يؤسفنا تسجيل حقيقة غاية بالمرارة عندنا في لبنان، تتعلق بالغياب الكامل لأي رابط بين البحث العلمي والعلم عموما وصنع السياسات على كل المستويات، وفي كل مواقع صنع القرار، المتعلق بالسياسات والإستراتيجيات والخطط والبرامج والأنشطة، في كل القطاعات دون أي استثناء.

كيف يتوقع اللبنانيون تطورا في بلدهم في ظل هذا الغياب؟ وكيف ينتظر اللبنانيون تنمية مستدامة في ظل القطيعة الفجة بين مستوى وضع السياسات وبين البحث العلمي والحقائق العلمية في لبنان والعالم؟

إن هذا الأمر بالذات يعتبر محركا رئيسا للنمو والتطور والتقدم في كل بلدان العالم. ولذلك نرى أن كثيرا من البلدان، التي تعرف وتائر عالية للنمو، تستثمر في البحث العلمي لتحقيق هذا النمو والتطور والتقدم. عندما تستخدم نتائج ومعطيات وإنجازات البحث العلمي في وضع السياسات والإستراتيجيات الملائمة، واستخدام الإنجازات في القطاعات الإقتصادية المنتجة، في قطاعات الصناعة والزراعة والمعرفة والحماية والإدارة البيئية السليمة. في حين نشهد في لبنان سياسات مالية تنحو مسار خنق الجامعة اللبنانية، والمركز الوطني للبحوث العلمية، عبر ما نراه من تناقص لموازناتها سنة بعد سنة.

مناسبة هذا الحديث هو المؤتمر الصحافي للمجلس الوطني للبحوث العلمية ومركز علوم البحار، لإعلان نتائج رصد بعض مؤشرات التلوث في بحرنا، في نقاط محددة على طول الشاطيء اللبناني. وما يستثير الحديث عن غياب الرابط بين البحث العلمي والعلم عموما والسياسات، هو ما شكله تقرير مجلس البحوث من إحراج مخجل جدا للوزراء، الذين حضروا المؤتمر الصحافي، وللوزراء الذين فضلوا عدم الحضور، ربما لإبعاد كأس الإحراج المخجل عنهم، وهم مسؤولون مباشرة ودون مواربة عن ما يعانيه بحرنا وشاطئنا من تدمير وكوارث ومستويات عالية من التلوث بكل المؤشرات.

أولا، تحية للمجلس الوطني للبحوث العلمية ولمركز علوم البحار على دأبه على تقديم تقرير للرأي العام اللبناني كل سنة عن نتائج رصده لبعض مؤشرات التلوث في بعض النقاط على طول الشاطيء. على الرغم من محدودية هذه المؤشرات والنقاط، المرتبطة بالتناقص التدريجي لموازنات البحث العلمي في لبنان، على النقيض مع ما يجري في بلدان العالم الطامحة للنمو والتطور والتقدم.

لا نقول هذا بنية المزايدة على باحثي وعلماء المركز الوطني للبحوث العلمية ومركز علوم البحار معاذ الله. فنحن نلقى الكثير من النقد من أطراف عدة بسبب إيماننا ومطالبتنا بالإعتماد على البحث العلمي في إيجاد حلول مبدعة وخلاقة وجديدة لكل مشاكلنا البيئية وغير البيئية. بل نقول هذا للإشارة إلى أنه على الرغم من الإمكانات المادية والمالية المحدودة المتاحة لهما، يصرون على القيام بأبحاثهم ورصدهم ونشاطهم العلمي، وفق أفضل المعايير والمواصفات والتقنيات والطرق المتوفرة لديهم. فعدد نقاط الرصد على طول الشاطيء محدود، وعدد المؤشرات المدروسة محدود أيضا، ولكنها على محدوديتها ذات دلالات كبيرة. فنحن نعرف أن منهجية البحث، الذي يقومون به لرصد التلوث، هي منهجية علمية تعتمدها إتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط من التلوث، وتحديدا خطة العمل من أجل المتوسط MAP، وأكثر تحديدا برنامج مكافحة التلوث في المتوسط MEDPOL. وبالتالي نحن نشيد بالجهود العلمية والفنية في ما يقومون به من بحث وعمل مفيد للمجتمع وللدولة، حكومة وبرلمانا. وبما يقدمون من معطيات صالحة لأن تستخدم أساسا وقاعدة متينة لوضع سياسات مكافحة التلوث، وسياسات حماية بحرنا ومنظومته البيئية من التدهور والتدمير، تحت ثقل التعديات والتلويث بكل أنواع الملوثات، وبكميات متزايدة سنة بعد سنة.

لم تفاجئنا الخلاصة، التي أشار إليها التقرير بحزن لافت، التي تقول أن التقرير يشبه بشكل عام تقارير السنوات الماضية. في هذه الخلاصة إدانة صريحة للوزراء المعنيين وللحكومة والبرلمان على الغياب التام لسياسات الحماية وسياسات العلاج.

بل نحن نذهب إلى أبعد من ذلك لنقول، أن الوضع هذه السنة هو أسوأ من السنوات السابقة، وذلك لسببين: الأول، أنه لم تتخذ أية إجراءات على مستوى الحكومة أو الوزارات والإدارات والمؤسسات الرسمية المعنية من أجل معالجة تدفقات الملوثات إلى البحر من كل المصادر والتخفيف منها كميا ونوعيا. والثاني، هو أنه شهدنا زيادة في كمية ونوعية التدفقات الملوِّثة من كل المصادر إلى البحر.

نحن نشهد واقعيا زيادة في كميات مياه الصرف الصحي المقذوفة إلى البحر دون أية معالجة مسبقة، وما المحطات، التي يسمونها محطات لمعالجة المياه المبتذلة في الغدير وصيدا وغيرها، إلا محطات ضخ لا تقوم بأية عملية معالجة حقيقية، لا أولية ولا ثانوية ولا ثلاثية.

ونحن نشهد زيادة في عدد مصبات المياه المبتذلة إلى البحر دون معالجة على طول الشاطيء اللبناني. ونحن نطالب الجهات المعنية في مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال والنقل ووزارة الداخلية والبلديات ووزارة البيئة بتقديم تقرير سنوي عن عدد هذه المصبات إلى البحر. وحد علمنا أن هذا العدد يزيد باضطراد، بدل أن يتناقص كنتيجة لسياسات حماية مفترضة.

ونحن نشهد أيضا ازديادا في تدفقات سائلة صناعية غير معالجة كفاية إلى البحر، وذلك مع توسع المناطق الصناعية الساحلية، وازدياد عدد المؤسسات الصناعية فيها.

ونحن نشهد أيضا ازيادا في حوادث التسرب النفطي إلى البحر، ولا سيما في مرافيء الذوق والجية، وفي غيرها أيضا. ونشهد مزيدا من حالات ظهور ألوان مختلفة في مناطق عدة في مياه البحر، نتيجة رمي تدفقات صناعية سائلة، بما فيها حالات الرغوة البيضاء في شواطيء الذوق والجية ودير عمار.

نحن نشهد أيضا ازديادا مضطردا بكميات النفايات القابلة للتحلل والتعفن في مطامر النفايات غير النظامية في برج حمود والكوستابرافا، وأصبحت تقاس بملايين الأطنان. ونشهد أيضا ازديادا في عدد المكبات والمطامر الشاطئية في مختلف المناطق، ولا سيما ما يخطط لطرابلس الفيحاء.

إن المؤشرات، التي يرصدها مركز علوم البحار على مدار السنة، هي مؤشرات ذات دلالة أوسع من دلالتها الذاتية. أي إن وجود بكتيريا الكوليفورم البرازية هو مؤشر معتمد للدلالة على التلوث بمياه الصرف الصحي بكل ما تحمله من ملوثات عضوية وكيميائية وبكتيرية وطفيلية وفيروسية.

لقد قام المجلس الوطني للبحوث العلمية ومركز علوم البحار بواجبه كاملا غير منقوص، فقدم للرأي العام وللوزارات المعنية وللحكومة والبرلمان ما قام به من عمل، على مستوى عال من الحرفية والمهنية العلمية، ووضع تقريره برسم الجميع.

أما الآن، فنحن نطالب الوزارات والإدارات والمؤسسات المعنية بحماية الشاطيء والبحر، والمسؤولة عن وضع سياسات تخفيف مصادر التلوث على أنواعها، أن تتجرأ وتتفضل بتقديم تقاريرها عن ما قامت به خلال العام الفائت من إجراءات.

وأن تقدم للرأي العام اللبناني تقريرا عن خططها للسنة القادمة حيال تدفقات الصرف الصحي غير المعالجة، وحيال تدفقات الصرف الصناعي غير المعالجة، وعن خططها لرفع التعديات على الأملاك البحرية، ومعالجة المطامر غير النظامية، التي أقامتها في برج حمود والكوستابرافا.

إن السياسات، التي اعتمدت حتى الآن هي المسؤولة الحقيقية عن ما يصيب بحرنا وشواطئنا وأملاكنا العامة البحرية من دمار وتدهور وخراب وتلوث خطير، مع كل ما يرتبه من مخاطر وتهديدات على سلامة المنظومات البيئية البحرية، والتنوع الحيوي وتخريب الثروة السمكية. إضافة إلى ما يسببه من تهديد خطير للأمان الصحي للشعب اللبناني لهذا الجيل والأجيال القادمة.

إن هذه السياسات تجسدت في خيارات الوزارات المعنية والحكومات والبرلمانات المتعاقبة، بما فيها الحكومة والبرلمان الحاليين. إنهم مسؤولون عن هذا الخراب ومطالبون بتحمل هذه المسؤولية أمام الله والشعب. ومطالبون بالعودة عن هذه النُهُج، واستبدالها باعتماد العلم والبحث العلمي ونتائجه وإنجازاته، قاعدة لوضع السياسات التنموية المستدامة المطلوبة، وسياسات حماية البيئة ومعالجة الكوارث، التي تسببت بها سياساتهم المستمرة منذ ثلاثة عقود حتى اليوم.

Pin It on Pinterest

Share This