هل كانت تتطلب ولادتها كل هذا المخاض الطويل والمؤلم لكل فئات الشعب اللبناني؟ ماذا تغير؟ وماذا سيتغير؟ إنها أزمة النظام، التي تزداد تفاقما.

هاهي قد ولدت بعد مخاض عسير وقاس كاد يهدد البلد بالإنزلاق نحو مراحل متقدمة من الإنهيار الإقتصادي، وربما أكثر. ولدت حكومة المحاصصة المذهبية، التي تناتشتها القوى المذهبية – السياسية المكونة لسلطة النظام الطائفي – المذهبي في لبنان.

ليس مهما على أي توازن استقرت التركيبة، فأول انطباع تتركه عند الناس أنها خطوة إلى الوراء في المسار المفترض للإصلاح، بدل ما كان يأمل اللبنانيون أن تكون الرافعة القوية باتجاه المسيرة الصعبة لإصلاح الإقتصاد والإدارة وترميم مؤسسات الدولة المتهالكة، والمنهوشة بالفساد الضارب عمقا واتساعا في كل مفاصلها.

وزارة مكافحة الفساد تبخرت، وهذا إقرار بأن مكافحة الفساد ليست أهزوجة يرددها رموز الفساد في تركيبة السلطة السياسية المهيمنة بالكامل على كل مستويات الإدارة والمؤسسات في الدولة. ولكن أين وزارة التخطيط؟ المدخل الحقيقي لأي مسيرة إصلاحية جادة.

أصبح اللبنانيون على قناعة واثقة بأن المدخل الحقيقي والجدي لولوج طريق الإصلاح يكمن في خطوتين رئيستين:

الأولى، تتمثل في حلِّ وإلغاء مجلس الإنماء والإعمار، المنفِّذ الفعلي لكل سيناريوهات الفساد، وتقزيم دور الوزارات في إدارة البلاد وقطاعاتها ومشاريع التنمية المفترضة فيها. كان لهذا أن يكون إقفال فعلي لمزاريب الفساد والهدر ونهب المال العام وفوضى المشاريع ونسف تكاملها، وبالتالي إضاعة أي فرصة للتقدم نحو تحقيق أي من أبعاد التنمية المستدامة، التي يتطلع إليها اللبنانيون.

والثانية، تتمثل بإعادة إحياء وزارة التخطيط والتصميم لكي تقوم بالدور المفقود منذ إلغائها في العام 1977، حيث أن غيابها أفسح في المجال واسعا للفوضى، التي يعيشها لبنان منذ ذلك التاريخ، والمترافقة مع الهدر الكبير لموارد البلد الطبيعية، ولنهب المال العام، في ظل غياب كامل للسياسات والاستراتيجيات العقلانية والمدروسة في كل قطاعات الإقتصاد ومجالات التنمية. أتخذت التنمية عالميا منذ العام 1972 بعدا جديدا مع مفهوم ورؤية التنمية المستدامة، التي تربط التنمية الإقتصادية مع التنمية الإجتماعية مع حماية البيئة والحفاظ عليها من التلوث والتدهور، مع ما يرافق ذلك من تخريب غير قابل للإصلاح في المنظومات البيئية، على كل المستويات المحلية والإقليمية والكونية، التي تطاول الكرة الأرضية كلها.

إن تحقيق التنمية المستدامة في لبنان، يشترط وضع السياسات المتناسقة، التي تستجيب لحاجات التنمية الإقتصادية والتطور الإجتماعي والحفاظ على البيئة وحماية الموارد الطبيعية وعقلانية استثمارها، منعا لتدهورها واستنزافها وتدميرها عبر تلويثها أو عبر التدخل الفظ في سياقها الطبيعي. وهذا لا يمكن له أن يتحقق بغياب وزارة للتخطيط تقوم بدور وضع تلك السياسات المتناسقة في مجالات الحياة ومسارات التقدم والتطور.

تراجع آخر، تمثل بإلغاء وزارة الدولة لحقوق الإنسان، واستحداث وزارات ليس معروفا بعد دورها والأهداف المطلوب أن تحققها. فهل حقوق الإنسان في لبنان مصانة بما يدعو اللبنانيين للفخر والإعتزاز ببلدهم ومستوى حماية الحقوق فيه؟ في وقت تعاني المرأة اللبنانية من تمييز حقوقي، لا سيما في مجال إكساب الجنسية لزوجها وأولادها، أو في مجال العمل وحالات التعرض للعنف بكل أشكاله.

فهل يكفي في هذا السياق أن تضم الحكومة الجديدة أربعة نساء؟ فهل مجرد توزير بعض النساء يلبي الحاجة الملحة لإيفاء المرأة اللبنانية كامل حقوقها المهدور فصل مهم منها؟

إنه تحد كبير توضع أمامه وزيرة الداخلية السيدة ريا الحسن. يتمثل هذا التحدي بإقرار فوري لحق المرأة اللبنانية في إكساب الجنسية لكل أفراد عائلتها، دون تمييز أو تفضيل أو حرمان أو إخضاع لأي من الشروط العنصرية المذلة. فهل يخرج لبنان من النقص الفظيع والخرق المرفوض لهذا الحق الطبيعي للمرأة اللبنانية؟

وأخيرا، بيئة لبنان شهدت في العقود الأخيرة تدهورا كبيرا وتدميرا لاقلوبا في بعض مواردها، وتلويثا قاتلا في كثير من أوساطها، مما يهدد الحياة في كثير من منظوماتها، ويهدد الصحة العامة للشعب اللبناني بأكبر المخاطر. فهل سنشهد قطعا جذريا مع السياسات والممارسات والنهج، التي أوصلت إلى هذا الدمار؟ إن في سياسات إدارة النفايات كل النفايات على تنوعها، أو في حماية الثروة المائية، السطحية والجوفية من التلوث والتدمير، أم في التخلي الكامل عن سياسات السدود الفاشلة، واعتماد سياسات عقلانية ترتكز على معطيات العلم في حسن استثمار ثروتنا المائية الجوفية، والعمل في كل الإتجاهات لحمايتها من التلوث الآتي من سوء إدارة الصرف الصحي، والتساهل المفرط مع التلوث الصناعي، والإستثمار على سوء إدارة النفايات الصلبة المنزلية.

هل سيضع وزير البيئة في أولى أولوياته تصحيح وتعديل القانون السيء المسمى “الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”؟ وهل سيعدل المادة 26 والمادة 27 منه، بحيث لا يشرع السماح باستيراد نفايات خطرة إلى لبنان تحت أي ذريعة أو في أي ظرف من الظروف؟

هل سيذهب فعلا، لا لفظا فقط، نحو الإدارة المتكاملة للنفايات بطريقة سليمة بيئيا، تنطلق من اعتبارها موارد ثانوية ذات قيمة علينا استردادها، لنعيد إدخالها في الدورة الإنتاجية للصناعة اللبنانية؟ أم أنه سيتابع ما يحضره مؤتمر “سيدر” من محارق تحرق أنفاس اللبنانيين وتدمر مواردهم؟ هل سيواجه ما يحضر للمحارق المزمع إنشاؤها من مخططات لاستيراد كميات من نفايات بلاستيكية وغير بلاستيكية، بما فيها نفايات خطرة، من بلدان أوروبية، وربما غير أوروبية أيضا، لكي تحرق في لبنان، تلبية لمصالح فئات مستفيدة على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه؟

لا نرى أي مؤشر يدعو للتفاؤل في تركيبة هذه الحكومة وفي الظروف والملابسات، التي رافقت تشكيلها.

أزمة النظام إلى مزيد من التفاقم، فإلى استنهاض حركة شعبية واسعة تعمل على إحداث التغيير، وفرض إصلاحات من شأنها أن تساعد على تحقيق ما يحلم به اللبنانيون من تنمية مستدامة حقيقية.

Pin It on Pinterest

Share This