يوما بعد يوم، تظهر الإنعكاسات البيئية الكارثية الناتجة عن الطريقة، التي يتابع بها مجلس الإنماء والإعمار تنفيذ مشاريع الصرف الصحي، شبكات ومحطات معالجة، من لحظة التخطيط ووضع الخرائط والمخططات، إلى استدراج العروض لتلزيم إنشاء المشاريع، ومتابعة تنفيذها وآليات استلامها، ووضع دفاتر شروط تشغيلها، ومناقصات تلزيم التشغيل ووضع عقودها، ومراقبة احترام شروطها.

هذه المنهجية المتبعة من قبل هذا المجلس، الذي يحتكر تنفيذ كل المشاريع في لبنان، تعاني كما يبدو من ضعف فظيع على المستوى الإداري والمستوى التقني والمستوى المالي. فهي مترافقة بخلل إداري كبير يظهر بمصادرة فعلية لأدوار العديد من الوزارات والإدارات والجهات الرقابية الإدارية منها والمالية. وكذلك أيضا مترافقة بضعف وقصور وإخلالات تقنية كبيرة لجهة وضع دفاتر شروط الإنشاء والتشغيل وآليات تنفيذ المناقصات، لناحية تحقق الشروط والمتطلبات التقنية في الشركة الرابحة للمناقصة، وبالتالي عقود تنفيذ الإنشاءات، وعقود تشغيلها. وكذلك أيضا مترافقة مع هدر فظيع للمال العام في عقود، كبيرة وصغيرة، لتنفيذ مهام عبثية لا قيمة حقيقية لها من منظور مفهوم التنمية المستدامة وحماية البيئة وحفظ الموارد الطبيعية وتحسين جودة حياة المواطنين.

آخر نموذج عن ما نتحدث عنه، مسألة الوحول المتولِّدة عن عمل محطة زحلة لمعالجة المياه المبتذلة، وما عرفته هذه المسألة من تطورات محزنة، هي أشبه بالمهزلة المبكية. وما تناقلته وسائل الإعلام من أخبار عن رمي لهذه الوحول، تحت الضوء أحيانا وفي الظلام أحيانا أخرى، في خراج هذه البلدية أو تلك. والمأساة الحقيقية، التي تجلت بتصريحات العديد من المسؤولين، من البلديات، ومن  مجلس الإنماء والإعمار والشركة المشغِّلة للمحطة، إلى بعض النواب، فإلى بعض الوزراء، وكلها كانت تعبر عن مأساة حقيقية تتعلق بالعقلية الضيقة و”القبلية” والتافهة في كثير من الأحيان، لإدارة البلد والتعاطي مع المشاكل، التي تظهر من وقت لآخر، صغيرة كانت أو كبيرة.

جملة من الأسئلة تطرح نفسها، عند التفكير في مشكلة تنقل وحول محطة زحلة لمعالجة مياه الصرف الصحي من خراج هذه القرية لبقاعية إلى تلك. ما يشير إلى أن أسبابها تكمن عميقا في منهجية إدارة مجلس الإنماء والإعمار لهذا الملف بكل تفاصيله وأبعاده.

لن نتحدث هنا عن المشاكل، التي عاشتها هذه المحطة في فترة ما قبل تشغيلها. فاللبنانيون على اطلاع بما كانت تعانيه من ثغرات فنية ومن خلل في توفر شروط تشغيلها، بما فيها أبسطها، أي توفر مصدر الطاقة الكهربائية للتشغيل. هذا ما أدى إلى تأخير تشغيلها لأكثر من سنتين، حيث بدأت العمل في شهر تشرين الأول 2017 بعد ضغوط كبيرة ومتنوعة، من جهات كثيرة، على خلفية التلوث الكارثي لنهر الليطاني وبحيرة القرعون.

السؤال الأول الذي يطرح نفسه، هل تضمَّن دفتر الشروط، الذي وضعه مجلس الإنماء والإعمار، والمتعلق بالمناقصة لاختيار الشركة المؤهلة لتشغيل هذه المحطة، شروطا تتعلق بطريقة التخلص من الوحول، التي سوف تتولد عن تشغيل المحطة؟

والسؤال الثاني، هل وافق مجلس الإنماء والإعمار على ما تضمنه العرض الفني المقدم من قبل الشركة، التي ربحت المناقصة، بشأن طريقة التخلص من الوحول هذه؟ وما هي هذه الطريقة، التي ضمنتها الشركة لعرضها، ووافق عليها مهندسو وخبراء مجلس الإنماء والإعمار؟

إذا ما تابعنا فصول ما حصل في الأسابيع والأيام الأخيرة، من أشكال اعتمدتها الشركة للتخلص من تلك الوحول، وبموافقة مجلس الإنماء والإعمار، ووفق عقود معه، نرى أنها بدأت مع محاولة نقلها إلى مكب الكفور في منطقة النبطية المقفل، حيث رفضت البلدية والأهالي هذا الأمر. فما كان منهما، الشركة المشغلة للمحطة ومجلس الإنماء والإعمار، إلا أن تعاقدا مع شركات نقل وشاحنات لنقلها ورميها بشكل عشوائي في مناطق متفرقة من البقاع، محدثة تلويثا كبيرا للمناطق التي رميت فيها.

يظهر القصور أيضا لدى الإحتجاجات، والمطالبات بنقلها من هذا المكان وذلك المكان، دون البحث الجدي والمسؤول في اعتماد خيارات استراتيجية لمعالجة هذه الوحول والتخلص منها بطرق علمية مدروسة، والإستفادة منها في توليد البيوغاز لإنتاج الكهرباء، واستعمال هذه الطاقة كليا أو جزئيا لتشغيل المحطة نفسها.

هكذا نصل إلى الإستنتاج أن مجلس الإنماء والإعمار بمنهجية عمله، وبطريقة تعاطيه غير المهني، وضعف الأهلية الإدارية والفنية والمالية، وغياب الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية، تنفجر في وجه اللبنانيين مشاكل “لا على البال ولا على الخاطر”، تمعن في تدمير البيئة وتهديد الصحة العامة وهدر المال العام، في عقود وخيارات عبثية لا فائدة منها ولا طائل.

لو كان دفتر شروط التشغيل يتضمن شروطا فنية خاصة بمعالجة الوحول والتخلص السليم بيئيا وصحيا منها. وكذلك الإستفادة منها في توليد البيوغاز عبر تقنية الهضم اللَّاهوائي، التي يمكن أن تستقبل سوية، بالإضافة إلى هذه الوحول كل المكونات العضوية في النفايات الصلبة المنزلية ونفايات المسالخ والملاحم دون العظام، لتوليد البيوغاز، وبالتالي توليد الطاقة الكهربائية، التي تأخر تشغيل هذه المحطة نفسها سنتان بالتمام والكمال، بسبب عدم قدرة “دولة مجلس الإنماء والإعمار” عن تأمين حاجتها من الطاقة الكهربائية.

ولو كان عرض الشركة، التي ربحت مناقصة تشغيل هذه المحطة يتضمن طريقة فنية مقبولة لمعالجة هذه الوحول والإستفادة منها، والتخلص السليم بيئيا وصحيا منها، لما كنا اليوم أمام هذه المهزلة، التي تنهش ببيئة لبنان وأمان صحة أبنائه واستقرارهم الإجتماعي. ولما كنا أيضا أمام تبذير المال العام، عقدا بعد عقد، وحرمان الشعب اللبناني من توظيفه في مجالات تأتي بالخير عليه وعلى جودة حياته.

 

Pin It on Pinterest

Share This