عُقِدت مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية الثلاثة، إتفاقية ستوكهولم بشأن الملوِّثات العضوية الثابتة، واتفاقية بازل بشأن النفايات الخطرة وإدارتها السليمة وحركتها عبر الحدود (أي الإتجار الدولي بالنفايات)، واتفاقية روتردام بشأن الموافقة المسبقة عن علم في التجارة العالمية لبعض المواد الكيميائية الخطرة، في جنيف، المدينة السويسرية في الفترة بين 29 نيسان (إبريل) و10 أيار (مايو).

شكَّلت هذه المؤتمرات تحديا كبيرا لكل الحريصين على المحافظة على دور فعال لهذه الإتفاقيات في حماية البيئة وصحة الإنسان من التهديدات الخطيرة للمواد والنفايات الخطرة، ومن أجل الإدارة السليمة لها، وحماية شعوب ودول البلدان النامية من تدفق النفايات الخطرة، وخصوصا النفايات البلاستيكية والإلكترونية، وبعض النفايات الصناعية الأخرى، تحت عناوين مختلفة لا تخلو من التضليل وعدم الشفافية الكافية والتزوير أحيانا.

وكانت هذه المؤتمرات مناسبة لمعركة حقيقية بين الدول الصناعية والإحتكارات الصناعية الكبرى، في مقدمتها الإتحاد الأوروبي مدعوما بقوة من الولايات المتحدة الأميركية وكندا واليابان وأستراليا ونيوزيلندا والبرازيل والأرجنتين، من جهة، ومن جهة أخرى، دول المجموعة الإفريقية مدعومة بقوة من بعض الدول الآسيوية والإسكندنافية والمنظمات غير الحكومية العالمية المشاركة.

المعركة الحقيقية كانت على مستويين رئيسين، الأول على مستوى رفع حد اعتبار النفايات خطرة، حيث جهد الإتحاد الأوروبي لتمرير اقتراحه برفع  هذا الحد من 50 جزء من مليون إلى 10000 جزء من مليون لمجموعة المواد الكيميائية قصيرة السلسلة من الملوثات العضوية الثابتة في النفايات، وخصوصا البلاستيكية، ومن 50 جزء من مليون إلى 1000 جزء من مليون لمجموعة أخرى من الملوثات العضوية الثابتة في النفايات. والثاني، على مستوى قبول الإقتراح النرويجي بنقل النفايات البلاستيكية من الملحق التاسع، أي من لائحة النفايات غير الخاضعة بحركة تجارتها لمراقبة وضوابط وإلتزامات إتفاقية بازل، إلى الملحق الثاني، أي لائحة النفايات الخاضعة لمراقبة إتفاقية بازل ولآلية الموافقة المسبقة عن علم في التجارة العالمية.

في هذا المستوى الثاني، كان رأس الحربة برفض الإقتراح النرويجي الولايات المتحدة الأميركية ومعها عدد قليل جدا من البلدان لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، منها البرازيل والأرجنتين.

ما هي الحصيلة النهائية لهذه المواجهة المشرِّفة على كل الجبهات، التي خاضتها الدول النامية، وفي مقدمتها المجموعة الإفريقية، التي قامت بدور نشيط، ودبلوماسية ذكية وبفعالية عالية، مدعومة بشكل كبير وفعال من قبل منظمات المجتمع المدني العالمي غير الحكومية وبعض ممثلي الحكومات؟

على مستوى المؤتمر التاسع لاتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة:

  • منع كامل لحمض برفليوروأوكتانوييك PFOA ولأكثر من 150 مادة مماثلة أخرى مشتقة عنه، مع فترة سماح لبعضها بين 5 و8 سنوات.
  • وضع قيود خاصة على رغوات إطفاء الحرائق المحتوية على حمض برفليوروأوكتانوييك ومشتقاته، ومن ضمنها منع إنتاجها ومنع تصديرها أو استيرادها إلا في حالات التخلص السليم بيئيا منها، ومنع استعمالها في أعمال التدريب، ومنع استعمالها في التجارب إلا في حالات التحكم الكامل بالمواد، التي تستعمل في هذه التجارب.
  • إطلاق التحذير من المواد الألكيلية متعددة الفليور PFAS، الداخلة في رغوات إطفاء الحرائق، واعتبارها ذات تأثير سلبي على البيئة والصحة العامة وتأثيرات إقتصادية- إجتماعية ناتجة عن ثباتها وحركيتها، أي ثباتها لسنوات طويلة في البيئة وسهولة انتقالها بين الأوساط البيئية المختلفة.
  • منع كامل على مادة ديكوفول Dicofol بدون أي فترات سماح. والديكوفول هو مبيد حشري ينتمي إلى مجموعة المواد العضوية الكلورية، وهو يشبه المبيد د.د.ت الممنوع استعماله في الزراعة منذ سنوات طويلة.
  • قرر المؤتمر التاسع لاتفاقية ستوكهولم متابعة العمل على مناقشة حد المواد الخطرة في النفايات بحيث يكون حدا حاميا للبيئة وللصحة البشرية. سيتابع النقاش في هذه المسألة خلال إجتماعات تعقد في الفترة الفاصلة حتى المؤتمر القادم. أدخل المؤتمر إمكانية بحث حد الديوكسين 1 ميكروغرام (عامل التعادل السمي)/كلغ، 1µg TEQ/kg، إلى جانب الحد الموجود حاليا 15 ميكروغرام/كلغ، 1µg TEQ/kg. وقرر أيضا العمل على”وضع الحد المنخفض والأدنى الممكن لقيم الملوثات العضوية الثابتة في النفايات”. ومناقشة حد محتوى الملوثات العضوية الثابتة قصيرة السلسلة SCCPs، وبحث مقترح 100 ملغ/كلغ، الذي تقدمت به الجموعة الإفريقية مقابل 10000ملغ/كلغ، الذي تقدم به الإتحاد الأوروبي. أما مركبات الأثيرات البوليبرومية PBDEs تتم مناقشة حد ما بين 50 ملغ/كلغ (إقتراح المجموعة الإفريقية)، و1000ملغ/كلغ (إقتراح الإتحاد الأوروبي).

على مستوى المؤتمر الرابع عشر لاتفاقية بازل

  • أقر المؤتمر إخضاع النفايات البلاستيكية، التي لم تكن خاضعة لرقابة الإتفاقية، النفايات البلاستيكية الملوثة والمختلطة، لآلية الموافقة المسبقة عن علم قبل التصدير. إن النفايات البلاستيكية النظيفة والمصنفة هي معدة فقط لإعادة التدوير وليس لحرقها أو طمرها. هذا القرار يُخضِع التجارة الدولية بالنفايات البلاستيكية إلى رقابة إتفاقية بازل، ويتطلب إعطاء الموافقة المسبقة من دولة الإستيراد قبل حدوث عملية التصدير. وهذا يعني في الوقت نفسه حق رفض أي دولة لأي شحنة غير مرغوبة من هذه النفايات.
  • أقر المؤتمر إجراءات حيال النفايات البلاستيكية وتشجيع نزع أو تخفيف المواد الخطرة المضافة للمنتجات البلاستيكية خلال تصنيعها أو أي حلقة من دورة حياتها.
  • تأسيس شراكة للبلاستيك لتنفيذ مشاريع نموذجية وتطوير نشاطات ومواد التوعية والتثقيف بشأن مخاطر عصارات نفايات البلاستيك، وبدائل المنتجات البلاستيكية المستعملة لمرة واحدة.
  • إقرار دليل توجيهي لإدارة النفايات الإلكترونية، وتأجيل مناقشة بعض مضامينه إلى المؤتمر الخامس عشر القادم.

على مستوى اتفاقية روتردام

  • إدخال مواد هيكسابروموسيكلودوديكان HBCD، وهي مواد مثبِّطة للَّهب Flame retardants تضاف إلى المنتجات البلاستيكية، ومادة الفورات Phorate، وهي مادة عضوية فوسفورية تستعمل كمبيد حشري، إلى لائحة الملحق الثالث لاتفاقية روتردام، وهي لائحة المواد الكيميائية الخطرة الخاضعة لآلية الموافقة المسبقة عن علم في التجارة الدولية.
  • رفض المؤتمر إدراج عدد من المواد بينها أزبستوس الكريزوتيل Chrysotile والباراكوات والكربوسولفان وغيرها، على الرغم من تمتعها بكل ميزات الخطورة، التي تسمح لها بالإنضمام إلى الملحق الثالث لكي تخضع لآلية الموافقة المسبقة، وذلك بسبب معارضة الدول المنتجة لهذه المواد مثل كندا، التي تراجعت عن وعدها بإدراج الكريزوتيل على اللائحة، والهند الدولة المصنِّعة والمصدِّرة للمبيدات الحشرية مثل الباراكوات والكبروسولفان.
  • تم إقرار آلية إمتثال للإتفاقية، وهي المرة الأولى التي تقر هذه الآلية منذ إنشاء الإتفاقية، واستحدث الملحق السابع لهذه الآلية.

كان يمكن لنتائج المؤتمرات أن تكون أفضل بكثير لصالح حماية أكثر فعالية للبيئة والصحة البشرية، لولا اصطفاف بعض الدول الصناعية وراء مصالح احتكاراتها الصناعية الكبرى، ولو على حساب بيئة الدول النامية وصحة شعوبها، حيث تسعى لإبقائها مكبا لنفاياتها، ومحرقة لنفاياتها البلاستيكية الملوثة والمختلطة والخطرة. ولأنها لا تزال تميل نحو إلقاء حمل نفاياتها الخطرة والتخلص منها على غيرها من شعوب العالم، التي هي بدورها ترزح تحت صعوبات كبيرة في إدارة نفاياتها المتولدة محليا.

ولكن، أظهرت هذ المؤتمرات قدرات أكبر تتمتع بها دول وشعوب البلدان النامية، ومعها بعض الدول المتقدمة الأخرى ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية، للدفاع عن أهداف هذه الإتفاقيات في حماية البيئة والصحة البشرية على مستوى الإنسانية جمعاء، دون تفريق بين بلدان متقدمة وأخرى نامية، فصحة كل الشعوب تستحق العمل الجاد من أجل حمايتها.

حصيلة مرضية في نهاية المؤتمرات، وتبقى المواجهة مستمرة في الفترة ما بين المؤتمرات وخلال المؤتمر القادم، بهدف اعتماد حدود منخضة للملوثات العضوية الثابتة في النفايات، من أجل منع تصدير نفايات خطرة وبلاستيكية ملوَّثة ومختلطة إلى البلدان النامية ومنها لبنان، المعني مباشرة بكل هذه القرارات، وبكل ما يحمي بلدنا من أن يتحول إلى وجهة لاستيراد هذه الأنواع الخطيرة من النفايات، من أجل حرقها فيما يعد له من محارق، لمزيد من تلويث هواءنا وبيئتنا، وتعريض صحة شعبنا لمزيد من الأخطار والتهديدات.

Pin It on Pinterest

Share This