كل اللبنانيين يتمتعون بحق الأمان الصحي. وهذا الحق غير خاضع للنقاش تحت أي عنوان سياسي أو غيره.

كل التشريعات الحديثة بما فيها قانون حماية البيئة اللبناني رقم 444 تاريخ 2002 ترتكز على مجموعة من المباديء، في مقدمتها وأهمها مبدأ الإحتراز، أو الإحتراس Precautionary principle. والأولى أن يكون هذا المبدأ مطبقا بالكامل ودون تحفظ في كل ما يتعلق بالأمان الصحي للإنسان. فالحكمة الشعبية اختصرت مضامين هذا المبدأ في مقولة “درهم وقاية خير من قنطار علاج”. إن تفادي المخاطر والتهديدات يكون في مقدمة الإجراءات الواجب اتخاذها، وهذا أيضا مثبت في كثير من التشريعات العالمية الحديثة، ولا سيما منها المتعلقة بدراسات تقييم الأثر البيئي والإجتماعي للمشاريع.

إن مسألة درس ومناقشة الأثر الصحي للحقل الكهرومغناطيسي، المتولد عن خطوط نقل التيار الكهربائي للتوتر العالي، ينبغي أن تتم في إطار دراسة تقييم الأثر البيئي والإجتماعي لمشروع مد خطوط نقل التوتر العالي (أكبر من 220 كيلوفولت). فهل تمت مناقشة هذه المسألة بالجدية اللازمة في دراسة مشروع خطوط المنصورية؟ وهل هناك دراسة تقييم أثر بيئي وإجتماعي لهذا المشروع وأمثاله من المشاريع في لبنان؟

يقول البعض أن ليس هناك أدلة دامغة على أن التعرض للحقل الكهرومغناطيسي لخطوط نقل التوتر العالي يسبب تأثيرات ضارة على الصحة البشرية. لن ننتظر حتى تتكون أدلة دامغة على هذه المخاطر كي نطالب باتخاذ أفضل إجراءات الحماية والوقاية، ألا وهي تفادي التعرض لأسباب هذه المخاطر، التي لم تتكون بعد أدلة دامغة على حدوثها على صحة الإنسان.

الدراسات التي تسمح باستخلاص أدلة دامغة على علاقة سببية واضحة بين التعرض والإستجابة، هي الدراسات التجريبية في المختبرات، حيث تتم من خلال تعريض نماذج حيوية (حيوان، عضو من جسم الحيوان، خلية أو مجموعة خلايا…) لجرعات متصاعدة من عامل الخطورة المدروس. وبذلك يمكن قياس الإستجابة، وتعليل العلاقة السببية بين التعرض والإستجابة بشكل دقيق يسمح باستخلاص الدليل القاطع.

أما درس تأثير العوامل البيئية أو الموجودة في المحيط، من مختلف المصادر، بما فيها تأثير الحقل الكهرومغناطيسي على صحة الإنسان، فيتم من خلال نوع مختلف من الدراسات يسمى الدراسات الوبائية Epidemiological studies، التي تعتمد طرقا ومناهج تسمح بدرس التغيرات، التي تطرأ على مجموعة من الأشخاص المعرضين لعامل بيئي معين، مقارنة مع مجموعة مماثلة من الأشخاص ولكنها غير معرضة لهذا العامل. وتكون أدوات المقارنة إحصائية، بحيث تكون النتائج ذات قيمة إحتمالية، وليست أدلة دامغة على علاقة سببية بين التعرض والإستجابة.

هذا الفارق في منهجية البحث والدرس لا تقلل أبدا من أهمية الدراسات الوبائية، وخاصة في مجال درس آثار التعرض بعيدة المدى إلى عوامل التلوث البيئي، بما في ذلك الحقل الكهرومغناطيسي، المتولد عن خطوط نقل التوتر العالي، على صحة الإنسان. ولا يقلل أبدا من أهميتها في وضع سياسات الوقاية والإحتراز والممارسات، التي تسمح بتفادي المخاطر والتهديدات المحتملة، التي أشارت إليها المحاكمات الإحصائية لنتائج الدراسات الوبائية. إن هذه الدراسات تقوم بتحديد عوامل المخاطرة والتهديد، وكذلك مستوى احتمال حدوثها.

أشارت المراجعة الشاملة، التي قام بها “المعهد الوطني للسرطان National Cancer Institute NCI” التابع للمعهد الوطني للصحة NIH في الولايات المتحدة الأميركية في العام 2019، وبشكل خاص في الفقرة المتعلقة بالتعرض للحقل الكهرومغناطيسي من خطوط نقل الطاقة الكهربائية، أن الدراسات التي نشرت في العام 1979 توصلت إلى وجود علاقة ممكنة بين السكن على مقربة من خطوط نقل التوتر العالي وبين سرطان الدم عند الأطفال. تقول المراجعة، أن الدراسات الحديثة، التي تمت بعد العام 2000 تشير إلى نتائج متناقضة، وأن الخطر ينحصر في الأطفال، الذين يعيشون على مقربة من مستويات عالية من الحقل الكهرومغناطيسي. 9 دراسات دلت على أن نسبة حالات سرطان الدم عند الأطفال هي ضعفين أكبر (زيادة 100%) عند الأطفال الذين يتعرضون لحقل كهرومغناطيسي بقوة 0.4 ميكروتسلا أو أكبر 0.4 µT.

15 دراسة أخرى دلت نتائجها على إرتفاع نسبة حالات سرطان الدم بـ1.7 ضعفا (زيادة 70%) عند الأطفال المعرضين لحقل مغناطيسي بقوة 0.3 ميكروتسلا.

في العام 2010 دلت نتائج 7 دراسات على إرتفاع نسبة حالات سرطان الدم  بـ 1.4 ضعفا (زيادة 40%) عند الأطفال المعرضين لحقل كهرومغناطيسي بقوة 0.3 ميكروتسلا.

يخلص المعهد الوطني للسرطان من هذه المراجعة بأنه قد يكون حد التعرض 0.3 ميكروتسلا للحقل الكهرومغناطيسي حدا مقبولا، بحيث تكون معه العلاقة السببية بين التعرض والإستجابة غير واضحة.

نحن لا نتبنى هذه الخلاصة، ونعتبر أن العلاقة السببية بين التعرض والإستجابة ليس مطلوبا أن تكون على درجة عالية من الوضوح كي نطبق بكل قوة وصرامة مبدأ الإحتراز وتفادي التعرض كليا، أي اعتماد سياسة تفادي احتمال التعرض.

في حالتنا التي نواجهها في لبنان، تكون ترجمة هذا الموقف بالإمتناع عن مد خطوط نقل توتر عالي فوق مناطق مكتظة بالسكان، والذهاب إلى تنفيذ البدائل الأكثر أمانا، المتمثلة بتمديد خطوط كابلات تحت الأرض Underground cables. هذا ما تقوم به الدول، التي تحرص على صحة شعوبها، في أوروبا وغيرها، في المناطق السكنية والمدن. وهذا أيضا ما أوصى به المجلس الأوروبي بموجب القرار 1815 بتاريخ أيار (مايو) 2011، وتوصيات المؤتمر العلمي حول التلوث الكهرومغناطيسي وآثاره على صحة الإنسان، التي تقول بالتوقف عن استعمال الخطوط الهوائية لنقل الطاقة وجميع خطوط التوتر العالي والعالي جدا في المدن والمجمعات السكنية. هذا بالضبط ما كنا قد اقترحناه في مقالتنا المنشورة شهر أيلول (سبتمبر) 2017.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This