بعد أشهر قليلة، أي في شهر تشرين الأول (أكتوبر) القادم، يحتفل اللبنانيون بمرور 3 سنوات على إقرار القانون رقم 63 تاريخ 27/10/2016 المتعلق بمعالجة تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون، في جلسة “تشريع الضرورة”، والذي يعرف شعبيا بقانون الـ 1100 مليار ليرة، يضاف إليها 55 مليون دولار قرض من البنك الدولي.

تضمَّن القانون خطة لمعالجة تلوث النهر والبحيرة على أن تنفذ في مهلة 7 سنوات. لقد مر من هذه المهلة ما يقارب الـ 3 سنوات، أي تقريبا نصف المهلة المحددة في القانون لتنفيذ الخطة. ولذلك، من المبرر أن يطالب اللبنانيون بتقرير مفصل عن ماذا تحقق خلال هذه السنوت الثلاثة من مشاريع، تستهدف تخفيف تدفق الملوثات إلى النهر وروافده وفروعه وحوضه، مرفقا بتقرير مالي مفصل عن الأموال، التي صرفت حتى الآن.

نحن نضم صوتنا إلى كل المطالبين بهذين التقريرين، بل نذهب أبعد من المطالبة الساذجة لنتحدى كل المسؤولين، وفي مقدمتهم اللجنة الوزارية لمعالجة تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء، ومجلس الإنماء والإعمار، المناط به الحلول محل كل إدارات الدولة في تنفيذ هذه المشاريع أيضا، بالإضافة إلى معظم المشاريع الأخرى، أن يعلنوا تفصيليا عن ماذا تم تحقيقه من أنشطة وبأي كلفة، من خطة معالجة التلوث في نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

مع تدفق خيرات المطر والثلوج خلال الشتاء المنصرم على لبنان، وارتفاع معدلات المتساقطات إلى مستويات لم نشهدها منذ سنوات طويلة، تحققت بعض التغيرات في مجرى نهر الليطاني وروافده وفروعه، وفي بحيرة القرعون أيضا، وتفجرت مئات الينابيع في حوضه، التي كانت جافة طوال عقود ماضية.

نتج عن ذلك، ارتفاع كبير في منسوب البحيرة حيث فاضت لأيام وأسابيع، وهذا ما كان حدثا نادرا جدا في الثلاثين سنة الأخيرة. وكذلك، إلى فيضان النهر في كل المناطق، في حوضيه الأعلى والأسفل.

أدى هذا الإرتفاع الكبير في معدلات المتساقطات إلى نتيجتين هامتين. النتيجة الأولى، تمثلت في زيادة كبيرة في تدفق النهر River Flow، أي حجم وكمية المياه التي تمر في نقطة معينة من مجرى النهر خلال مدة زمنية معينة. وأدى أيضا إلى ازدياد كبير جدا في حجم وكمية المياه الفائضة من البحيرة. هذا الإزدياد في كميات المياه وفيضان البحيرة وتدفق المياه في النهر، أدى إلى تخفيف تركيز الملوثات فيهما، ناتج عن بقاء تدفق الملوثات كميا ونوعيا دون تغير يذكر، وصرفها إلى حجم أكبر من المياه. يتحدد تركيز الملوثات في البحيرة والنهر حصيلة تدفق كميات ونوعيات محددة من الملوثات من مختلف المصادر إلى كميات محددة من المياه في البحيرة وفي مجرى النهر. يتحقق تخفيف تراكيز الملوثات في واحدة من حالتين، الحالة الأولى، أن يتم انخفاض كمي ونوعي للملوثات المتدفقة إلى النهر والبحيرة، والحالة الثانية أن يتم زيادة في حجم وكمية المياه المستقبلة في النهر والبحيرة. الحالة الثانية، هي ما تحققت خلال الشتاء المنصرم. وهناك غياب شبه تام لتحقق أي إنجاز يتعلق بالحالة الأولى، أي انخفاض في كمية ونوعية الملوثات المتدفقة إلى النهر والبحيرة من كل المصادر.

والنتيجة الثانية، تمثلت بجرف كميات كبيرة من الترسبات الرملية والطينية والطميية، التي كانت قد ترسبت في تخت مجرى النهر خلال السنوات الماضية، ولا سيما من مصادر المرامل في حوض النهر الأسفل، التي كانت قد أدت إلى تغيير مورفولوجي كبير جدا في مناطق كثيرة من مجرى النهر جنوبي سد القرعون.

نتج عن فيضانات النهر وارتفاع تدفق المياه فيه أضعافا مضاعفة خلال فصل الشتاء، تحسن ملحوظ في انخفاض كمية الترسبات. حيث أن الكميات التي جرفتها تيارات فيضانات النهر وسرعة وقوة تدفق المياه، وخصوصا أن انحدار مساره الجنوبي يكون كبيرا في بعض المناطق، كانت أكبر من كمية الرمول والطين، التي جرفتها الأمطار الغزيرة إلى مجرى النهر من مواقع المرامل غير المؤهلة حتى الآن، حتى وإن كانت مقفلة.

مع تحقق هاتين النتيجتين، تخفيف تراكيز الملوثات وانجراف كميات كبيرة من الترسبات من مجرى النهر، ظهر أن الوضع البيئي للنهر قد تحسن، وكثرت الإضاءات الإعلامية على هذا الأمر، للقول أن تغيرا جوهريا قد حصل. في الواقع إن هذا التغير هو تغير مؤقت، لأنه ترافق مع الأمطار الغزيرة التي توقفت مع انتهاء فصل الشتاء. وكنا نتوقع أن تعود أعراض تلوث النهر والبحيرة إلى الظهور مع الدخول في فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وتناقص تدفق المياه في النهر وتوقف الفيض في بحيرة القرعون.

لماذا كنا نتوقع ذلك؟

أشرنا في مقابلات إعلامية متعددة في الأشهر الثلاثة الماضية، إلى أن ما شاهدناه من تحسن في الوضع البيئي لنهر الليطاني وبحيرة القرعون، يعود الفضل فيه إلى رب العالمين وحده، وإلى كرم الطبيعة بكميات المتساقطات الكبيرة جدا، التي هطلت علينا هذا الشتاء. وليس لأحد في لبنان، ولا سيما الجهات المسؤولة عن تنفيذ خطة معالجة التلوث في نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وفق القانون 63 للعام 2016، من لجنة وزارية ووزارات معنية ومجلس الإنماء والإعمار، ولجان برلمانية يعود لها دور المراقبة والمتابعة والمطالبة، أي فضل فيما شهدناه مؤقتا من تحسن في وضع النهر والبحيرة.

لم يتم على مدى السنين الثلاثة الماضية أي تشغيل لأي محطة لمعالجة المياه المبتذلة، لا في الحوض الأعلى ولا في الحوض الأسفل، وبالتالي، إن كميات المياه المبتذلة، التي تتدفق إلى النهر وروافده وفروعه وحوضه عموما لم تنقص ليترا واحدا، بل أنها زادت مع ازدياد عدد السكان والقاطنين والتوسع العمراني، الذي تحقق خلال هذه الفترة في كل حوض الليطاني.

إن الجهد الوحيد الذي لاحظناه خلال هذه الفترة، هو الجهد الذي تقوم به المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بهدف الحد من التعديات على النهر وعلى الأملاك التابعة للمصلحة، وللحد من مصادر الملوثات المتدفقة إليه.

لذلك، كنا نتوقع أن تعود أعراض التلوث، ولا سيما في بحيرة القرعون، حيث الوسط المائي غني جدا بالمغذيات الفوسفورية والنيتروجينية، المرافقة للتلوث العضوي بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، ومياه الصرف الصناعية لبعض القطاعات الصناعية، ولم يطرأ عليه تغييرا يذكر.

مع ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع تراكيز المغذيات الملوِّثة، عادت السيانوبكتيريا Cyanobacteria إلى التكاثر، هذه المرة باندفاعة كبيرة لتغطي سطح البحيرة بالطحالب البكتيرية السامة، لتهدد سلامة الحياة في المنظومة البيئية للبحيرة والنهر، وتهدد الأمان الصحي لسكان المناطق المتأثرة بهواء ومياه البحيرة.

المطلوب الإسراع بتنفيذ محطات معالجة مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي في كل حوض الليطاني، الأعلى والأسفل، بحيث يتم تخفيف حقيقي لكميات التدفقات الملوِّثة المصروفة في النهر وحوضه. وكذلك معالجة مقبولة بيئيا للنفايات، وإزالة المكبات العشوائية من ضفاف النهر وحوضه.

 

Pin It on Pinterest

Share This