حمل لنا هذا الصباح أخبارا مفرحة عن رضوخ كندا بعد عناد استمر 6 سنوات، حيث وافقت أمس على إلحاح الفلبيبين، شعبا وحكومة ورئيسا، مع دور مميز لزملائنا وأصدقائنا في تحالف Ban Toxics و GAIA، الذين تابعوا بصبر وإصرار وإلحاح، مطالبة الحكومة الكندية باسترجاع 150 مستوعب شحن محملة بالنفايات الكندية، التي وصلت قبل حوالي 6 سنوات إلى الموانيء الفليبينية، واعتبرت إتجارا غير مشروع وفق أنظمة اتفاقية بازل بشأن انتقال النفايات عبر الحدود، حيث تم شحنها بوثائق مزورة، أو هي تحمل توصيفا مخالفا للحقيقة عن هذه النفايات. وبالتالي على الحكومة الكندية واجب استرجاعها وإعادة شحنها إلى كندا على نفقتها، تنفيذا لإلتزاماتها تجاه اتفاقية بازل. هذه النفايات، بالطريقة والوثائق التي رافقتها، انتهكت بفظاعة إلتزامات اتفاقية بازل المتعلقة بامتناع الدول الصناعية عن السماح بتصدير نفاياتها إلى البلدان النامية.

ومن جهة أخرى، شهدت الأيام الثلاثة الماضية، هنا في جنيف، خلال انعقاد مؤتمرات الاتفاقيات الكيميائية الثلاثة، ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة، وبازل بشأن النفايات الخطرة، وروتردام بشأن الموافقة المسبقة عن علم للكيماويات في التجارة الدولية، ولا سيما في مجموعة الإتصال الخاصة، التي تناقش مسألة تعديل حد مستوى المواد الخطرة من الملوثات العضوية الثابتة في النفايات كي تصنف نفايات خطرة، حيث كان قد اقترح الإتحاد الأوروبي رفع هذا الحد من 50 جزء من مليون إلى 10000 جزء من مليون، وهذا بالطبع غير مقبول على الإطلاق من ممثلي الدول النامية، وعلى رأسها المجموعة الإفريقية، التي خاضت على مدى الأيام الثلاثة معركة حامية ومشرفة، مدعومة بقوة وفعالية من ممثلي المجتمع المدني من المنظمات غير الحكومية، التي تقودها آيبن IPEN، التي تشارك بأكثر من 70 مراقبا من مختلف دول العالم، ولنا الشرف والإفتخار بالإنتماء إلى هذا الفريق النشيط والفعال، الذي يعمل بتفاني تحت شعار “من أجل عالم خال من السموم”. تمكنت المجموعة الإفريقية، التي اتبعت تكتيكا فعالا في مواجهة الدول، التي تتناغم على دعم الإقتراح الأوروبي، ويتوالى مندوبوها على الكلام من اليابان إلى كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا ومعها الأرجنتين. حيث اعتمدت المجموعة الإفريقية عدم الإكتفاء بالمتحدث باسمها مندوب نيجريا، بل توالت على دعم الموقف الرافض ما يزيد عن 50 دولة إفريقية توحدت حول موقف الدفاع المستميت عن مصالح شعوبها برفض الموت والمرض وتسميم بيئة بلادها بنفايات الدول الصناعية البلاستيكية والصناعية الخطرة، التي أغرقت هذه البلدان في أتون سمومها.

نعم، إن الشعوب تستطيع أن تفرض إرادتها إن هي أدركت بعمق ووعي مصالحها، وعرفت كيف تتوحد للدفاع عنها.

لقد أدى الصمود البطولي لممثلي الدول النامية، وفي طليعتها دول المجموعة الإفريقية ألى إحداث تراجع في الموقف الأوروبي، والبدء بالبحث عن حلول وسط.

لعب المقترح النرويجي دورا إيجابيا في تظهير مخاطر هذه التعديلات، بحيث أنها ستؤدي إلى “تسونامي” تصدير نفايات بلاستيكية خطرة وتحتوي على ملوثات عضوية ثابتة عالية السمية، إلى البلدان النامية، ومنها لبنان، كما أشرنا في كثير من مقالاتنا السابقة بشأن هذه المسألة.

بدأ الإتحاد الأوروبي وحلفاؤه من الدول الصناعية الكبرى يميلون إلى لغة أكثر ليونة، بحيث طرحوا مساء أمس، حصر تصدير النفايات البلاستيكية غير الخطرة فقط، بهدف حرقها في محارق البلدان النامية. وهذا ما كنا قد حذرنا مرارا من مخاطر تدفق النفايات البلاستيكية المصنفة خطرة لاحتوائها أو لتلوثها بمواد كيميائية خطرة وعالية السمية، تحت الشعارات الخادعة والمضللة حول استرجاع الطاقة و”من نفايات إلى طاقة”، التي تروج لها أبواق الاحتكارات الصناعية، وبعض أتباعها والمستفيدين من تجارة التلويث الخطير والمميت في بعض الأوساط الحاكمة في بعض البلدان.

تدفع الأزمة الخانقة، التي تعيشها الدول الصناعية، تحت ثقل ملايين الأطنان من النفايات الصناعية والبلاستيكية الخطرة والملوثة، منذ توقف الصين عن استيراد 56% من نفايات البلدان الصناعية البلاستيكية مطلع العام 2018، إلى البحث عن أبواب جديدة لتصدير هذه النفايات، وتعمل جاهدة لتسهيل تصديرها إلى البلدان النامية، حيث تساعد على إنشاء محارق نفايات جديدة وتسهل تمويلها.

نعم، إن الشعوب تستطيع أن تحقق أهداف حماية بلدانها من مخاطر التحول إلى مزبلة العالم الصناعي المتقدم، وأن تحمي بيئتها وصحة أبنائها وأجيالها، إن هي أدركت حقيقة المخاطر، وتوحدت حول الدفاع عن مصالحها وخاضعت المعارك الدبلوماسية بذكاء وحنكة وصبر وعلم ومعرفة.

 

Pin It on Pinterest

Share This