يتابع اللبنانيون منذ عدة سنوات الكارثة البيئية الكبرى، المتمثلة بتلوث نهر الليطاني في مساريه الأعلى والأسفل وبحيرة القرعون. تتكشف كل يوم تفاصيل جديدة تعمِّق قلق اللبنانيين على أكبر نهر في لبنان، والذي يشكل حوضه خمس مساحة لبنان، ومياهه الحصة الأكبر من ثروة لبنان بالمياه السطحية.

إن مستوى الشفافية في عمل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، في مجال نشر المعلومات اليومية عن كل ما تظهره كشوفات فرق المصلحة العاملة على الأرض على امتداد النهر، يُبيِّن مدى التعديات، التي تفوق كل تصور، وتتجاوز كل ما كنا نعتقده عن مصادر ومستويات الملوثات وأنواعها، التي تصب فيه وتتدفق إلى روافده، وترمى على ضفتيه وفي حوضه، وتنتقل إليه مع أيام المطر الشديد وسيول المجاري الشتوية والينابيع وما تحمله من تشكيلة واسعة من النفايات الصلبة والرمول والطين والطمي المجروفة إلى مجراه.

فيما يتعلق بتلوث المسار الأعلى لنهر الليطاني وبحيرة القرعون، هناك المصادر الرئيسية لتلوث النهر والبحيرة، التي تحدثت عنها عشرات الدراسات والتقارير القديمة نسبيا، وتلك الحديثة أيضا، التي تم وضعها في السنوات القليلة الأخيرة، والمتعلقة بتدفق مئات آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، الموجهة إلى مجراه وحوضه، وبالتدفقات الصناعية السائلة غير المعالجة، المرمية في مجرى النهر وروافده، أو في شبكات مجارير الصرف الصحي التي تصب فيه، أو التي لا تتوافق بمواصفاتها مع المعايير والمقاييس البيئية الوطنية. وتلك المتعلقة بالمكبات العشوائية للنفايات الصلبة المنزلية وغير المنزلية، الواقعة على ضفاف النهر وروافده أو على مقربة منها، وكذلك تسربات فائض الأسمدة والأدوية الزراعية في سهول الأراضي الزراعية الواسعة، التي تفتقر إلى الإستخدام الرشيد والعقلاني.

أما فيما يتعلق بمساره الأسفل، أي من السدِّ إلى المصب، كان تقريرنا الذي وضعناه عن مصادر وأنواع ملوثات النهر في هذا المسار الجنوبي، بناء عل تكليف المحامي العام الإستئنافي والمدعي العام البيئي في محافظة النبطية، في أواخر العام 2016، هو الوثيقة الأولى عن هذا المسار. وهي وثيقة عالية الأهمية، على الرغم من محدوديتها وضعف الموارد المالية والبشرية والتقنية، التي استخدمت لوضعها.

قمنا بوصف مورفولوجيا النهر وتسجيل المتغيرات التي وقعت عليه، ماءً ومجرى ومنظومةً بيئية مائية. فأشرنا إلى ما أصاب مجراه من تغيرات سبَّبها تراكم كميات كبيرة من الترسبات الرملية والطينية والطميية في مجراه، محدثة تغييرات كبيرة وهامة طاولت الطبيعة التكوينية لتخت مجراه، الذي كان صخريا وحصويا فإذا به يستحيل رمليا وطينيا وعلى ارتفاعات هامة غيرت من شكل وسرعة انسيابه، محدثة مساحات من الرمول والطين احتلت أجزاء من عرض مجراه، ومساعدة على تكوين بنية نباتية طحلبية، هي نتيجة لتلوث عضوي تنامت حتى أصبحت سببا لتلوث مياه النهر، إضافة إلى كونها نتيجة لهذا التلوث المترافق بتراكم الترسبات في تخت مجراه.

وأشرنا إلى أسباب هذا التغير الموفولوجي الكبير، وتوقفنا عند سببين رئيسين، الأول، سوء إدارة الموارد المائية في النهر والبحيرة، حيث جرى إبقاء حوالي 16 كلم من مجراه الجنوبي بطول 66 كلم، جافا وخاليا تماما من المياه، 7 كلم من السد حتى مصب نفق معمل كوكبا، و9 كلم من سد الزرايرية حتى المصب. والسبب الثاني، تراكم الترسبات الرملية والطينية والطميية على طول مجراه من نقطة تمرا – جسر التحرير (أو جسر لحد)، بسبب نشاط المرامل ومغاسل الرمل على ضفته الشرقية، وكذلك أيضا تلك الموجودة في الأعالي الغربية من حوض النهر، في الريحان والعيشية، والمرتبطة به مائيا عبر الينابيع الجارية ومجاري السيول الشتوية، التي تصب فيه.

تشير المعلومات، التي تتدفق بشفافية عالية من المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، أن هناك وضعا كارثيا لتلوث النهر، من مصادر إضافية، غير تلك الرئيسة المعروفة، حيث تتحدث عن تعديات مؤذية لمخيمات النازحين السوريين على أملاك المصلحة، ورمي النفايات ومياه الصرف الصحي المبتذلة غير المعالجة في قنوات الري التابعة لها في مشروع القاسمية. تتحمل بعض البلديات ومفوضية الأمم المتحدة لشؤن اللَّاجئين والمنظمات الدولية واللبنانية المعنية مسؤولية هذه التعديات وآثارها الثقيلة على النهر ومشاريع الري المتعلقة به.

وتظهر هذه التقارير أيضا، أن هناك عددا كبيرا من المستشفيات في البقاع ترمي بنفاياتها الطبية في مكبات عشوائية، تتحول إلى مصدر لتلويث النهر وروافده وحوضه بالنفايات الطبية. هذا يشكل مخالفة كبيرة لمرسوم إدارة النفايات الطبية، الذي يلزم المستشفيات على معالجة نفاياتها الطبية الملوثة والخطرة.

إن استمرار بعض البلديات برمي نفاياتها الصلبة المنزلية ونفايات الملاحم والمسالخ في مكبات عشوائية على مقربة من مجرى النهر وروافده، يؤدي إلى جرف هذه النفايات بكميات كبيرة، تحتوي أيضا على جثث حيوانات نافقة، مما يشكل مصدرا هاما وخطيرا للتلوث.

إن الخطوات الأخيرة، التي اتخذتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بالإدعاء أمام القضاء على مرامل ومحافر في منطقة جبل الريحان والعيشية، حيث يتم تدمير مساحات واسعة من غابات الصنوبر المعمرة، لاستخراج الرمول وغسلها، مما يتابع تلويث النهر بما كنا قد أشرنا إليه في تقريرنا في العام 2016، عن جرف كميات هائلة من الرمول والطين والطمي، مع مياه الينابيع الجارية ومجاري السيول الشتوية، إلى مجرى النهر، إمعانا في التخريب المورفولوجي، الذي أصاب مجرى النهر وضفافه، وأحاله وسطا مائيا تتهدد فيه الحياة والتنوع البيولوجي، الحيواني والنباتي.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، مع تدفق المعلومات يوميا عن مصادر وأنواع جديدة من التلوث الفظيع، الذي يجعل من تلوث الليطاني كارثة بيئية وطنية حقيقية، ماذا تقول وماذا تفعل الوزارات والإدارات المعنية بالموارد المائية وحماية البيئة والصحة في لبنان؟ ماذا تقول وتفعل القوى السياسية في السلطة، المسؤولة مباشرة عن حياة الناس في حوض النهر وفي لبنان عامة؟ ماذا تقول وتفعل اللجنة الوزارية لنهر الليطاني برئاسة رئيس الحكومة والوزراء المعنيين، بعد مرور أكثر من 4 سنوات على تشكيلها؟

 

Pin It on Pinterest

Share This