شهدت المناطق الساحلية في لبنان، ولا سيما في منطقة بيروت، خلال الأيام القليلة الماضية، فصول ظاهرة الإنقلاب الحراري Temperature inversion، المؤدية إلى تراكم ملوثات الهواء، وتكوين “غيمة” برتقالية موشحة بالسواد تغطي كامل منطقة بيروت الكبرى، حيث تخف تدريجيا مع الإبتعاد عن بيروت جنوبا.

يشاهد اللبنانيون هذه الظاهرة في معظم أيام السنة، وخصوصا مع بداية فصل الربيع والصيف. وتبدو الصورة أكثر وضوحا ودلالة من هضاب جبل لبنان المطلة على بيروت.

يتسابق اللبنانيون، وخصوصا البيئيون المتابعون لمسألة تلوث الهواء، على التقاط الصور والفيديوهات المعبرة، التي تسجل غرق بيروت الكبرى والسفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان الغربية، حيث يعيش نسبة عالية جدا من الشعب اللبناني، في ضبخان مشبع بملوثات الهواء بتراكيز مرتفعة، هي في تزايد مستمر يوما بعد يوم، مع كل مخاطرها المتفاقمة على صحة المواطنين، وفي مقدمتهم أولائك الذين يعانون من أمراض تنفسية وقلبية، والأمهات الحوامل، والأطفال وكبار السن. (الفيديو المرفق هو من تصوير الدكتور جوزيف زعيتر).

مصادر تلوث الهواء كثيرة، يأتي في طليعتها قطاع النقل في منطقة بيروت الكبرى، حيث يصل عدد السيارات والآليات المتحركة يوميا إلى حوالي المليون سيارة، في مساحة محدودة جغرافيا، ومكتظة بالأبنية العالية وبالسكان. يضاف إلى وسائل النقل قطاع إنتاج الطاقة، وانتشار المولدات في الأحياء والشوارع. وتشكل الإنبعاثات الصناعية مصدرا آخر لانبعاث الملوثات في الهواء، يضاف إليها إنبعاثات حرق النفايات العشوائي.

تتكون ملوثات الهواء الرئيسة من غازات احتراق الوقود الأحفوري من فيول وبنزين وديزل وغاز، من مئات آلاف المركبات والسيارات، وكذلك أيضا من الطائرات، التي تهبط وتقلع من مطار بيروت على مدار الساعة. وتعتبر الجزيئات الصلبة (الأغبرة) مكونا هاما لملوثات الهواء، حيث تصل تراكيز الجزيئات الصلبة من مختلف القياسات إلى ما يتجاوز بعشرات المرات الحد المقبول في التشريعات الوطنية وفي توجيهات منظمة الصحة العالمية.

منذ أشهر، تم نشر تقارير عالمية عن تلوث الهواء بأكاسيد النيتروجين، وأظهرت الصور المرفقة بهذا التقرير أن لبنان كله، باستثناء المناطق في أقصى الجنوب، يعاني من مستويات عالية جدا من أكاسيد النيتروجين في الهواء، ويتركز بشكل أكبر في منطقة بيروت الكبرى.

لماذا تلوث الهواء في بيروت الكبرى والمنطقة الساحلية وسفوح السلسلة الغربية عموما يشكل مسألة كبيرة الأهمية بيئيا وصحيا؟

هناك تظافر لأسباب وظروف متعددة تجعل من تلوث الهواء في لبنان مسألة غاية في الأهمية لناحية مخاطرها البيئية والصحية.

في مقدمة هذه الأسباب، يأتي الغياب الكامل لسياسات مكافحة تلوث الهواء والحفاظ على جودة الهواء في لبنان. إن السياسة المطلوبة في مجال مكافحة تلوث الهواء ينبغي أن تطاول خطة وطنية للنقل العام، تتضمن تطوير نظام ووسائل النقل العام، للركاب والبضائع، مثل القطار، ومنظومة النقل المشترك، بحيث ينخفض عدد المركبات المتحركة يوميا في بيروت ومنطقتها وفي المدن الكبرى على الساحل وفي الداخل، وفيما بينها.

يجب أيضا أن تطاول خططا لتطوير إنتاج الطاقة المتجددة والنظيفة، من طاقة شمسية ورياح غيرها، ومعالجة جذرية واستراتيجية لمسألة إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية، بحيث ينتهي عصر المولدات المنتشرة في المناطق السكنية كمصدر مهم لتلويث الهواء الجوي.

ويجب أيضا أن تطاول وضع وتنفيذ خطة الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا والآمنة صحيا، بحيث تنتهي المأساة – المهزلة للمطامر غير النظامية على الشاطيء، واستبعاد اعتماد المحارق بديلا عن المطامر، على حساب تطوير الإدارة المتكاملة، التي تبدأ بسياسات التخفيف من كمية النفايات، وتتابع بوضع نظام الفرز من المصدر، وتحسين فصل وجمع وتوضيب الموارد القابلة للتدوير، ومعالجة المكونات العضوية، بما يحول دون استحداث المكبات والحرق العشوائي للنفايات، واستكمال حلقات الإدارة المتكاملة باعتماد طرق التخلص السليم بيئيا من المتبقيات، وتشجيع البحث العلمي لاستحداث بدائل جديدة للتخلص من المتبقيات بطرق أكثر أمانا بيئيا وصحيا.

ومن الضروري أن تشمل هذه السياسة توجهات لتشجيع استعمال الطاقة النظيفة والمتجددة في قطاعات إنتاج الطاقة والنقل، وفي قطاعي الصناعة والزراعة أيضا.

 

ثاني هذه الأسباب، تأتي الظروف الطوبوغرافية والجغرافية والمناخية، التي تميز منطقة الساحل اللبناني، الممتد على شريط ضيق نسبيا، يمتد من البحر إلى بداية ارتفاعات السفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان الغربية، حيث تشكل هذه الخصائص الجغرافية ظروفا مناخية شديدة التميز. بحر وشريط ساحلي ضيق جدا من السهول، مع سلسلة جبال عالية، وعالية جدا تصل إلى ما يزيد عن 2500 متر في مسافة قصيرة جدا عن شاطيء البحر.

550-temperature-inversion (1)

هذه الخاصية الجغرافية والطوبوغرافية، من شأنها أن تولد ظاهرة الإنقلاب الحراري في حالات عديدة خلال العام.

في الظروف العادية، يكون الهواء الدافيء من حرارة الشمس في الطبقة السفلى ليلامس الأرض، ويكون الهواء البارد في الطبقة العليا. وهذا ما يولد حركة عامودية للهواء، من تحت إلى فوق وبالعكس.

تلعب حركة الهواء بين البحر واليابسة، مولدة نسيم البر ونسيم البحر على مستوى أفقي، بنتيجة تفاوت “المعامل الحراري Calorific coefficient” بين صخور وتراب اليابسة من جهة ومياه البحر من جهة أخرى، وإختلاف سرعة سخونة وبرودة البر عن البحر. ولهذا يكون إتجاه النسيم نهارا من البحر نحو اليابسة، ويتحول مساء وليلا ليصبح الإتجاه من البر نحو البحر.

بنتيجة هذه الظروف الجغرافية والطوبوغرفية والمناخية المميزة، ينشأ أحيانا تحت تأثير حرارة الشمس، وقرب الجبال للساحل، أن تتولد طبقة من الهواء الساخن تفصل بين طبقة باردة في الأسفل وطبقة باردة أخرى في الأعلى. فتستقر الطبقة الدافئة في الوسط، غير قابلة للحركة عاموديا، لا من الأعلى نحو الأسفل، ولا من الأسفل نحو الأعلى، وبالتالي تشكل حاجزا حراريا يمنع انتقال الهواء من الطبقات السفلى، حيث تتولد انبعاثات الملوثات، إلى الطبقات العليا حيث تتشتت عادة هذه الملوثات. هذه الظاهرة تسمى “الإنقلاب الحراري”. ينتج عن ظاهرة الإنقلاب الحراري أن تشكل هذه الطبقة الدافئة من الهواء سقفا يمنع تشتت ملوثات الهواء، ويؤدي إلى تجمعها في هذه الطبقة وإلى تشكل غيمة ملونة، يغلب عليها اللون البرتقالي الموشح بالبني وبالأسود أحيانا، وهي ألوان تعطيها تراكيز أكاسيد النيتروجين والجزيئات الصلبة العالية تحت أشعة الشمس.

مع الإنقلاب الحراري، نرى أن ملوثات الهواء من كل المصادر تتجمع تحت سقف طبقة الهواء الدافيء وتتجمع على امتداد النهار في منطقة محصورة بين الأرض وجدار الجبال العالية وسقف طبقة الهواء الدافيء. تنتقل هذه الكتلة الهوائية المشبعة بالملوثات المنبعثة طول النهار من كل المصادر، من اليابسة باتجاه البحر خلال الليل، حيث ينقلب نسيم البحر ليصبح نسيم البر، حاملا كتلة الملوثات إلى مسافة فوق البحر، حيث تبدأ بالعودة باتجاه اليابسة مع ظهور أشعة الشمس الأولى في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. نرى “الغيمة” البرتقالية الموشحة بالبني وبالأسود راجعة إلينا فوق البحر، حيث تصل مع ساعات الصباح فوق الساحل لتعود وتغطي بيروت الكبرى من جديد، وتبقى محبوسة طول النهار الثاني، حيث تتراكم فيها ملوثات الهواء من كل المصادر.

إلى ماذا تؤدي هذه الظاهرة؟

تؤدي هذه الظاهرة إلى إضعاف قدرة حركة الهواء على تشتيت الملوثات في الفضاء، وإلى تراكم هذه الملوثات يوما بعد يوم، وحيث تنتقل بحركة شبه دائرية بين الأرض وجدار الجبال لتنتقل ليلا إلى فوق البحر، لتعود صباحا إلى الأرض محملة بملوثات الأمس، لتعود وتراكم ملوثات اليوم الجديد، وهكذا تزداد تراكيز الملوثات يوما بعد يوم، لتصبح على مستويات عالية تحمل معها مخاطر حقيقية على الصحة العامة، عند كل السكان، وعند المرضى بشكل أكثر خطورة.

من جهة أخرى، نشهد تفاعلات كيميائية – ضوئية بين الغازات الكيميائية والجزئيات الصلبة المكونة لملوثات الهواء تحت أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تحول أكاسيد النيتروجين (الملوث الأولي) إلى ملوثات ثانوية مثل تكون الأوزون عالي القدرة على الأكسدة، وهو ملوث خطير على الجهاز التنفسي، وكذلك إلى حمض النيتريك وبعض الملوثات الكيميائية عالية السمية مثل الألدهيدات  والبيروكسي آسيل نيترات PANs. وهذه ما تشكل الضبخان الفوتوكيميائي Photochemical smog.

إن تأثير تلوث الهواء، ولا سيما في ظل هذه الظاهرة، التي تتكرر على سواحلنا، في بيروت والمدن الكبرى، يشكل تهديدا حقيقيا للصحة العامة، وخصوصا عندما يترافق مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.

السياسات الوطنية لمكافحة تلوث الهواء، وللحفاظ على جودة الهواء عبر وضع وتطبيق سياسات إدارة قطاعات النقل والطاقة والصناعة والنفايات، هي السبيل الوحيد للتعامل مع مخاطر تلوث الهواء في لبنان. وهذا على درجة كبيرة من الجدية والإلحاح والسرعة، ولا يتحمل الإستمرار بالسياسات المرتجلة وغير المدروسة للحكومات والبرلمانات المتعاقبة.

Pin It on Pinterest

Share This