لا يمكن اعتبار التغييرات، التي طرأت على حقائب الحكومة، التي ولدت من رحم أزمة النظام المتفاقمة، والأزمة السياسية – الإقتصادية العميقة، وبعد مخاض طويل استمر ما يقارب التسعة أشهر، أنها حكومة تبشر بإنجازات على طريق مكافحة الفساد الموعود، أو على طريق الإصلاح الإقتصادي الحقيقي، الذي يحتاج إليه لبنان للخروج من الأزمة الشاملة والإقتصادية العميقة والمتمادية.

خلت الحكومة الجديدة من حقيبة التخطيط والتصميم، التي نعتبرها المدخل الحقيقي والسليم لأي عملية إصلاح ووضع البلاد على طريق المكافحة الجادة للفساد. ولم تعرف التركيبة أي من مؤشرات تفعيل أجهزة الرقابة الإدارية والتفتيش ومجلس الخدمة المدنية. ولكنها عرفت استحداث وزارات جديدة بتسميات جديدة لم يظهر بعد دورها في دفع البلاد نحو التقدم المنشود.

بعد إطلاق مسألة مكافحة الفساد في مناسبات وطنية عديدة، أخذ هذا الأمر أبعادا هامة، وخلق حالة شعبية دافعة باتجاه الإسراع في تحقيق إنجازات فعلية ومؤثرة نحو لجم اندفاعة الفساد، التي أخذت في العقود الأخيرة مستويات عالية الخطورة على اقتصاد لبنان واستقراره الإقتصادي والمالي والإجتماعي.

شهدنا مؤخرا تكاثر عدد الزعماء والمسؤولين، الذين أغرقوا وسائل الإعلام بتصريحات تشير إلى نواياهم في مكافحة الفساد، وكأن الفساد تمارسه كائنات تنتمي إلى كواكب أخرى، وليس هو وليد عمل تلك القوى نفسها، التي تشكل السلطة السياسية، التي تحكم لبنان منذ بداية التسعينات وحتى اليوم.

إن الفساد، ليس فقط ما عرفته الممارسة السياسية في الحكومات المتعاقبة من هدر ونهب للمال العام، وتدمير للموارد الطبيعية ومصادرة الأملاك العامة ووضع اليد عليها وسوء استعمالها، بما في ذلك الأملاك البحرية والنهرية والمشاعات في كل المناطق اللبنانية. والفساد ليس فقط تهالكا في الإدارة، ورشوة تمارس في كثير من المواقع وعلى كل المستويات. بل الفساد العميق يتجلى في أطر تشكيل الإدارة البديلة، من مستشارين وخبراء تابعين للبرانامج والمنظمات الدولية، الذين يصادرون الحياة الإدارية السليمة في كثير من إدارات ووزارات ومؤسسات الدولة، ويعيقون انتظام سير عمل الإدارة وفق الآليات القانونية، التي تضمن تطور الإدارة وتحقيق مصالح المواطنين، وذلك كما ينبغي، حسب أرفع مؤشرات الجودة والشفافية واحترام المصلحة العامة.

يتجلى الفساد أيضا في اعتماد خيارات وسياسات لا تحقق المصالح الإستراتيجية للشعب اللبناني في التقدم الإقتصادي والإجتماعي، وفي تحقيق الأمان البيئي والصحي لعموم اللبنانيين. إنما هي تعبير عن مسارات تتحقق معها مصالح الفئات النافذة في السلطة، ومصالح الشرائح العليا من الأثرياء وأصحاب الثروات الكبيرة والمصارف وكبريات الشركات الإحتكارية، التي تمسك برقبة الإقتصاد الريعي في لبنان. وهي بذلك تعيق التنمية المستدامة الحقيقية، وتحول دون تنمية القطاعات المنتجة، التي هي وحدها تسهم في توليد الخيرات المادية، التي تشكل الإقتصاد الحقيقي، والمرتبط بنمو القوى العاملة ومكافحة البطالة والفقر، والتي توفر الشروط الضرورية لرفع مستوى معيشة عموم السكان وتحسين جودة حياتهم.

يتجلى الفساد أيضا في ممارسات مختلف الوزارات والإدارات والمؤسسات الحكومية في تخطيطها وتنفيذها للمشاريع المختلفة، عبر مخالفة القوانين والمراسيم والأنظمة النافذة، وتجاهلها والإستهتار بتطبيق ما تتطلبه من آليات وأحكام وأنظمة ومعايير. يمتد هذا الإستهتار وإدارة الظهر للقوانين والمراسيم والأنظمة ليشمل المؤسسات والشركات الخاصة التابعة لأزلام وأتباع القوى النافذة في السلطة السياسية، التي تحتكر الأعمال في المشاريع الكبرى، التي تُلزَّم في كل المناطق.  يمتد الفساد أيضا إلى الخيارات، التي تستجيب لمصالح فئوية مرتبطة بهذا الزعيم أو ذاك، عبر توافقات محاصصة تتوزعها القوى المتنفذة في السلطة في القطاعات المختلفة. ويمتد أيضا إلى آليات التلزيم بالتراضي، أو الإلتفاف الذكي على ما يمليه القانون من آليات وقواعد ومتطلبات وشروط ومعايير الأمانة على المال العام وحسن التصرف به.

يكثر الكلام وتتعاظم التصريحات، على لسان كبار الزعماء السياسيين، وعلى لسان الوزراء الجدد في الحكومة، عن إجراءات جادة في اتجاه مكافحة الفساد وتحقيق التقدم على طريق الخروج من الأزمات المتنوعة والمزمنة، التي تنغِّص حياة اللبنانيين منذ عقود.

يتحدثون عن ثلاثة عناوين رئيسة لإنجازات فوق العادة يعدون بها الشعب اللبناني. أولها، الكهرباء والطاقة، وثانيها المياه، وثالثها النفايات.

ماهي الإنجازات الموعودة في هذه العناوين الثلاثة؟ وفي أية ظروف ستسعى الحكومة إلى التعامل معها؟ ووفق أي رؤى إقتصادية سوف تتجه لتحقيقها؟ وفي ظل أية شروط وضوابط سوف تعمل الحكومة على التصدي لهذه الملفات الرئيسة الثلاثة؟

أولا، في ملف الكهرباء، الذي ينغِّص حياة اللبنانيين ويعيق اقتصادهم، والذي تتقاذفه الحكومات المتعاقبة منذ التسعينات حتى اليوم، على خلفية وعود كل الوزراء المتعاقبين على حقيبة “الموارد المائية والكهربائية” سابقا، وبعدها على حقيبة “الطاقة والمياه”، التي تمادت في إيهام اللبنانيين حول “الكهرباء 24/24”. فإذا بنا تحت رحمة شبكة أخطبوطية من قطاع طفيلي في مجال توفير الطاقة الكهربائية يتمثل بمولدات الكهرباء، التي تغطي مساحة الجمهورية من أقصاها إلى أقصاها. كل ذلك يتحقق على خلفية عجز مزمن لهذا القطاع أرهق كاهل الدولة والإقتصاد بحوالي نصف الدين العام، والعجز السنوي بأكثر من ملياري دولار يستمر حتى الآن، وسوف يستمر للسنوات القادمة.

إن الإصلاح الحقيقي في هذا القطاع يتحقق عبر مسارين أساسيين، المسار الأول، يتعلق بإنشاء وتشغيل معامل لإنتاج كميات كافية من الطاقة الكهربائية، ووفق رؤية مستقبلية لحاجة لبنان على الأقل لعشر سنوات قادمة، يتم معها تنويع مصادر الطاقة وتطوير قطاعات الطاقة المتجددة والنظيفة، الشمسية وطاقة الرياح، وتأهيل المعامل الكهرومائية لتستعيد كامل قدراتها الإنتاجية. والمسار الثاني، يتحقق عبر تحديث وتأهيل واستكمال وتطوير شبكة خطوط النقل من كل مستويات التوتر العالي والمتوسط والمنخفض، وتطوير محطات النقل والتوزيع وتحديث تجهيزاتها، من محولات متهالكة أو ضعيفة القدرة وغيرها من التجهيزات.

هل هذا ما سنشهده في الأسابيع والأشهر القادمة في مجال قطاع الكهرباء؟ وهل سيتم ذلك وفق آليات تحترم القانون وتضع حدا نهائيا للهدر والنهب، حتى وإن كان ذلك مغطى بأغشية قانونية هزيلة مثل آليات التلزيم بالتراضي؟

هل سنشهد عودة إلى تنفيذ ما تضمنه المخطط التوجيهي، الذي وضعه خبراء “كهرباء فرنسا” مع خبراء لبنانيين، بشأن خطة إنشاء وتشغيل 5 معامل للإنتاج، تماثل معملي الزهراني ودير عمار، في المواقع التالية: الزهراني 2، الجية، الكرنتينا، سلعاتا، ودير عمار 2؟ مع ما يتطلبه ذلك من تحديث وتوسيع للشبكة خطوطا ومحطات.

وفي قطاع الطاقة، المتعلقة باستخراج الثروة النفطية والغازية، وما يرافق ذلك من تطوير لهذا القطاع بكل مستلزماته من إنشاءات على على الشاطيء، نقلا وتخزينا وتصديرا وتوزيعا. فهل سيتم ذلك باحترام معايير الشفافية الكاملة، التي التزم بها لبنان؟ وهل سيتم الإبتعاد عن التلزيم بالتراضي في تطوير هذا القطاع، وفي ظل أعلى معايير الشفافية والتمسك المتشدد بحقوق الدولة؟

في العنوان الثاني المتعلق بملف المياه، تبرز مسألة استراتيجية بناء السدود، التي تثبت يوما بعد يوم، فشلها الذريع، في ما تم تنفيذه وما هو قيد الإنجاز من سدود حتى الآن. حصدت هذه السدود فشلا كبيرا، وتسببت في كوارث، يتوقع أن تصبح أكثر خطورة في القادم من الأيام.

إن سياسة السدود، تتعارض كليا مع معطيات العلم حيال جيولوجية المواقع التي تقام عليها. إن الصخور الكربوناتية، التي يتشكل منها معظم جبال لبنان، هي الخزانات الحقيقية للمياه في لبنان. ومن جهة أخرى، إن كل الدراسات الجيولوجية التي نفذت في لبنان، منذ الإنتداب الفرنسي، وتلك التي نفذت في فترات لاحقة في العام 1955، وكذلك الدراسة، التي نفذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السبيعنات، كلها تدل على أن التخزين السطحي للمياه عبر بناء منشآت السدود الضخمة، التي لا تحميها طبيعة الصخور ولا تحملها طبيعة الأرض، لا يشكل الخيار الاستراتيجي الأذكى والأفضل لاستثمار الثروة المائية اللبنانية. في حين أن ثروة لبنان المائية الجوفية، التي تحملها صخوره الكربوناتية ، هي ثلاثة أضعاف كميات المياه السطحية، وهي متجددة عبر المتساقطات المطرية والثلجية. هذه المياه هي نظيفة ومحمية، في حين أن المياه السطحية معرضة للتلوث عبر عمليات الجرف وتدفق كل أنواع الملوثات إليها، وهذا ما حصل بالفعل لنهر الليطاني وبحيرة سد القرعون، حيث وصل التلوث من كل الأنواع والمصادر ليشكل كارثة وطنية مائية وبيئية واقتصادية كبرى.

ومن جهة أخرى، هل سنشهد مع هذه الحكومة الجدية الكافية في التعامل مع كارثة تلوث الليطاني وبحيرة القرعون؟ وهل ستنفق مئات الميارات المرصودة في قانون معالجة تلوث الليطاني بطريقة شفافة وفعالة بعيدا عن الهدر والفساد، في تنفيذ مشاريع معالجة الصرف الصحي لمنع تدفقها إلى النهر وروافده وحوضه؟ وهل ستنفق بشفافية وفي الإتجاه السليم على مشاريع حماية النهر من كل مصادر التلوث، من صرف صحي وصرف صناعي ومكبات عشوائية للنفايات؟

في العنوان الثالث المتعلق بإدارة ملف النفايات ومعالجة الأزمة المتمادية للنفايات في لبنان، التي تستمر تلويثا للأوساط البيئية في البحر والهواء والأرض والمياه، وتستمر أيضا هدرا ونهبا للمال العام في عقود بمئات ملايين الدولارات، دون أي فعالية في إدارة النفايات السليمة بيئيا والآمنة صحيا، في إدارة مستدامة لهذا القطاع، ذي الأهمية البيئية والصحية والإجتماعية والإقتصادية الكبيرة.

فهل سيتم القطع الجذري مع السياسة، التي تعتبر النفايات “كتلة من المرفوضات” مطلوب التخلص منها؟ ووفق هذه الرؤية تنحصر الخيارات لتحقيق التخلص منها في المكبات العشوائية، التي تنتشر بالمئات على طول الأراضي اللبنانية وعرضها. وفي سياسة المطامر، التي أمعنت في تلويث الشاطيء وتخريبه وردمه، محققة الأرباح الطائلة في جيوب المنتفعين على حساب بيئة لبنان وصحة ورفاه المواطنين القاطنين في المناطق القريبة والمحيطة، وعلى حساب المال العام، الذي يهدر في خيارات عبثية لا تعرف الإستدامة، بل تستنزف في بضعة شهور أو سنوات معدودة. أو ما يعدوننا به عبر التخلص منها في محارق يجري الإعداد لإنشائها في بيروت وبعض الناطق اللبنانية الأخرى، نافثة ملوثاتها السامة عالية الخطورة، وغير المرئية، في رئات اللبنانيين، مما يؤدي إلى ارتفاع فظيع في نسب التعرض للأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والمستعصية.

هل ستذهب الحكومة إلى القطع الكامل مع هذه الخيارات والسياسات، التي أثبتت مدى عقمها وفشلها وخطرها على بيئة لبنان وصحة أبنائه وعلى ماله العام أيضا، وهذا ليس تفصيلا يمكن التغاضي عنه في ظل تفاقم الأزمة الإقتصادية وأزمة الدين العام والمخاطر على الإستقرار المالي والاجتماعي.

يتم القطع الكامل من تلك السياسات والخيارات، عندما تتبدل الرؤية جذريا حيال النفايات، لتصبح مرتكزة على اعتبارها موارد ثانوية ذات قيمة، علينا السعي لاستردادها عبر فرز مكوناتها، وتدوير مواردها الثانوية، في إعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية للصناعة اللبنانية، التي تحتاج إليها. وكذلك عبر معالجة المكونات العضوية، التي تشكل القسم الأكبر من نفاياتنا، حيث تصل إلى 60%، وأكثر من ذلك في شهر رمضان المبارك وبعض الأشهر والأعياد. هذه النفايات العضوية تشكل موردا هاما قابلا للمعالجة، عبر التسبيخ لإنتاج الكومبوست، الذي يستورده السوق اللبناني بملايين الدولارات سنويا، أو عبر تقنية الهضم اللاهوئي، التي تؤدي إلى توليد البيوغاز الغني بالميثان وإنتاج الطاقة الكهربائية الأنظف. هذه التقنية، التي تثبت نجاحها وفعاليتها وجدواها أكثر فأكثر، في معملي صيدا وبكاسين، والتي يا للغرابة، جرى تجاهلها بالكامل في القانون المسمى “الإدارة المتكاملة للنفايات”، والذي يحتاج إلى عملية تعديل شاملة وعميقة، ولا سيما في المواد المتعلقة بالنفايات الخطرة، حيث يسمح باستيراد النفايات الخطرة وخلطها مع النفايات غير الخطرة. نحن ندعو إل تعديل عميق لهذا القانون، ولا سيما بما يمنع منعا باتا وفي كل الظروف، استيراد النفايات الخطرة، تحت أي ذريعة أو موافقات ملتبسة.

إن الإطار الإقتصادي، الذي سيحكم عمل الحكومة لا يبشر بالخير، ولا يوحي بأن تغييرات جذرية بصدد اعتمادها، ولا بأن مكافحة حقيقية للفساد سوف يجري تنفيذها.

يتحدد هذا الإطار في حدود ضيقة قوامها “خطة ماكنزي” الإقتصادية، ومشاريع مؤتمر “سيدر”، وشروطها المرتبطة بضرائب جديدة تنهك المواطن اللبناني وكل الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة. ضرائب مباشرة وغير مباشرة ستطاول الفواتير الإستهلاكية، في البنزين والإتصالات والقيمة المضافة والتسجيل العقاري، وزيادة الرسوم على الدخان وجوازات السفر، وشطور فاتورة الكهرباء وزيادة على ضريبة الدخل، ويجري الحديث أيضا عن زيادة على ربطة الخبز. إضافة إلى رسوم جديدة على الميكانيك، وعلى سلعة الإسمنت، وزيادة تطاول بعض الرسوم الجمركية، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها.

كل ذلك في ظل حديث عن تراجع تنوي الحكومة القيام به عن تطبيق سلسلة الرتب والرواتب واقتطاع أجزاء منها.

كل ذلك، دون المساس بأرباح المصارف والفوائد والعقارات، والعمل على تحميل كامل عبء الأزمة الاقتصادية على عاتق الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة.

“خطة ماكنزي” ومؤتمر “سيدر” يشكلان استمرارا للسياسات الإقتصادية والمالية، التي تمعن السلطة السياسية الحاكمة للبلاد في التمسك بها لصالح الفئات العليا من الأثرياء والمصارف والشركات الإحتكارية، والإستمرار في خيارات واستراتيجيات الإقتصاد الريعي، وتهميش القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة، التي تشكل الأساس الحقيقي لأي اقتصاد قوي وقابل للنمو والتطور.

في ظل هذه الأطر المعيقة، كيف لنا أن نتوقع تقدما في معالجة الأزمات الإقتصادية والمعيشية والبيئية والصحية والمالية، التي يعاني منها لبنان، وتنوء تحت أثقالها الفئات الواسعة من الشعب اللبناني، الذي يزداد فقرا وعوزا، ويتهاوى مستوى عيشه ورفاه حياته؟

Pin It on Pinterest

Share This