يعتقد البعض، في معرض طرحه لقضية الفساد في لبنان، أن المسألة تكمن في آليات القوانين والتشريعات، التي تسمح به. وبالتالي لا بد من العمل على وضع تشريعات جديدة، وتعديلات على القوانين الموجودة لسد الثغرات، التي تتيح للفساد أن ينفذ منها. هذا الأمر صحيح بالنسبة لبعضها، وليس لكل القوانين والتشريعات، التي ينبغي على الحكومات أن تنفذها وتحترم أحكامها. على سبيل المثال، قانون المحاسبة العمومية، ولا سيما فيما يتعلق بإعداد الموازنة وإقرارها، وكذلك قانون “الإثراء غير المشروع” النافذ منذ أواخر التسعينات، والذي جرى تحديثه قبل بضعة سنوات بإقرار قانون “من أين لك هذا؟”.

هناك حاجة ملحة أيضا لإعادة تفعيل وتنشيط مؤسسات الرقابة وأجهزة دولة القانون والمؤسسات. لا توظيف إلَّا عبر مجلس الخدمة المدنية بعد إعادة الإعتبار لآليات عمله المؤسسية والقانونية. وإعادة الإعتبار لمؤسسات التفتيش المركزي والإداري والمالي. وكذلك إطلاق يد القضاء، بعد تحقيق استقلاله الكامل، كسلطة مستقلة لا ترتهن في شيء للسلطتين التنفيذية والتشريعية والقوى السياسية، التي تتكون منها. وتفعيل كل مؤسسات الرقابة وإطلاق حسن تطبيق القوانين والتشريعات في كل مستويات عمل الدولة.

إن المسألة البيئية في لبنان، لا تشكل استثناء في هذا المجال أيضا، أي مجال إنفاذ وتطبيق القوانين والتشريعات البيئية وتفعيل المؤسسات البيئية، وعلى رأسها وزارة البيئة.

في أوائل التسعينات كانت الوزارة، التي تعنى بالبيئة، وزارة دولة لشؤون البيئة، تعاقب على حقيبتها الوزيران آغوب جوخدريان وسمير مقبل. قبل نهاية ولاية الوزير مقبل صدر قانون إحداث وزارة البيئة رقم 216 في 2 نيسان 1993، والذي تم تعديله بالقانون 667 في العام 1997، والقانون 690 في العام 2005، الذي حدد مهام وزارة البيئة وتنظيمها. تعاقب على تولي حقيبتها منذ ذلك التاريخ ستة عشر وزيرا، ينتمون إلى مختلف الأحزاب والقوى السياسية والكتل النيابية.

على مدى كل هذه السنوات لم يتمكن أي من وزراء البيئة المتعاقبين على حقيبتها أن يطبق البند الأول من المادة الثانية المتعلقة بماذا تتولى وزارة البيئة من مهام، والتي تنص على ما يلي: إعداد سياسة عامة ومشاريع وخطط طويلة ومتوسطة المدى في كل ما يتعلق بشؤون البيئة واستعمال الموارد الطبيعية واقتراح الخطوات التنفيذية لتطبيقها ومراقبة التنفيذ”.

نحن نعتقد أن لو تصدى أي وزير للبيئة لتنفيذ هذا البند فقط من كل ما نص عليه قانون وزارة البيئة من مواد وبنود وفقرات، لكان لبنان اليوم في وضع بيئي مختلف جذريا عما هو عليه من تدهور وتلوث وتدمير لكل أوساطه وموارده الطبيعية.

تتالت القوانين والمراسيم والقرارات والتشريعات البيئية، حيث بتنا نمتلك منذ العام 2002 قانونا لحماية البيئة هو من أفضل التشريعات البيئية العربية على الإطلاق. وقانون “حماية نوعية الهواء” رقم 78 للعام 2018، وهو تعديل للقانون المقر في العام 2012، وهو متابعة وتحديث لقانون حماية الهواء من التلوث من قطاع النقل، الذي أقر في العام 2002. وكان قد أقر في العام 1988 قانونا عالي الأهمية، القانون رقم 64 المتعلق بالمحافظة على البيئة ضد التلوث بالمواد الضارة والمواد الخطرة. وأقر أيضا عددا كبيرا من القوانين المتعلقة بإنشاء محميات طبيعية وتنظيم الصيد البري وانضمام لبنان لعدد من الإتفاقيات البيئية الدولية.

بالإضافة إلى كل تلك القوانين، جرى إقرار عددا من المراسيم على درجة عالية من الأهمية، مثل مرسوم إنشاء الضابطة البيئية في العام 2016،  ومرسوم “التقييم البيئي الاستراتيجي ” لمشاريع السياسات والخطط والبرامج في القطاع العام في العام 2012، ومرسوم ” أصول تقييم الأثر البيئي” رقم 8633 في العام 2012، للمشروعات في القطاعين العام والخاص،  ومرسوم الإلتزام البيئي للمنشآت رقم 8471 في العام 2012، ومرسوم إنشاء “المجلس الوطني للبيئة وتحديد مهامه وتنظيمه” الرقم 8157 في العام 2012. وكذلك المرسوم رقم 2275 في العام 2009، المتعلق بتنظيم الوحدات التابعة لوزارة البيئة وتحديد مهامها وملاكها وشروط التعيين الخاصة في بعض وظائفها. والمرسوم الهام المتعلق بتنظيم المقالع والكسارات رقم 1735 في العام 2009، ومرسوم تحديد أنواع نفايات المؤسسات الصحية وكيفية تصريفها رقم 8006 في العام 2002، المعدل بالمرسوم 13389 في العام 2004، وغيرها الكثير من المراسيم ذات الأهمية القصوى في تنظيم سبل حماية البيئة والمحافظة عليه.

هناك أيضا الكثير من القرارات، التي تنظم عمل المؤسسات والأنشطة الإقتصادية المختلفة بما يحمي البيئة من التلوث والتدهور، وفي مقدمتها القرار 8/1 للعام 2001 بشأن المواصفات والمعايير المتعلقة بملوثات الهواء والنفايات السائلة المتولدة عن المؤسسات المصنفة ومحطات معالجة المياه المبتذلة. وكذلك لائحة طويلة جدا من القرارات، التي تحدد الشروط البيئية لإنشاء واستثمار عدد كبير جدا من المؤسسات الصناعية والأنشطة الإقتصادية الأخرى. وغيرها الكثير الكثير من القرارات، التي إن طبقت أو جرى متابعة احترامها والإلتزام بها لكان الوضع البيئي في لبنان مختلفا تماما عن الحالة المزرية التي وصل إليها.

إن هذا الإستعراض السريع لما لدينا من قوانين ومراسيم وقرارات وتشريعات بيئية، تتعلق بأعلى المهام وأسماها، من وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط القريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، وصولا لتطبيق أبسط الشروط للمنشآت الصناعية من مختلف الفئات حيال انبعاثاتها في الهواء أو تدفقاتها السائلة في البحر والأنهر والأراضي وشبكات الصرف الصحي، غير المرتبطة بمحطات لمعالجة المياه المبتذلة أو تلك المرتبطة بمحطات للمعالجة على درجات مختلفة، يسمح لنا بالإستنتاج أن المشكلة، التي تعانيها بيئة لبنان، لا تكمن في نقص القوانين والتشريعات البيئية، بل بالإمتناع أو التخلي أو العجز أو القصور أو التساهل أو الإستفادة من تعطيل تطبيق هذا الحشد الكبير من القوانين والمراسيم والقرارات. وهي تكمن أيضا في المساومة على حسن تطبيقها، والإلتفاف عليها، أو إفراغها من مضمونها، أو تجاهلها أو الإستهتار بها من قبل الكثيرين، وفي مقدمتهم وزارات وإدارات ومؤسسات الدولة ومشاريع القطاع العام، وكذلك تلك التي تقوم بها شركات كبرى محسوبة على قوى متنفذة في السلطة السياسية، التي تحكم لبنان منذ التسعينات حتى اليوم.

إن هذا التعاطي مع القوانين والمراسييم والقرارات والتشريعات البيئية يكمن في أساس الفساد المستشري في كل المشاريع المتعلقة بالملفات البيئية الأكثر سخونة، مثل إدارة النفايات وتلوث الهواء والبحر والأنهار من كل الأنواع والمصادر وإدارة الوارد الطبيعية واستخراج الرمول والصخور ومواد البناء الأخرى.

الفساد هو حصيلة ممارسات القوى، التي تتكون منها السلطة السياسية في إدارتها للبلاد. وهو بالتالي ميزة ملازمة لطبيعة النظام الطائفي – المذهبي وتحالف القوى، التي تتقاسم السلطة والنفوذ فيه، متحالفة ومتوافقة ومتآلفة على كل مستويات العمل النقابي والسياسي، بهدف تجديد سلطتها على كل شيء، ومنع اختراقها من قبل قوى تختلف عنها جوهريا بطبيعتها الإجتماعية والسياسية.

مكافحة الفساد في الدولة اللبنانية يتطلب تغييرا حقيقيا في طبيعة السلطة السياسية، يفسح في المجال أولاً، لاحترام وتطبيق القوانين والتشريعات، وتالياً، لتفعيل المراقبة والمحاسبة والمساءلة وفق القانون، ولتطبيق العدالة حيال الحقوق العامة للشعب اللبناني في بلده، وفي مقدمتها حقه بالحياة الكريمة في بيئة نظيفة وآمنة.

 

Pin It on Pinterest

Share This