نقول للأقربين والأبعدين، المنخرطون بنشاط في إدارة ملف النفايات على مستوى الدولة، حكومات وبرلمانات، وقوى سياسية فاعلة، والذين بخياراتهم ينقلون البلد من حلقة إلى حلقة في أزمة النفايات الضاغطة بقوة على البيئة والصحة العامة والمال العام، نقول لهم جميعا، إسمعونا واصغوا إلينا جيدا، فنحن لا نملك شركات تنافس شركاتكم، لا في جمع النفايات ونقلها، ولا في إدراة معامل الفرز والمعالجة، ولا في المطامر، ولا في تقنيات التفكك الحراري، من محارق ومفاعل بيروليز أو تغييز أو بلازما.

رأي ورؤية، هذا كل ما نملكه. جديرة بأن تحل محل كل خياراتكم، التي تتجاهل بشكل كامل أبسط المعايير البيئية والصحية وحسن إنفاق المال العام. والتي تستجيب فقط لمصالحكم الفئوية، وربما لما يعتقد البعض واهماً أنه ذاهب إلى حلول “جذرية ومستدامة” مع الهروب إلى الأمام في اعتماد المحارق.

كنا ندرك أن قرار اتحاد بلديات الضاحية هو أداة ضغط على الحكومة للتسريع في وضع خيار المحارق على سكة التنفيذ الحقيقي. فهذا ما ظهر واضحا كل الوضوح في تصريحات بعض نواب المنطقة منذ أسابيع. وهو ظاهر في اعتماد خيار المحارق، ظنا بأنها تشكل الحل “الجذري” لما يعانيه البلد من أزمة في إدارة النفايات، أرَّقت حياة اللبنانيين، وهدَّدت أمانهم الصحي، وهدرت أموال بلدياتهم، بدل استثمارها في تنمية حقيقية مستدامة، هم بأمس الحاجة إليها في كل مناطقهم.

سرَّبت بعض وسائل الإعلام أن لهجة تهديد استخدمت خلال اجتماع رئيس الحكومة مع عدد من الوزراء ورئيس اتحاد بلديات الضاحية وبعض رؤساء بلديات المنطقة. وأنه حان الوقت لوضع حد “للدلال”، وكان هناك أصوات تدعو لاستخدام الأجهزة الأمنية في فرض السير بالحل الجذري، أي “بالمحارق”، وقمع المعترضين.

نقول لكم جميعا، لا حاجة لكم بممارسة القمع، لأن القمع وسيلة غير فعالة على الإطلاق مع أصحاب الرأي والرؤية. وهما كل ما نحمل من وسائل للتعبير في دفاعنا عن بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام، من مخاطر التدهور، والإنهيار والهدر، الناتجة عن السياسات والخيارات، التي تعتمدونها، حكومات وبرلمانات وقوى سياسية فاعلة، والتي هي تعبير عن الإنحباس في دوامة مغلقة، وما خيار المحارق إلا استمرار لها.

نحن ندعوكم للتحرر من أسر وقائع وضعتم أنفسكم في شباكها، ونلخصها بالتالي:

  • أنتم أسرى أساطيل شركاتكم لنقل النفايات، التي تضغط النفايات و”تخبصها” حين نقلها إلى معامل الفرز والمعالجة. أنتم عطلتم العقلانية في رؤوسكم، حين ارتضيتم السكوت على شاحنات الضغط، التي اختارتها شركاتكم لجمع ونقل النفايات منذ العام 1997. وعطلتم المنطق السليم، الذي يقول أن من يريد حقا فرز النفايات في مراكز ومعامل مجهزة لهذا الهدف، لا يوصلها بحالة تداخل فظيع نتيجة ضغطها و”خبصها” و”فعسها” بعضا ببعض. إن أساطيل الشاحنات الضاغطة هي بالأساس معدة لنظام جمع النفايات بهدف نقلها إلى الرمي العشوائي أو الطمر أو الحرق. عمليا، هذا ما تقومون به مع نفايات لبنان منذ العام 1997، فهي إما تنقل إلى مكبات عشوائية تجاوز عددها 1350 مكبا في كل مناطق لبنان. وإما تنقل للطمر في مطمر الناعمة – عين درافيل، وبعد ذلك في الكوستابرافا والجديدة – برج حمود، وها أنتم تتحضرون، بعد أربع سنوات، المدة الضرورية لوضع المحارق قيد التشغيل، لنقلها إلى المحارق. نحن ندعوكم أن تتحرروا من قيود شاحنات شركاتكم لجمع ونقل النفايات، فهي تتعارض جذريا، نظريا وتطبيقيا، مع الخطوة التالية المتمثلة بعمليات الفرز والمعالجة.
  • أنتم أسرى سكوتكم ورضاكم على سخف وتفاهة عمل معاملكم للفرز في الكرنتينا والعمروسية منذ تاريخ إنشائها حتى اليوم. لم نسمع يوما واحدا منكم يعترض على نسبة الفرز “البايخة” جدا، التي تتحقق في هذه المعامل، وهذا ما ينسحب أيضا على معظم معامل الفرز، التي أنشئت لاحقا بهبات من الإتحاد الأوروبي. هل فكر واحد منكم كيف لنفايات تصل “مخبوصة” لدرجة كبيرة في شاحنات الضغط، أن يتم فرزها النوعي والكمي؟ في حين يكون الهم الوحيد للشركات المشغلة لها يكمن في تحميل أكبر عدد من الأطنان في النقلة الواحدة. لا همَّ لهم، لا في فرز ولا في معالجة. هل ناقش يوما أحد منكم كيف يمكن زيادة نسبة الفرز في هذه المعامل للتجاوز 5-6%؟ وهل فكرتم يوما بزيادة هذه النسبة للتخفيف من كمية النفايات الذاهبة إلى المطامر، بهدف إطالة عمر استثمارها؟ نحن نقول، إنكم أسرى آليات إدارتكم للنفايات، حيث تتعارض موضوعيا مصالح الشركات المشغلة مع تحقيق أهداف الإدارة السليمة والمستدامة للنفايات. كيف لكم أن تتوقعوا من شركات جمع ونقل النفايات أن تبادر إلى اعتماد شاحنات لا تضغط، وهذا الطلب غير مدرج في دفاتر الشروط أصلا؟ وكيف نتوقع أن تعمل معامل الفرز على تطوير فعاليتها إذا كان هذا الهدف غير مطروح أصلا في دفاتر شروط تشغيلها؟ وكيف لنا أن تهتم شركات تشغيل المطامر بتخفيض كميات النفايات الواصلة إليها، إذا كانت عقود الدفع على الطن دون أية ضوابط أخرى؟ فمصلحة الشركات وفق عقودها تكمن في زيادة الأطنان، وليس في تخفيفها، وبالتالي نشهد غياب كامل للرؤية البيئية في كل السياسات والخيارات، التي تمارس حتى الآن، والتي تتحضرون للإستمرار بها مع المحارق.
  • نحن نعتقد أن كل ما تحضِّره وزارة البيئة من خطط واستراتيجيات وخرائط طرق، وبغض النظر عن رأينا بها وملاحظاتنا عليها، هي لا قيمة فعلية لها، ليس بسبب رأينا بها وملاحظاتنا عليها، بل بسبب تجاهل مجلس الوزراء التام لها. نحن نشهد منذ سنوات طويلة، أن قرارات مجلس الوزراء في هذا الملف لا ترتكز، لا من قريب أو بعيد، على تقرير أو خطة، أو رؤية، أو استراتيجية، أو خارطة طريق وضعتها وزارة البيئة. بل ترتكز على قرارات تحقق الإستمرار بالسير في الإستثمار على ملف النفايات، بالإنتقال به في أزمته الضاغطة من حلقة إلى حلقة، تتحقق معها عقود بمئات ملايين الدولارات في كل مرة.
  • أنتم أسرى الرؤية البائدة، التي تعتبر النفايات “كتلة مرفوضات مطلوب التخلص منها”. فإذا بكم تبحثون دائما عن مواقع للتخلص منها، في مكبات عشوائية جديدة، أو في مطامر جديدة تستقبل 95% من كمياتها، أي ما نسميه “الطمر الكلي” الذي نرفضه تماما، كما نرفض الحرق. نحن نطالبكم أن تتحرروا من هذه الرؤية المتخلفة والرجعية للتعامل مع النفايات. والإنتقال إلى رحاب الرؤية الحديثة، التي تعتبر النفايات “موارد ثانوية ذات قيمة”، على نظام الإدارة السليمة والمستدامة أن يحقق استردادها، بهدف تخفيف كلفة الإدارة الشاملة للنفايات، وبهدف حفظ الموارد وتحقيق الإقتصاد الدائري، وحماية البيئة من التلوث والتدهور، وحفظ الصحة العامة من التعرض لمخاطر كبيرة تهدد أمانها، ولإقفال أبواب هدر المال العام المشرَّعة.
  • ندعوكم للتحرر من القيود التي تأسركم، وأن تعملوا على تحقيق ما يلي:
    • اعتماد سياسات وأدوات مالية واقتصادية تهدف إلى التخفيف الحقيقي من كميات النفايات المتولدة في كل لبنان.
    • اعتماد الفرز من المصدر، وتوفير نظام نقل منفصل للمفروزات. بموازاة نقل باقي النفايات إلى مراكز للفرز والمعالجة.
    • اعتماد أساطيل شاحنات لا تضغط النفايات في جمعها ونقلها إلى مراكز الفرز والمعالجة، المنتشرة في كل المناطق اللبنانية.
    • تجهيز وتطوير وتحسين فعالية عمل مراكز الفرز بحيث تتعامل مع النفايات الواصلة إليها بحالة “غير مخبوصة” بقدرة أكبر على فصل مكوناتها، القابلة للتدوير، والقابلة للمعالجة، والقابلة لمزيد من التصنيع، بحيث تكون كمية المتبقيات النهائية المطلوب التخلص منها في الحدود الدنيا. وأن تتضمن دفاتر الشروط حوافز تدفع الشركات المشغلة على تحقيق هذه الأهداف.
    • تطوير عمليات المعالجة للمكونات العضوية في التسبيخ الهوائي لصناعة الكومبوست، الذي يستورده السوق اللبناني بعشرات ملايين الدولارات، أو بالهضم اللَّاهوائي، حيث يمكن توليد البيوغاز وإنتاج الطاقة الكهربائية والحرارية.
    • مزيد من تصنيع بعض مكونات المتبقيات بهدف التقليل من كمياتها إلى الحد الأدنى، الذي ينبغي أن يتحسن سنة بعد سنة.
    • أخذ المتبقيات النهائية، والتي تتناقص كمياتها سنة بعد سنة إلى مطمر صحي نظامي كامل التجهيز وحسن التشغيل. وهكذا وفق هذه الرؤية، يكون عمر تشغيله يقاس بعشرات السنوات وليس بسنوات لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، كما هي حال مطامركم في الكوستابرافا والجديدة وبرج حمود.
  • إن المحارق التي تعدون شعبكم وناسكم بها، واهمين أنها الحل الجذري والمستدام للنفايات في لبنان، هي وبال مستطير على بيئة لبنان وصحة الشعب اللبناني لهذا الجيل والأجيال القادمة. فالمحارق مصدر تلويث خطير للهواء الجوي، ولها آثار صحية بعيدة المدى. هذه المحارق عالية الكلفة الإنشائية والتشغيلية والصيانة، وهي تقنية معقدة تتطلب إدارة ومراقبة وإشراف عالية الدقة، وفي حال الضعف في التحكم بأجهزة مراقبة ومكافحة التلوث المرافقة لها، تتحول محرقة النفايات إلى مصدر كبير للمخاطر على السلامة العامة والأمان الصحي والبيئي.
  • إن المحارق التي تعدون شعبكم وناسكم بها، وتعتقدون واهمين أنها الحل الجذري والمستدام، سيتولد عنها ما لا يقل عن 30 – 35% من المخلفات الصلبة. رماد بنوعيه، رماد القاع والرماد المتطاير، والذي يشكل حوالي 5% وهو نفاية خطرة عالية السمية.
  • إن المحارق التي تعدون شعبكم وناسكم بها، هي بحاجة إلى وجود مطمر صحي نظامي خاص لاستقبال النفايات الخطرة المتولدة عن محارق النفايات، بعد معالجتها.
  • إن نفايات لبنان لا تحتوي كمية كافية من القيمة الحرارية كي تحترق وحدها، وكي تؤمن استقرار حرارة الإحتراق في الحد المطلوب لها فوق 850 درجة مئوية. ولذلك سوف تتطلب عملية الحرق إضافة محروقات بترولية أو نفايات بلاستيكية غنية بالطاقة، نتوقع أن يجري استيرادها من أوروبا الغارقة في بحر نفاياتها البلاستيكية، وهي ستكون بدورها مصدرا خطيرا لملوثات عالية السمية البيئية والبشرية.
  • لا داعي لاستخدام القمع في السير بمحارقكم، فهي خياركم وحدكم، وستتحملون تاريخيا مسؤوليات هذا الخيار. وستستفيقون على النتائج الكارثية لهذا الخيار، في ارتفاع غير مسبوق بنسب الإصابة بالأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية وغيرها من الأمراض المزمنة، التي سوف تهدد بشكل كبير الأمان الصحي لأجيال الشعب اللبناني.
  • هذا رأينا، وهذه رؤيتنا، وسنتابع التواصل مع شعبنا بكل الوسائل المتاحة والمشروعة، حيث لا تنفع التهديدات ولا أدوات القمع والإسكات والحد من الحريات والتضييق على التعبير. نقول بالصوت العالي، حيث مصلحة شعبنا ببيئة سليمة وصحة آمنة ومكافحة الفساد، سنكون دون تردد أو تراجع.

Pin It on Pinterest

Share This