ضجت وسائل التواصل الإجتماعي بصورة تشير إلى تلوِّث هواء لبنان بتراكيز عالية جدا بأكاسيد النيتروجين، وحسب الصورة قاربت مستويات تلوث هواء لبنان تلك في القاهرة، المدينة التي يسكنها أكثر من 25 مليون نسمة، وتتحرك فيها ملايين السيارات ووسائل النقل، وتحيط بها مصانع كبيرة، بل إن التدقيق في ألوان الصورة، حيث هي تدل على درجة ارتفاع مستويات التلوث، يمكن أن يشير إلى أن التلوث في لبنان يفوقه في القاهرة.

أكاسيد النيتروجين، ملوِّثات ذات أهمية كبيرة لناحية آثارها على الصحة العامة وعلى البيئة. تتولد عن عمليات الإحتراق على درجات حرارة عالية، حيث تتم عملية أكسدة للنيتروجين الموجود في الهواء، الضروري للإحتراق. تحصل الأكسدة على مرحلتين، بداية لتوليد أحادي أكسيد النيتروجين NO، تليها عملية أكسدة لتوليد ثنائي أكسيد النيتروجين NO2 وهو الملوِّث الأكثر أهمية من الناحيتين الصحية والبيئية.

وفق الدراسات والإحصاءات عالميا، يشكل قطاع النقل واحتراق الوقود الأحفوري في المحركات ذات الإحتراق الداخلي، من وقود البنزين والديزل، المصدر الرئيسي لتلوث الهواء بأكاسيد النيتروجين. يليه بالطبع قطاع إنتاج الطاقة العاملة على الفحم أو الفيول أو المازوت أو الغاز، وبعد ذلك القطاع الصناعي، ووسائل التدفئة المنزلية وفي المؤسسات. تتولد أكاسيد النيتروجين نتيجة أكسدة جزيئات النيتروجين الموجودة في الوقود، ولكن بنسب أكبر، الموجودة في الهواء الداخل إلى غرفة الإحتراق.

يعتبر ثنائي أكسيد النيتروجين NO2 ملوِّثا هاما له تأثيرات كبيرة على الصحة البشرية. فهو يسبب، بتراكيز أكبر من المعدلات المقبولة، تحرشا بالعيون والأجهزة المخاطية في الأنف، ويؤدي إلى إلتهابات متفاوتة الحدة في الجهاز التنفسي، الأعلى والداخلي. إن التعرض المزمن لهواء ملوث بثاني أكسيد النيتروجين يسبب أمراض مزمنة في الرئتين، وإلى قصور تنفسي، يمكن أن يكون سببا لأمراض قلبية مختلفة.

تعتبر أكاسيد النيتروجين ملوِّثات أولية، حيث تدخل في تفاعلات مع ملوثات أخرى، ومع أوكسجين الهواء والجزيئات الصلبة العالقة في الهواء، تحت تأثير أشعة الشمس، وبوجود جزيئات هيدروكربونية، تؤدي إلى ازدياد في تكثف الجزيئات الصلبة العالقة في الهواء، وإلى تكوُّن ملوثات خطيرة على الصحة البشرية، ومنها غاز الأوزون، وهو مؤكسد عالي الفعالية، ولذلك يعتبر ملوثا خطيرا للهواء على الصحة البشرية وعلى البيئة. ومن جهة أخرى تؤدي هذه التفاعلات إلى تكون أحماض، بعد تفاعلها مع رطوبة الهواء وماء المطر، مسببة ظاهرة المطر الحمضي، التي عرفت بتأثيرها الكبير على هلاك الغابات وأمراض النباتات.

أكاسيد النيتروجين ملوثات هامة تؤثر على الغطاء النباتي، وتسبب خرابا للغابات.

إن الصورة، التي تم تداولها، وهي صورة فضائية بالإستشعار عن بعد، تدل على أن مساحة واسعة جدا من لبنان معرَّضة لمستويات عالية جدا من أكاسيد النيتروجين، وليس فقط بيروت والجبل أو مدن الساحل، بل أيضا مناطق واسعة من الشمال وأقسام من البقاع والجنوب. كلما كان اللون في الصورة قاتما، كلما دل ذلك على تراكيز أكبر لأكاسيد النيتروجين في الهواء، وبالتالي على تلوث أكثر خطورة على الصحة العامة وعلى البيئة، وخاصة على الغابات والغطاء الأخضر.

وفق التشريعات الأوروبية، يعتبر تركيز 30 ميكرغرام في المتر المكعب 30 µg/m3 ، في الهواء الجوي كمعدل سنوي، حدا مقبولا لحماية الغابات، ولكن غالبا ما تكون تراكيز هذه الملوثات في الهواء الجوي أعلى بكثير.

لا يمكن الركون أو الإطمئنان إلى المستويات المقبولة، التي تتحدث عنها التشريعات الأوروبية أو غير الأوروبية، فهي لا توفر مستويات آمنة للتعرض البشري أو البيئي إلى هذه الملوثات ذات التفاعلية الكيميائية العالية، والتي تولد تحت تأثير أشعة الشمس ملوثات ثانوية أكثر تفاعلية وخطورة على الصحة العامة والبيئة.

هناك ضرورة ملحة وعاجلة للتشدد بمنع إزالة “المحفز” Catalyzer، أو ما يسمونه العامة بالفلتر، من عوادم السيارات الجديدة. إن هذا المحفز يلعب دورا فعالا في تحفيز تفاعلات الأكسدة والإختزال الإضافية، بحيث يخفف كثيرا من انبعاثات غازات العدم من محركات الإحتراق الداخلي في السيارات والمركبات الآلية. يلجأ بعض الميكانيكيين إلى إزالته، تحت حجة أنه يعيق حركة غازات العدم، ولكن في الحقيقة لأنهم يعلمون بوجود نقاط من معادن ثمينة جدا داخله، مثل البلاتين الأغلى من الذهب.

هناك ضرورة حقيقية لأن يعيد لبنان، دولة وشعبا، النظر بنظام النقل المعمول به حاليا، والذي يسبب الخسائر الكبيرة على الإقتصاد الوطني، والمخاطر المتفاقمة على الصحة العامة والبيئة. وهذا ما يدعو إلى وضع قطاع النقل على المشرحة المستعجلة للبحث في نظام جديد للنقل يرتكز على القطار والمترو والترامواي والنقل المشترك الفعال والمنظم والشامل. ويدعو أيضا إلى وضع خطط جادة وفعالة لتطوير وتنمية وتحفيز قطاعات الطاقة المتجددة والنظيفة.

 

Pin It on Pinterest

Share This