مرة أخرى، لا بد من تدقيق المفاهيم لكي يستوي البحث على قواعد مستقرة، يمكن لها أن تؤدي إلى نتائج تتوّج بوضع سياسات واستراتيجيات واضحة وسليمة بيئيا للنفايات في لبنان على مستوى الحكومة. وهذا ما هو مطلوب في المرتبة الأولى من وزارة البيئة.

شهد لبنان على مدى العقود الثلاثة على الأقل، تجارب ومحاولات ناجحة جزئيا أو كليا، على مستوى بعض الجمعيات البيئية والمبادرات، النسائية والشبابية والأهلية، وأحيانا على مستوى بعض البلديات الصغيرة أيضا. إن الحكمة في تقييم هذه التجارب والمبادرات تكمن في اعتبارها نماذج تقدم الدليل على واقعية السير بخيارات الفرز من المصدر، وفصل المكونات القابلة للتدوير، وفي حالات أقل من حيث العدد والإتساع، الإنتقال إلى معالجة المكونات العضوية بالتسبيخ الهوائي ، لإنتاج الكومبوست، ولو بتقنيات قابلة للتطوير والتحسين ورفع الفعالية والكفاءة.

نشهد في السنوات الأخيرة، تجارب أكثر اتساعا وأوضح نجاحا مع بعض البلديات، والمبادرات التي تحولت من مبادرات أهلية إلى نشاط مؤسسات قطاع خاص صغيرة، لتطوير تقنية التسبيخ. إضافة لممارسة ناجحة على قياس صناعي للهضم اللَّاهوائي لإنتاج البيوغاز وبالتالي توليد الطاقة، كما هي الحال في معمل صيدا الكبير نسبيا، ومعمل بكاسين الصغير نسبيا.

هدفنا من هذا الإستعراض السريع للمعطيات الواقعية المتعلقة بإدارة النفايات على المستوى الشعبي، الأهلي والبلدي، والمبادرات الخاصة الصغيرة والطامحة للنمو، يتمثل بتمييزها عن السياسات الرسمية للحكومات والبرلمانات المتعاقبة على حكم البلاد، والمسؤولة الحقيقية عن ما يعيشه لبنان من أزمة عميقة لإدارة النفايات، مرتبطة بتلويث فظيع للأوساط البيئية المختلفة، هواء وبحرا وتربة ومياها سطحية ومياها جوفية وسلسلة غذائية، وبالتالي مسببة لتدهور أكثر فظاعة في الأمان الصحي للشعب اللبناني، حيث قفزت معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والمزمنة إلى مستويات مقلقة جدا. هذا كله يترافق بهدر صلف ونهب صريح للمال العام عبر عقود النفايات، التي تنقل الأزمة من حلقة إلى حلقة دون كسر مسارها الجهنمي، والإنطلاق في اتجاه سياسات شاملة ومتكاملة سليمة بيئيا للنفايات.

إن كل المبادرات والتجارب، وخاصة منها تلك المتنامية والمستمرة، عند المجتع الأهلي من جمعيات وبلديات، هي في حقيقتها تجارب لا يمكن لها أن تطمح إلى الحلول محل الدولة في إدارة هذا الملف الكبير والثقيل، بل إن حدود فعاليتها، وهذا ليس تقليلا من أهميتها على الإطلاق، أنها تقدم النموذج والدليل على أن السير الجدي في هذه الخيارات السليمة بيئيا يشكل عملية ممكنة وقابلة للنجاح حتى ولو بإمكانات محدودة جدا، فكيف إذا تحولت إلى سياسات واستراتيجيات رسمية تقرها الحكومة والبرلمان وترصد لها الموازنات، ولو جزءا من مما هدرته حتى الآن من أموال طائلة من المال العام؟

من هذا الباب بالتحديد، قلناها سابقا، ونعيدها اليوم، إن دور وزارة البيئة، لا ينحصر في إظهار التعاطف مع هذه التجارب، أو تجييرها، أو خطف بريقها بوسائل شعبوية أصبحت ممجوجة، بل الذهاب بها بعيدا لتطويرها كي تصبح سياسة واستراتيجية وطنية لإدارة النفايات. هذا هو دور وزارة البيئة الحقيقي، أن ترتقي بهذه التجارب والمبادرات، عبر تبني نهجها ورؤيتها وفلسفتها وآليات عملها لتحيلها استراتيجة متكاملة سليمة بيئيا، معززة بكامل عدتها من تشريعات قانونية ومراسيم تطبيقية ومنظومات مقاييس ومواصفات وآليات رقابة ورصد وإبلاغ وتقييم وتحسين ورفع للأداء، تشكل أساسا صلبا لتنظيم وتطوير قطاع صناعة إدارة النفايات بكل حلقاتها.

هل يحق لنا أن نتوقع من وزارة البيئة في عهد وزيرها الجديد أن يطلق بجدية وصدق هذه الآلية؟ ليبدأ، عبر تشكيل هيئة حوار جدي بين الوزارة والقطاع الأهلي البيئي وكل أصحاب الرأي في هذا الملف والملفات البيئية عموما، بجوجلة جدية وعميقة لهذه التجارب وتقييم لها، والبحث في ما تقدمه من دروس لاستخلاص الرؤية التي تحكمها، وفلسفتها حيال النفايات. هذه الرؤية، التي تقطع كليا وعميقا مع النظرة التقليدية القديمة، التي تعتبر النفايات “كتلة من المرفوضات” مطلوب التخلص منها، فتحصر خياراتها للتخلص في المكبات العشوائية، التي تغطي جغرافية لبنان كلها، والمطامر التي خربت الشواطيء اللبنانية ولوثت البحر وأرهقت ملايين المواطنين بالتعرض للروائح والغازات والجزيئات المزعجة والضارة والسامة والمسببة للأمراض المزمنة، أوالإنتقال مؤخرا إلى التحضير للدخول في عصر المحارق، الذي سينقل لبنان إلى حقبة إنهيار الأمان الصحي الخطير، والتلويث البيئي الثابت، والذي يهدد الصحة العامة لأجيال قادمة.

هذه الرؤية، التي ترتكز على الفهم الحديث للنفايات، وتعتبرها موارد ثانوية لها قيمة، ينبغي العمل على وضع نظام الإدارة المتكاملة السليم بيئيا، لاسترداد هذه القيمة بوسائل وطرق تضمن حماية البيئة والصحة العامة، وتحقق استرداد الحد الأقصى الممكن من هذه القيمة المخزنة فيها، بهدف تخفيف مجمل كلفة إدارة هذا القطاع وما شكله حتى اليوم من مزراب هادر لتسريب المال العام.

إن هذه الرؤية حيال النفايات، هي التي تشترط السير بخيارات الفرز الجدي من المصدر، وبموازاة ذلك، تجهيز وتشغيل مراكز فعالة للفرز وفصل المكونات، التي تشكلها النفايات. هذا ما يساعد على رفع كفاءة فصل وتوضيب الموارد الثانوية القابلة للتدوير، التي تحتاجها الصناعة اللبنانية لإعادة إدخالها في دورتها الإنتاجية. ومن جهة أخرى، إن جمع المكونات العضوية مفروزة من المصدر سيوفر الشروط المناسبة لتصنيع كومبوست عالي النوعية، قابل للتسويق داخليا والتصدير إلى الخارج. في هذه المناسبة لا ضير من التذكير أن السوق اللبناني يستورد “الكومبوست” بعشرات ملايين الدولارات من الدول، التي تتمتع بنظام فعال لإدارة نفاياتها على اعتبارها موارد ثانوية قابلة لاسترداد قيمتها عبر تدويرها ومعالجتها وتحويلها وتصنيعها. إن تحقيق كل ذلك بطريقة فعالة يستلزم إعادة النظر جذريا بنظام الجمع ووسائل نقل النفايات. إن الفرز من المصدر يستلزم الجمع المنفصل للموارد الثانوية المختلفة، إلى مراكز توضيبها وتدويرها ومعالجتها وتحويلها وتصنيعها. ومن جهة أخرى، إن جمع النفايات ونقلها إلى مراكز الفرز يستلزم التخلي الكامل عن شاحنات الكبس والضغط، حيث أنها تؤدي إلى تداخل الموارد و”خبصها”، مما يجعل من عملية الفرز في المراكز عملية شبه مستحيلة، حيث تتطلب جهودا استثنائية كي تحقق الحد المعقول من الفعالية. إن غياب التلاؤم بين طريقة الجمع ووسائل النقل من جهة، وبين متطلبات الفرز والفصل والتعريب الفعال للموارد ، بالإضافة إلى أسباب تتعلق بالإدارة والتنظيم من جهة أخرى، يكمن وراء الفشل الذريع، الذي واجه عمل معظم مراكز الفرز والمعالجة الموجودة في مختلف المناطق اللبنانية، التي بني معظمها بهبات من الإتحاد الأوروبي.

نعم، إن التجارب الناجحة للجمعيات البيئية وبعض البلديات، وبعض تجارب القطاع الخاص، تشكل نموذجا يحتذى ودليلا قاطعا على أن فعالية ونجاح الرؤية، التي تنظر للنفايات على أنها موارد ثانوية علينا وضع النظام الملائم لاستردادها، قابلة للتحول إلى سياسة وطنية لإدارة النفايات، متكاملة وسليمة بيئيا وآمنة صحيا ومعقولة الكلفة ولها دور في تفعيل الاقتصاد المنتج، على حساب سياسات هدر الموارد تدمير البيئة وتهديد الصحة وتبذير المال العام.

 

Pin It on Pinterest

Share This