نقول للجميع ولكل من يعنيهم الأمر من قريب أو بعيد، أن الوضع لا يحتمل المناورات، ولا التذاكي، ولا تسعير الحملات الإعلامية، ولا أخذ مواقع دفاعية وكأن في الأمر تجنٍّ، أو خوض تهجمات مبنية على الإدعاءات. الحقيقة أن الأمر لا يحتمل هذا الغنج ولا هذا التردد ولا هذا التأجيل، الذي يستمر منذ حوالي العقدين من الزمن.

بيئة لبنان في وضع تجاوز أعلى درجات الحرج. فالهواء على مستويات عالية جدا من التلوث، من مصادر مختلفة، من قطاع الصناعة وقطاع النقل وسوء إدارة النفايات والممارسات الخاطئة والخطيرة في الحرق العشوائي لكل شيء، من النفايات المرمية على الطرقات وفي مكبات عشوائية على الهضاب والوديان، والإطارات المطاطية بمناسبة وبدون مناسبة. مستويات تلوث الهواء تتجاوز كل المعايير الوطنية والعالمية بعشرات، بل بمئات الأضعاف، وفي المدن تصل إلى حد ألوف المرات لبعض المؤشرات. والأنهار كلها ملوثة، ليس فقط نهر الليطاني وبحيرة القرعون، حيث يشكل تلوثهما كارثة وطنية حقيقية، لا تحتمل التجاهل أو التلكؤ في اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بوقف تدفق الملوثات إليهما، من كل المصادر، التي أصبحت معروفة جدا. فمجاري الصرف الصحي غير المعالجة تصب كلها في الأنهار والروافد أو على مقربة منها. والبحر “حمال أسية” اللبنانيين، وحكوماتهم العاجزة والفاشلة، التي توهمهم بأنها تنفذ مشاريع تنموية للصرف الصحي بمئات ملايين الدولارات، ولكن في الحقيقة إن ذلك يتم دون أي فعالية تذكر، ودون أي تحسن يذكر على حالة التلوث الفظيع للأوساط البيئية المستقبِلة، وفي مقدمتها نهر الليطاني والبحر، حيث أن قلبهما مفتوح لاستقبال ملايين الأمتار المكعبة من المياه المبتذلة غير المعالجة سنويا.

التربة الزراعية هي أيضا معرضة لتراكم الملوثات الكيميائية نتيجة الإستعمال غير الرشيد للأسمدة والأدوية الزراعية الكيميائية، وهي كلها مواد سامة، بعضها يتراكم في التربة، وفي المنتجات الزراعية، مهددا الصحة العامة لعموم المستهلكين من المواطنين، ومهددا المياه الجوفية والينابيع باحتمالات التلوث.

لا أحد يستهدف الصناعة اللبنانية، وخصوصا أولائك الذين ينتمون إلى فلسفة تطوير القطاعات المنتجة من الإقتصاد الوطني، وفي المقدمة منها قطاع الصناعة، الذي يجب أن يحظى بكل عناية ونمو. ولكن تطوير الصناعة ونموها، وتحسين موقعها في بنية الإقتصاد اللبناني، يتطلب اعتماد سياسات هادفة ورشيدة من قبل الحكومات والبرلمانات، والسهر على حسن تطبيقها. ويتطلب أيضا سياسة وضع الحوافز المالية والتسهيلات الضرورية لتشجيع التوظيفات والإستثمار في هذا القطاع، وحماية المنتجات الوطنية أمام منافسة المنتجات الإستهلاكية المستوردة.

نحب صناعتنا الوطنية، فنيسر لها القروض والتقديمات لتطور موقعها في السوق المحلي، وتنمي قدراتها التصديرية لتعزيز موقعها في الدخل الوطني وفي النمو الإقتصادي للبلد.

نحب صناعتنا، فنسهل لها الحصول على موارد ثانوية لتعيد تصنيعها، عبر تحويل استراتيجية فرز النفايات من المصدر وجمع الموارد الثانوية القابلة لإعادة التدوير، إلى سياسة رسمية ملزمة على كل المستويات الوطنية، وليس باعتماد خيار محارق النفايات، الذي سيقضي على تلك الموارد المعدة للتدوير الصناعي، ليدمرها ويحولها إلى ملوِّثات غازية وجزيئية تطلق في الهواء وأوساط البيئة، لتلوثها بأكثر المواد سميَّة، وتهدد الصحة العامة بأكبر المخاطر.

لا نحمي الصناعة اللبنانية بتركها تلوث البيئة، ولا بالسكوت على ما يتدفق من مخارجها من كميات متفاوتة من النفايات السائلة، الغنية بالملوثات الكيميائية والجرثومية، وبالمؤشرات المقلقة، لناحية ارتفاع مستوياتها، ولناحية سميتها البيئية والبشرية.

لا نحمي الصناعة اللبنانية بالتغطية على تلويثها لنهر الليطاني وروافده وحوضه. فهذا التلوث وصل إلى مستويات من الإشباع، أصبحت معها مياه النهر والبحيرة غير صالحة لأي استعمال كان، وأصبحت مصدرا محتملا لتلوث خطير، سبَّب ويسبب ارتفاعا مخيفا بمعدلات التعرض للأمراض السرطانية عند الكثير من سكان المناطق القريبة.

لا مناص من أن تقوم المصانع اللبنانية، الملوِّثة لنهر الليطاني ورافده وحوضه، من البدء فورا باتخاذ كل الإجراءات التقنية الضرورية لمعالجة تدفقاتها بشكل جدي وفعال، لتصبح متوافقة من معايير ومقاييس الجودة البيئية المعتمدة وطنيا.

ندعو لعدم الغرق في تراشقات الإدارات والمؤسسات وتبرير المواقف هنا وهناك. كل هذا ليس هو الموضوع، الذي يهم اللبنانيين المكويين بنار التلوث ومخاطره البيئية والصحية.

ندعو لعدم التمادي في تمديد المهل وفترات السماح والتريث حيال المصانع الملوِّثة. لا مهل بعد أن استنزفت هذه المصانع  كل مهلها السابقة، المستمرة منذ العام 2001 وحتى الآن، في التذاكي والتكاذب والتهرب من القيام بما يلزم لمعالجة ملوثاتها قبل رمي تدفقاتها في النهر.

لا مهل بعد اليوم ولا تساهل، هذا النهج يدين أصحابه، من أي جهة أو إدارة أو مسؤول أتى. المطلوب الآن وفورا دون تأجيل، البدء بوضع وتشغيل منشآت فعالة لمعالجة مؤشرات التلوث، والتحقق منها وتثبيتها، في كل المؤسسات الصناعية، التي ثبت مساهمتها بتلويث النهر.

ليس إقفال المؤسسات الصناعية هدفا لأحد، بل هو وسيلة للحث على أخذ الأمور على محمل الجد، وهذه المرة بحزم وجدية عالية.

البيئة والصحة في وضع حرج جدا، للصناعة اللبنانية دور كبير وفعال في التخفيف من حدة هذه الكارثة الوطنية، على طريق أن يتحسس مجلس الإنماء والإعمار وبقية الإدارات والوزارات تحمل مسؤولياتها حيال تدفق ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي، المحملة بكل أنواع الملوثات إلى النهر وروافده وحوضه، وكذلك إلى كل أنهار لبنان وبحره.

 

Pin It on Pinterest

Share This