لا يزال ملف الصرف الصحي في لبنان يشكل واحدا من أكثر الملفات ثقلا وضغطا على كل أوساط البيئة، بحرا ومياها سطحية وجوفية وتربة. وهو واحد من أشد الملفات ضغطا على الصحة العامة، لما يشكل سوء إدارته في معظم المناطق اللبنانية من أسباب مباشرة وغير مباشرة لانتشار الأمراض المعدية والأوبئة، في كل الفصول، ولا سيما في فصل الصيف. وهو واحد من الملفات، التي اعتبرناها ونعتبرها، بابا واسعا لهدر المال العام دون جدوى، أو دون تحقيق الأهداف المرتجاة من الأموال المنفقة على هذا القطاع.

لقد سبق وتناولنا هذا الملف في كثير من جوانبه في مقالات عديدة نشرت على موقع greenarea.me منذ العام 2016 وحتى الآن. ولكننا نرى أن الصرف الصحي في لبنان لا يزال بحاجة إلى إعادة نظر جذرية في تخطيطه وفي تحديد أولوياته، وفي طريقة إدارته، وفي تنفيذ المشاريع المرتبطة بإنشاء الشبكات، وبناء محطات المعالجة وتشغيلها. فهو يستمر مسارا فاقعا لهدر الأموال في ظل غياب الرؤية السليمة للتنمية المستدامة، وغياب التقييم لتحقيق الأهداف المرجوة منه، في حماية البيئة وتوفير موارد إضافية من المياه الصالحة للإستخدام، على الأقل في الري الآمن للمزروعات، وفي تحسين الخدمات للسكان ورفاه حياتهم الإجتماعي وحمايتهم الصحية.

إن أي مراجعة لما تم تنفيذه من مشاريع في لبنان تحت عنوان الصرف الصحي، وإخضاعه للتقييم وفق معايير الجودة والفعالية والمردود البيئي والإجتماعي والصحي والإقتصادي، تُوصِلنا إلى نتائج كارثية على كل تلك المستويات، مما يؤدي إلى الإستنتاج بأن هذا القطاع يشكل، ليس فقط بابا مشرعا لهدر المال العام، بل تحقيقا لنتائج عكسية غاية بالسلبية على الصحة العامة، وتخريبا للبيئة وتلويثا لأوساطها، وخسائر اقتصادية تظهر في إخراج جزء أساسي من الثروة المائية اللبنانية خارج أي من مجالات الإستعمال الآمن للمياه، وكذلك بالإمتناع عن استرداد القيمة الطاقوية الممكن تحققها من وحول محطات المعالجة، وتراجعا في مستوى خدمات السكان وجودة حياتهم.

في المبدأ والأساس، إن مشاريع الصرف الصحي، شبكات ومحطات معالجة، تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين:

– أولهما، تخفيف الثقل التلويثي على الأوساط البيئية من أجل حماية البحر والمياه السطحية أنهارا وبحيرات وجداول، والمياه الجوفية، التي تعتبر في لبنان مصدرا مهما لتزويد السكان بالمياه الصالحة للإستعمال البشري والشرب في كثير من المناطق اللبنانية، وهي البديل الحقيقي عن مشاريع السدود الفاشلة والمترافقة أيضا بهدر فظيع للمال العام، المستدان من البنك الدولي وغيره، وحماية التربة الزراعية، من التلوث الجرثومي والعضوي والكيميائي، الخطير بآثاره المباشرة وبعيدة المدى على سلامة البيئة والأمان الصحي لعموم المواطنين ولأجيال لاحقة.

وثانيهما، إعادة استعمال المياه المعالجة، واعتبار مياه الصرف الصحي المعالجة مصدرا إضافيا لموارد المياه. تتم معالجة المياه لدرجة تتوافق فيها مع مواصفات المياه الصالحة للري أو لأي استعمال آخر. وفي كثير من البلدان، تستعمل مياه الصرف الصحي، التي خضعت لمعالجة ثنائية وثلاثية، في ري الحدائق العامة، وأشجار الزينة في المدن، ولري البساتين ومختلف المنتجات الزراعية، بما فيها الخضار والبقولات.

يتفرع عن هذين الهدفين الرئيسين الهامين لمعالجة مياه الصرف الصحي، أهداف إضافية تتحقق بالتزامن مع تحققهما، لها علاقة بتحسين الوضع الإجتماعي والإقتصادي والصحي للمجتمعات المحلية ولكل السكان. لهذه الأسباب مجتمعة يكون إنفاق مئات ملايين ومليارات الدولارات مقبولا ومبررا، إذا ما تحققت هذه الأهداف، الرئيسة منها والمرافقة.

ولذلك نرى، من أجل تقييم مبررات إنفاق تلك الأموال الطائلة على مشاريع الصرف الصحي، أن تخضع المشاريع المنجزة تحت عنوان الصرف الصحي، من مشاريع مد شبكات، وبناء وتشغيل محطات للمعالجة، لتقييم متعدد الأبعاد، كي يصار إلى الإستنتاج الموضوعي إن كانت هذه الأموال المنفقة هي هدر للمال العام، أم هي إسهام بتحقيق التنمية المستدامة للمجتمع اللبناني؟

هل يمكن اعتبار بناء شبكة مجارير للصرف الصحي، وربط المنازل والمساكن والأبنية بهذه الشبكة بحيث يتم جمع كل كميات المياه المبتذلة، بألوف أو مئات الألوف أو ملايين الأمتار المكعبة في أنبوب جامع يصب في البحر أو في النهر أو في الوادي، إنجازا تنمويا مستداما، أو إنفاقا خدميا مبررا ومقبولا؟

هل يمكن اعتبار هذا النوع من المشاريع، الذي يكلف عشرات بل أحيانا مئات ملايين الدولارات، والتي غالبا ما تستمر لسنوات طويلة تتجاوز العشر سنوات والعشرين سنة أحيانا، مشاريع تنموية؟ أم مشاريع غير مجدية، بل مؤذية للبيئة والصحة والإقتصاد والمجتمع؟

هل يمكن اعتبار مشاريع مجتزأة، وشبكات غير مكتملة، ومحطات لا تعمل، أو هي تعمل دون جدوى، أو هي محطات للضخ فقط، يتم تصويرها أمام المجتمع والإعلام والرأي العام على أنها محطات للمعالجة، وهذا يجافي الحقيقة تماما، ويعتبر ضربا من ضروب التضليل المقصود والمتعمد، إنجازات تستحق الضجيج الإعلامي المرافق لها والتجيير السياسي على حساب بيئة لبنان وصحة المواطنين ومالهم العام؟

لينبري أحد ما من المسؤولين في الدولة اللبنانية عن هذا الملف، إن في الوزارات المعنية أم في مجلس الإنماء والإعمار، ليقول للناس، كم محطة لمعالجة المياه المبتذلة تم بناؤها في لبنان، وما هي قدرة كل منها، وما هو مستوى المعالجة في كل منها، إن هي معالجة أولية Primary أو ثنائية Secondary أو ثلاثية Tertiary، وما هي فعالية المعالجة في كل منها؟

وليقول للناس أين تصب الشبكات المنجزة وغير المنجزة وغير المربوطة بمحطات للمعالجة، وإلى كم من السنوات يمتد مخطط إنتهاء الأشغال في الشبكات وفي المحطات والبدء بتشغيلها؟

هل يجرؤ أحد من هؤلاء المسؤولين أن يظهر إلى الناس ليبرر لهم لماذا بنيت شبكات مجارير الصرف الصحي في قرى وبلدات البقاع، حيث هي موجهة مباشرة لتصب في نهر الليطاني أو في أحد فروعه أو في حوضه، بحيث تنقلها مياه السيول والأمطار إليه وإلى بحيرة القرعون مباشرة؟

وهل يمكن لأحدهم أن يشرح للناس ما هي الحكمة التنموية من هذه المشاريع، التي تستمر الدولة في إقامتها منذ ثلاثين عاما، وتنفق عليها مئات ملايين الدولارات دون مراقبة أو تقييم أو تقدير لفعاليتها ومردودها وآثاره المدمرة على نهر الليطاني وبحيرة القرعون وكل ما يرتبط بهما من جوانب بيئية واقتصادية واجتماعية وصحية؟

هل يجرؤ أحد من المسؤولين عن هذا الملف أن يظهر ليشرح للبنانيين كم محطة للمعالجة الحقيقية بني في لبنان؟ وكم عدد المحطات العاملة حقا؟ وكم عدد المحطات المتوقفة عن العمل؟ وعن أسباب التعثر في تشغيلها وفق خطة مستدامة لمعالجة المياه المبتذلة تحقق، ولو نسبيا، الأهداف المرتجاة من إنفاق تلك المئات من الملايين والميارات من الدولارات من مال اللبنانيين؟

هل يمكن لأحد من المسؤولين عن هذا الملف أن يشرح للبنانيين ما هي الخطة المستدامة لمعالجة ألوف الأطنان من الوحول، التي تتولد عن المحطات العاملة إن وجدت، والتي ستتولد عن المحطات الجديدة والتي هي قيد الإنشاء؟ هل سيكون مصيرها كما وحول محطة زحلة؟ تتنقل من وادي إلى وادي، ومن هضبة إلى هضبة لتلوث بيئة القرى والبلدات البقاعية، بكلفة تقدر بملايين الدولارات من مال اللبنانيين؟

هل يمكن لأحد أن يخرج إلى اللبنانيين ليبرر العقم المزمن عند العقول، التي تدير هذا الملف وتتحكم في كل مفاصله من “طقطق للسلام عليكم”؟ تخطيطا وتحضيرا لدفاتر الشروط وإدارة لمناقصات صورية وتوقيعا لعقود التلزيم، ومراقبة لأعمال التنفيذ واستلاما لها دون تدقيق، وتحضير دفاتر شروط التشغيل والإشراف على المناقصات الصورية وتوقيع عقود التشغيل ومراقبة فعالية التشغيل وتقييمها؟ نحن نسأل من يحضِّر تقارير المراقبة والرصد عن تنفيذ كل هذه الأعمال في كل مراحل المشروع، من مرحلة تخطيطه، إلى مرحلة بنائه وإنشائه فإلى مرحلة تشغيله؟ من هي تلك الجهة العبقرية، التي تستلم التقارير، وماذا يكون مصيرها؟ وكيف تستخدمها في رفع فعالية الأعمال لكي تتوافق مع كلفة العقود الخيالية، وكيف تدرس تحقيق التوازن بين جودة الخدمة وكلفتها؟

نحن نسأل لماذا الإصرار على تسمية محطتي الغدير وصيدا محطات لمعالجة المياه المبتذلة، وهي في الحقيقة محطات للضخ، ولا يتم فيها أي مستوى من مستويات المعالجة الثلاثة، لا الأولية ولا الثانوية ولا الثلاثية؟ إلا إذا كان الجهابذة يسمون مرحلة التحضير، أو المرحلة البدائية أو مرحلة ما قبل المعالجة (Preliminary pretreatment phase) معالجة؟ وهي ليست أكثر من تمرير المياه عبر شبكة لعزل الشوائب الكبيرة والحجارة والحصى، وفي حوض لاتقاط الحصى والرمل في أسفله، وذلك فقط لحماية التجهيزات الميكانيكية للمحطة من أنابيب ومضخات. يسمونها معالجة ليبرروا عقم مشاريعهم، وللتعمية على الآثار المدمرة لهذه المشاريع على سلامة الأوساط البيئية، وعلى الأمان الصحي لعموم المواطنين وتعريضهم لأكبر المخاطر الصحية المباشرة وبعيدة المدى؟

إن الفرق كبير وجوهري بين مرحلة التحضير البدائية ما قبل المعالجة، وهي ليست معالجة للمياه المبتذلة، التي يطلقون عليها تسمية Preliminary pretreatment phase، وبين مرحلة المعالجة الأولية Primary treatment phase. ففي الأولى، التي تكتفي بالقيام بها محطتي الغدير وصيدا، يقتصر العمل على تمرير دفق المياه المبتذلة عبر شبك حيث يتم إيقاف الشوائب، التي يزيد قطرها عن 2 سم، وعبر خزانين بقطر 6 أمتار لإيقاف الحصى والحجارة، ولا تتم أية عملية معالجة لمياه الصرف الصحي، لا أولية ولا ثانوية ولا ثلاثية، حيث يكتفى بضخها بواسطة مضخات ضخمة عبر أنبوب بطول حوالي 1500 متر في الغدير، وحوالي 2000 متر في صيدا داخل البحر على عمق حوالي 20-25 مترا.

إن المعالجة الحقيقية، تكون على الأقل بإخضاع مياه الصرف الصحي لمرحلة المعالجة الأولية Primary treatment، وليس الإكتفاء بمرحلة ما قبل المعالجة Preliminary، ففي مرحلة المعالجة الأولية يتم فصل الوحول عن المياه بواسطة أحواض الترسيب، وذلك باستعمال مواد كيميائية تساعد على تعويم بعض المواد الخفيفة مثل الزيوت والشحوم لتسهيل كشطها وإزالتها من المياه المبتذلة، وكذلك مواد تساعد على ترسيب المواد الصلبة، حيث تجمع في أسفل أحواض الترسيب لنقلها ميكانيكيا بالمضخات إلى أحواض التهوية والمعالجة، ونقل المياه الخالية نسبيا من المواد الصلبة العالقة إلى المراحل اللاحقة من المعالجة، الثنائية والثلاثية. إن كل هذا لا يحصل، لا في الغدير ولا في صيدا. وبالتالي، أي حديث عن فصل الوحول في هاتين المحطتين هو غير دقيق تماما ومجاف للحقيقة، حتى ولو جاء على لسان مسؤولين في مؤسسات تعنى بالمياه. لا معالجة في هاتين المحطتين، ولا وحول تفصل، ولا هي تنقل إلى أي مكان، بل ضخ لمياه الصرف الصحي غير المعالجة في البحر، حيث تعيدها لنا الأمواج روائح كريهة، يحملها الهواء الجنوبي الغربي السائد إلى مدينة صيدا وكل منطقتها، وتسبب تلويثا للبحر والشواطيء والمسابح الشعبية والخاصة.

من المهم أن يعرف اللبنانيون أن ما يسمونها لهم محطات للمعالجة، في الغدير وفي صيدا، ما هي إلا محطات لضخ مياه الصرف الصحي في البحر، وهي لا تختلف أبدا لناحية درجة تلويثها وآثارها البيئية والصحية المدمرة، وتخريبها “السياحي” الكبير، عن عشرات مصبات المياه المبتذلة، التي ترمي في البحر مئات ملايين الأمتار المكعبة من المياه المبتذلة غير المعالجة، على طول الشاطيء اللبناني من العريضة حتى الناقورة. أما الفارق الوحيد يكمن في أن هذه المحطات تطلبت عقودا لحوالي العشر سنوات لإنجازها (في الغدير ربما أكثر من 10 سنوات، أما في صيدا استهلكت محطة الضخ 7 سنوات من العمل والعقود)، وكلفات تقدر بعشرات ملايين الدولارات لإنشائها، وملايين الدولارات لتشغيلها.

ماذا يحصل في البقاع حيال الصرف الصحي وكوارثه العظيمة، التي ألقى بها على نهر الليطاني وروافده وبحيرة القرعون؟ ماذا عسانا نقول عن مشاريع الصرف الصحي، شبكات في قرى وبلدات البقاع تصب مباشرة في الغزيل وشمسين والبردوني أو في المجرى الرئيس لنهر الليطاني، لتصل إلى بحيرة القرعون، فتحيل قعرها إلى مستودع مزمن للملوثات من كل نوع وصنف. وهكذا نستفيق على كارثة وطنية حقيقية أخرجت الشريان الحيوي للثروة المائية اللبنانية من الإستعمال الآمن حتى في ري المزروعات، في منطقة يقال عنها أنها أطعمت الأمبراطورية الرومانية في حقبة من التاريخ. وجعلت من حياة سكان حوض الليطاني جحيما صحيا واقتصاديا وبيئيا لا يطاق.

أكثر من 40 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي تتدفق، ولا تزال، إلى نهر الليطاني وفروعه وروافده وحوضه، دون معالجة. يضاف إليها حوالي 4 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصناعي المحملة بثقل كبير من الملوثات الجرثومية والعضوية والكيميائية، بما فيها بعض المواد والنفايات المصنفة خطرة.

عدد كبير من المؤسسات الصناعية الموجودة في قرى وبلدات ومناطق أقيمت فيها شبكات للصرف الصحي، دون ربطها بمحطات لمعالجة فعالة للمياه المبتذلة، ترمي تدفقاتها السائلة مباشرة في هذه الشبكة، دون معالجة، أو بمعالجة محدودة الفعالية، أو مؤخرا وتحت ضغط حملة مباركة تقوم بها الجهات المسؤولة وفي مقدمتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ووزارات معنية، حيث أحالت إلى القضاء عددا كبيرا من المؤسسات الصناعية المشتبه بأنها ملوِّثة، لكي يقول القضاء العادل كلمته الفصل في تحديد المسؤوليات، وفي تقييم فعالية المعالجة وإجراءات الحماية المطلوبة والمنفذة.

ماذا عن محطة زحلة لمعالجة المياه المبتذلة، التي تأجل تشغيلها إلى أكثر من سنتين بعد إنجاز بنائها وتجهيزها، لأسباب واهية تلطلت وراء عدم توفر مصدر للطاقة الكهربائية لتشغيلها. إنه نموذج صارخ للإستهتار وقلة الإحساس بالمسؤولية والخفة، التي تتعامل بها الجهات المسؤولة عن ملف الصرف الصحي وإدارته حيال مخاطر التلوث، الذي تسببه المياه المبتذلة المصروفة في أوساط البيئة بدون معالجة فعالة مسبقة، والإكتفاء بالمسميات الصورية لهذه العمليات.

تصب في شبكة مجارير زحلة، إضافة إلى شبكة المدينة، شبكات عدد من قرى وبلدات المنطقة ومدنها الصناعية، حيث هناك أعداد كبيرة من المؤسسات الصناعية، التي تنتمي إلى قطاعات وفئات متنوعة، كلها تنتهي إلى محطة زحلة لمعالجة المياه المبتذلة، التي تم تشغيلها في شهر تشرين الأول 2017 تحت ضغط الإحتجاجات والتهديدات.

هناك أسئلة كثيرة تطرح حول مدى فعالية هذه المحطة، وهل هي تعمل بكامل قدرتها؟ وما هي القدرة الفعلية التي تعمل بها؟ وما هي درجة المعالجة التي تتم فيها؟ هل هي أولية أم ثانوية؟ وما هي مواصفات المياه الخارجة منها بعد المعالجة؟ وهذا سؤال مفصلي لكي يتم تقدير فعالية هذه المحطة لجهة تحقيق الهدف الرئيس المتمثل بتخفيف الحمل التلويثي على الأوساط المائية المستقبلة، المنهكة بالتلوث، نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

هل تتوافق مواصفات المياه الخارجة منها بعد المعالجة مع المعايير البيئية الوطنية؟ هذه المعايير، التي يجري محاسبة كل الملوثين في لبنان بالإحتكام إليها.

هل يجري مراقبة كل المؤشرات ذات الصلة؟ وهل هناك متابعة ورصد؟ وهل هناك تقارير ترفع إلى السلطة المختصة بإدارة الصرف الصحي عن كميات المياه المعالجة ومواصفاتها قبل وبعد المعالجة، للتمكن من تقييم فعالية عمل هذه المحطة؟ وتقييم الدور الذي تلعبه في التخفيف من التلوث المتدفق إلى نهر الليطاني.

كل هذه الأسئلة تستحق الإجابة المسؤولة والشفافة والدقيقة والكاملة عليها من قبل كل المعنيين بهذا الأمر، ومن قمة الهرم بالمسؤولية عن إدارة مياه الصرف الصحي في لبنان، دون أن يتم تقاذف كرة المسؤولية من طرف إلى آخر.

عندما كان المسؤولون، في إدارة تشغيل محطة زحلة، و في مجلس الإنماء والإعمار، أو بعض بلديات منطقة البقاع، يتقاذفون كرة الوحول، وينقلونها من واد إلى واد، ومن هضبة إلى هضبة، بعد افتضاح ما كان يحضر من عقود لنقلها إلى منطقة النبطية، وتهدر الأموال الكبيرة والصغيرة على إخفاء هذا التلويث الخطير للبيئة، تربة ومياها سطحية وجوفية، كتبنا ورفعنا الصوت، أن هناك فرصة حقيقية لتحويل نقمة الوحول إلى فرصة لاسترداد القيمة الطاقوية منها عبر هضمها اللَّاهوائي لإنتاج البيوغاز، الغني بالميثان، وإنتاج الطاقة الكهربائية منه.

كتبنا ورفعنا الصوت، أن تقنية الهضم اللَّاههوائي، المجربة بكل نجاح وفعالية على مستوى صناعي، على مدى أكثر من عشرين عاما في معمل صيدا، وعلى مستوى أصغر في بكاسين، هي الأنسب للبنان في مقابل كل ما يروج له من محارق ومطامر ملوِّثة للبيئة والبحر والهواء والتربة والسلسلة الغذائية بأخطر الملوثات. هي الأنسب للبنان، باعتبار نفاياتنا المنزلية تحتوي على أكثر من نصفها موادا عضوية، وأن مفاعل الهضم اللَّاهوائي يستقبل هذه النفايات العضوية مخلوطة مع نفايات المسالخ والملاحم، دون العظام، ونفايات أسواق السمك، وأسواق الخضار، وكل كميات الوحول المتولدة عن عمل محطات معالجة المياه المبتذلة في كل مناطق لبنان. ويمكن أن تستحدث وحدات للهضم اللَّاهوئي في بعض المناطق لتستقبل كل هذه الأنواع من النفايات لإنتاج البيوغاز والطاقة الكهربائية. هذا خيار بيئي ومقبول وآمن بيئيا وصحيا لاستخراج الطاقة من النفايات العضوية دون التعرض لمخاطر المحارق وتهديداتها البيئية والصحية عالية الكلفة.

إن انضمام وحول محطات معالجة المياه المبتذلة إلى هذه الخلطة من النفايات العضوية يزيد من مردود البيوغاز المنتج، ويزيد من نسبة الميثان في البيوغاز، وهذا يعني زيادة في كمية الطاقة الكهربائية المنتجة.

إنها بيئة اللبنانيين وصحتهم واقتصادهم ورفاههم الإجتماعي، على المحك، فما هي الخطة الحقيقية والعملية لمواجهة هذا العبث المدمر وعواقبه الوخيمة على لبنان وشعبه؟

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This