخر لكم، حين تقررون افتتاح مزابل تحت تسميات من عيار “الباركينغ”، ومكب مراقب ومطمر، ودون أي اعتبار لأي من المعايير البيئية والصحية للموقع، ولا لأي من الشروط الهندسية للتصميم والتجهيز للمطمر الصحي حسب الأصول؟

هل تريدوننا أن نطبل لكم ونزمر ونهلل ونبخر للإستمرار في سياساتكم حيال النفايات بحيث تتجاهلون عمليا، فعالية عمليات الفرز، التي تقوم بها المراكز العاملة في الكرنتينا والعمروسية؟ وهل تريدوننا أن نتجاهل واقع الإقفال والتعطيل وسوء التشغيل للعديد من معامل الفرز والمعالجة الموجودة في مختلف المناطق اللبنانية، التي بناها وجهزها الإتحاد الأوروبي؟

هل تريدوننا أن نوافق على نقل كل النفايات أو 95% منها إلى المكبات والباركينغات والمطامر؟ وبعد ذلك إلى المحارق كما تعدون اللبنانيين بعد 4 سنوات؟

هل تريدوننا أن تكتفي بإعلانكم لتبني “الفرز من المصدر”؟ واعتبار هذا الإعلان كافيا للإدارة السليمة بيئيا للنفايات؟

نحن نعترض على الإكتفاء بهذا الإعلان، من موقع المسؤولية، حيث أن المسؤول مطلوب منه أن يعمل على وضع تشريعات للإدارة المتكاملة للنفايات، يكون مدخلها التخفيف والفرز من المصدر، ومستكملة بنظام متكامل ومتناسق للإدارة يحقق أهداف استرداد القيمة، التي تختزنها الموارد الثانوية التي تتكون منها النفايات.

في الختام، نحن نعترض، من جهة، على الرؤية، التي لا تزال تحكم سياسات إدارة النفايات في لبنان، وتبحث عن مواقع وطرق للتخلص منها، في حين نحن نتبنى الرؤية، التي تعتبر النفايات موارد علينا وضع النظام الإداري المناسب لاسترداد قيمتها. ومن جهة أخرى، نعترض على المخالفات الجسيمة للقوانين والتشريعات البيئية، التي ترتكبونها مع قراراتكم وخياراتكم للتعامل مع تعقيدات أزمة النفايات، التي ولدتها السياسات الخاطئة المعتمدة من قبل الحكومات منذ عقود، والتي يترتب عليها جرائم بيئية موصوفة، ذات مخاطر كبيرة على حماية الموارد الطبيعية والصحة والسلامة العامتين، ولأجيال قادمة، مع كل ما يرافقها من هدر فظيع للمال العام.

Pin It on Pinterest

Share This