دعاة محارق النفايات، من قادة ومسؤولين في الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة، ومن وزراء معنيين وغير معنيين، ومن نواب عن الأمة من مختلف المناطق اللبنانية، يستسهلون الدعوة لإقامة محارق النفايات في لبنان، ويطلقون عليها جزافا إسم “الحل الجذري والمستدام”. وهم في الحقيقة يجهلون أو يتجاهلون الكثير من المعلومات والشروط، التي ينبغي توفرها لمجرد البحث في احتمال اعتماد المحارق في مرحلة ما من إدارة النفايات، على المستويات كافة.

نتيجة التقنيات الدقيقة لمحارق النفايات، وفق متطلبات أفضل التقنيات المتاحة، تكون هذه المحارق مترافقة بكلفات باهظة جدا. فالتخطيط والتصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، المتعلقة بمنشآت محارق النفايات، تتطلب كلفات مالية كبيرة جدا. وكذلك كلفة تدريب فريق العمل الإداري والفني، الذي سيتولى إدارة وتشغيل المحرقة تكون أيضا عالية جدا.

تتكون هذه الكلفة من كلفة الإنشاء والتجهيز والتشغيل والعمالة، وكلفة التأهيل والتدريب، وكلفة النقل، وكلفة التخزين، وكلفة استعادة الرأسمال الإستثماري الأساسي، وكلفة بناء وتشغيل مطمر للتخلص من المتبقيات الصلبة عن عملية حرق النفايات، وكلفة معالجة النفايات السائلة المتولدة عن عمل المحرقة وتجهيزات معالجة الغازات، وكلفة الإصلاحات والصيانة وقطع الغيار. يكون مجموع هذه الكلفات أكبر بكثير في البلدان، التي تفتقر للبنية التحتية لنظام إدارة النفايات، كما هي الحال في لبنان. فهل نحن في لبنان في وضع مالي مرتاح إلى هذا الحد، الذي يسمح لنا اعتماد أكثر التقنيات كلفة على الإطلاق للتعامل مع إدارة نفاياتنا؟ أم أن هذه الكلفة العالية جدا هي الدافع الحقيقي للهث وراء هذا الخيار، باعتباره يوفر أعلى نسبة من السمسرات والعمولات والأرباح؟

ينبغي أن يكون إطار التشريعات والأنظمة موجودا ومكتملا، وهذا طبعا غير متوفر في لبنان. تهدف مجموعة التشريعات والأنظمة الضرورية لتأمين الإدارة البيئية السليمة. وهذا ما يتطلب إدخال الرؤية والسياسة والإستراتيجية المتكاملة في تشريعات ومنظومات ناظمة، وأطر من المعايير والضوابط، ومن البنية التحتية والمؤسسات.

فهل يمكن التغاضي عن وجود واكتمال منظومة التشريعات والأنظمة والضوابط والمعايير ونظم المراقبة والرصد، وأن نأخذ الأمور بهذه الخفة؟ ماذا ستكون النتيجة؟ وبالا على البيئة والصحة العامة ولأجيال قادمة.

على سبيل المثال، إن قبول أي متقدم للترخيص أو رفضه، يرتكز على مجموعة معايير تتعلق باختيار الموقع، ومواصفات تصميم المنشآت، وبرنامج تدريب مشغلي المنشآت، والتقييم البيئي، ومواصفات التشغيل، والتخلص من متبقيات عمليات المنشآت، وخطة الرصد والمراقبة، وفعالية خطط الطواريء والإستجابة للتعامل مع الحوادث، وأجهزة القياس ومنظومات الإدارة، والتسجيل وضبط السجلات والإبلاغ، ومعالجة الرماد والحمأة والأغبرة المتولدة عن منشأة المحرقة. بالإضافة إلى خطط وبرامج حماية الصحة والسلامة.

فهل هذا ما يحصل في لبنان حيال هذه الأمور الهامة؟ أم أن القرارات تؤخذ بمعزل عن تحديد المواقع، التي تتوفر فيها الحد المقبول من المعايير البيئية والصحية والبعد عن المناطق السكنية، والأخذ بعين الاعتبار الإتجاه السائد للرياح. وكذلك تنضج القرارات ويتم اتخاذها بمعزل عن تحضير دراسة تقيم الأثر البيئي والموافقة عليها حسب الأصول.

اعتماد إجراءات احترازية من أجل تفادي أو تخفيف إلى الحد الأدنى الممكن، تلوث الهواء والتربة والمياه السطحية والجوفية، والأضرار البيئية، والتلوث بالروائح والضجيج، وكذلك المخاطر المباشرة على صحة الإنسان.

تتطلب كل أفران محارق النفايات أن تحتوي النفايات على قيمة حرارية كافية تسمح لها بالإحتراق. وهذا يعني أن يكون محتواها من المواد غير العضوية (الرماد) ومحتواها من الماء محدودا. وفي حال يكون محتوى الماء والمواد غير العضوية كبيرا، كما الحال مع نفايات لبنان، تكون إضافة الوقود (الفيول) إلزامية إلى عملية الحرق، لإطلاق الإحتراق والمحافظة على درجة حرارة الإحتراق طوال مدة الحرق.

تتميز نفايات لبنان بوجود حوالي 60% مكونات عضوية، بمحتوى عالي جدا من المياه يصل إلى 70%، وبمكونات حاملة للقيمة الحرارية لا تتجاوز 25-28%  في الموارد البلاستيكية والورق والكرتون، حيث هي نفسها الموارد الأكثر طلبا للتدوير عندنا، وحاجة الصناعية اللبنانية كبيرة لهذه الموارد. ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن استراتيجية المحارق تنافس استراتيجية التدوير لموارد البلاستيك والورق والكرتون. وبالتالي إن تدمير هذه الموارد يحرم الصناعة اللبنانية من مصدر هام لموارد ثانوية رخيصة الثمن.

هذا يعني أيضا، أن حرق نفايات لبنان يتطلب إضافة وقود إلى المحارق من أجل إطلاق عملية الإحتراق وتأمين استمرارية حرارة الإحتراق فوق 850 درجة مئوية. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن مقولة استخراج الطاقة من حرق النفايات هي أكذوبة كبرى. فالطاقة التي يمكن أن تتولد هي بالأساس ناتجة عن حرق الوقود الإضافي، وليس عن نفايات لبنان الفقيرة بالطاقة، حيث أن طاقتها غير كافية لاستمرار عملية الإحتراق نفسها.

كل هذه الوقائع، معطوفة على ما جرى إدخاله في قانون النفايات رقم 80 من مواد تسمح باستيراد نفايات خطرة، ولا سيما بلاستيكية، من شأنه أن يفتح المجال واسعا أمام استيراد نفايات بلاستيكية غير صالحة للتدوير من أوروبا، مما يفاقم الأضرار البيئية والمخاطر الصحية، التي تسببها محارق النفايات.

معالجة الإنبعاثات والبقايا الناتجة عن محارق النفايات، تشكل تحديا تقنيا وإداريا وتشريعيا ومؤسسيا حقيقيا. فهل يعيره دعاة محارق النفايات العناية الكافية؟

تجهيزات معالجة وتخفيف الغازات الناتجة عن الإحتراق، وتجهيزات معالجة وتخفيف الإنبعاثات الحمضية، وتجهيزات معالجة الملوثات العضوية عالية السمية والثبات والتراكم الحيوي مثل الديوكسينات والفورانات والمركبات الأروماتية متعددة الحلقات، وتجهيزات معالجة وتخفيف المعادن الثقيلة عالية السمية، وتجهيزات معالجة وتخفيف انبعاثات الأغبرة والجزيئات الصلبة متناهية الصغر، وتجهيزات معالجة وتخفيف انبعاثات أكاسيد النيتروجين. كل هذا يكون ضروريا من أجل معالجة الإنبعاثات الغازية لمحارق النفايات.

يضاف إليها تجهيزات معالجة النفايات السائلة، المتولدة عن أبراج معالجة الغازات بالمحاليل الكيميائية لتعديل الأحماض والقلويات ولالتقاط الجزيئات. وبعد كل ذلك، تجهيزات معالجة المتبقيات الصلبة من رماد القاع والرماد المتطاير، وهي مصنفة نفايات خطرة، ينبغي معالجتها والتخلص منها في مطامر نظامية صحية متخصصة لاستقبال النفايات الخطرة.

هل يدرك دعاة محارق النفايات في لبنان، من قادة سياسيين ووزراء ونواب، ضرورة إقامة كل هذه التجهيزات بالتوازي مع أي حديث مسؤول عن إنشاء وتشغيل محارق نفايات في لبنان؟ وهل يدركون أن فعالية هذه الإجراءات تحدد درجة المخاطر الكبيرة، المباشرة وبعيدة المدى، على البيئة والصحة البشرية ولأجيال عديدة قادمة؟

على ضوء كل ذلك، هل يعتقد هؤلاء الدعاة لاعتماد محارق النفايات، أنهم يأخذون البلد والشعب إلى “حل جذري ومستدام” يؤمن السلامة والرفاه والصحة، أم أنهم يأخذون البلد برمته إلى مغامرة كبرى غير محسوبة النتائج والتبعات والمخاطر؟

 

 

Pin It on Pinterest

Share This