فجأة أصبحت وزارة البيئة وزارة مهمة، وفجأة يتم تعطيل التوافقات بشأن تشكيل الحكومة، التي أنجزت منذ المراحل الأولى لماراثون التشكيل، المستمر حتى الساعة. لماذا هذا الإستدراك لأهمية وزارة البيئة؟

منذ الأسابيع الأولى، توافق الأفرقاء على أن البيئة من حصة دولة الرئيس بري وحركة أمل هذه المرة. وانتشرت المعلومات في كل الأوساط المتابعة لخبايا تشكيل الحكومة من جهة، وللمهتمين بالوضع البيئي المتدهور، نتيجة ثلاثة عقود من السياسات الخرقاء حيال بيئة لبنان بكل ملفاتها، من جهة أخرى.

بعد وقت قصير بدأت ترشح معلومات تفيد أن الرئيس بري وحركة أمل ينويان تحقيق إنجازات نوعية على مستوى سياسات الإدارة البيئية في لبنان، ووقف التدهور، ولجم انحداره المتسارع مع المسارات، التي اتخذتها معظم الملفات البيئية. والعمل على تطوير التشريعات البيئية واستكمال ما هو معطل منها حتى الآن، ولا سيما المراسيم التطبيقية لقانون حماية البيئة، وتعديل قانون “الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، الذي أقر على وجه السرعة، وتبين أن فيه عيوبا وشوائب كثيرة وخطيرة.

عرفت بيئة لبنان تدهورا كبيرا في السنوات الأخيرة، وفي المقدمة منها ملف النفايات، من اعتماد المطامر البحرية وتوسعتها، والنكث بالوعود، التي قالت بتوسعة ورفع فعالية معامل الفرز والتسبيخ، والإستمرار في اعتماد الخيارات، التي تؤمن مصالح فئوية، مترافقة مع هدر كبير للمال العام عبر عقود إدارة النفايات، وذلك على حساب البيئة بكل أوساطها، مع تراجع مخيف في الأمان الصحي للشعب اللبناني. وأخيرا، التطور النوعي على هذا المسار، الذي تمثل بالذهاب بعيدا في خيار المحارق، على الرغم من الإعتراضات الواسعة على ذلك.

إن ما كشفناه عبر تحليلنا لعدد من المعطيات، التي ظهرت على المستويين الوطني والدولي، متقاطعة مع معلومات تشير إلى أن هناك إتجاها نحو تسهيل إقامة وتشغيل محارق عالية القدرة الإستيعابية في دول العالم الثالث، في إفريقيا وآسيا، ويبدو أن لبنان على صغره يدخل في لعبة الذهاب نحو المحارق الكبرى، التي يفوق مجموع قدراتها كل كميات النفايات الصلبة المتولدة في لبنان.

هذه المعطيات هي التالية:

  • الدول المانحة تقدم قروضا ميسرة وتسهيلات مالية بقيمة مليار وأربعماية مليون دولار أميركي في مؤتمر “سيدر”، لبناء ثلاثة محارق كبرى تبلغ كلفة الواحدة منها 375 مليون دولارا، بقدرة إستيعابية 2000 طن يوميا لكل واحدة منها، بشرط الإسراع في إقرار قانون يغطي هذا التوجه.
  • الإسراع في إقرار قانون” الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة” دون أن يعطى ما يستحقه من نقاش في جلستي اللجان المشتركة والهيئة العامة. هذا القانون هو واحد من أربعة قوانين، أقرت في جلسة تشريع الضرورة، مرتبطة بمؤتمر “سيدر”. لذلك رأينا أن هذا القانون تشوبه العديد من الشوائب والمغالطات والتمريرات الخطيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، السماح باستيراد النفايات الخطرة، والسماح بخلطها مع النفايات غير الخطرة.
  • توقف الصين عن استيراد 56% من النفايات الصناعية للدول المتقدمة في الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان وأستراليا. هذه البلدان هي اليوم غارقة في نفاياتها الصناعية، ولا سيما منها البلاستيكية، التي تتراكم في المستودعات بكميات هائلة تفوق قدرة كل محارق هذه الدول على استيعابها. هذا ما سمعته شخصيا من سيدة في الوفد الألماني عن الصناعيين الألمان، كانت تشارك في اجتماع مجموعة العمل مفتوحة العضوية لاتفاقية بازل، الذي عقد بداية شهر أيلول (سبتمبر) 2018 في جنيف، المدينة السويسرية.
  • في نفس هذا الإجتماع طرح ممثل الإتحاد الأوروبي رفع عتبة محتوى المواد الخطرة في النفايات لكي تصنف خطرة إلى 10000 جزء من مليون، في حين أن اتفاقية ستوكهولم تعتبر هذا الحد 50 جزء من مليون، أي أن معدل رفع العتبة في اقتراح مندوب الإتحاد الأوروبي يصل إلى 200 ضعف. هذا سيؤدي إلى تبدل كبير في تصنيف النفايات، ويجعل كثيرا من النفايات، التي كانت تصنف خطرة وفق العتبة السابقة، ان تصنف غير خطرة وفق العتبة المقترحة. وهذا يعني بلغة اتفاقية بازل، أن النفايات الخطرة، التي كان تصديرها محظورا من الدول الصناعية المتقدمة إلى بلدان العالم الثالث ومنها لبنان وفق قرار الحظر رقم 1/3، تصبح مصنفة غير خطرة، وبالتالي تصدر إلى هذه البلدان ومنها لبنان دون قيود.
  • هناك معلومات تشير إلى تسهيلات مالية بقيمة 60 مليار دولار جاهزة لإقامة محارق للنفايات في إفريقيا، وكذلك لإقامة 100 محرقة نفايات جديدة في الهند.
  • إذا قاطعنا كل هذه المعطيات وجمعناها نصل إلى صورة على درجة عالية من الوضوح تؤكدها وقائع تحققت فعلا. تشير هذه الصورة إلى أن هناك تقاطعا للمصالح بين قوى في السلطة اللبنانية، ذات تأثير كبير على السياسات والخيارات البيئية وفي مقدمتها ملف إدارة النفايات، وبين قوى نافذة في البلدان الصناعية الأوروبية، تسعى إلى تخفيف حدة أزمة إدارة النفايات الصناعية في بلدانها عبر تشجيع دول عديدة على إقامة محارق للنفايات، وتسهيل قروض مالية لتحقيق ذلك، وعلى وضع تشريعات مناسبة تسهل تصدير واستيراد هذه النفايات، حتى ولو بقيت تصنف نفايات خطرة بعد التعديلات المرتقبة في مؤتمر اتفاقية بازل، الذي سيعقد أواخر نيسان (إبريل) وأوائل أيار (مايو) 2019، في جنيف أيضا.

إذن، محارق كبيرة في لبنان، ليس فقط لكل نفايات لبنان، بل أيضا لنفايات صناعية أوروبية، خطرة وغير خطرة، أو خليط من هذه وتلك، تحاك كل التشريعات الملائمة لحركتها الميسرة دون قيود.

كل ذلك، مع كل تفاصيل ما يحضر لملف النفايات، والملفات البيئية الأخرى، والسياسات المعتمدة حيال المقالع والكسارات والمرامل، والتلوث الناتج عن قطاع الصناعة وقطاع النقل، والصرف الصحي، الذي يضرب كل أوساط البيئة، بحرا وأنهارا وهواء وتربة، يتطلب أن تستمر وزارة البيئة وزارة ضعيفة، مكسرة الأجنحة، مصادرة صلاحياتها لصالح مؤسسات وإدارات أخرى، لا تمون على سياسة بيئية ولا استراتيجية ولا خطة ولا برنامج ولا مشروع يتعلق فعلا بحماية بيئة لبنان، ووقف هدر موارده الطبيعية نزفا وتلويثا. وزارة لا قدرة لها على تطبيق قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، ولا أي من المراسيم ذات الصلة، ولا حول لها ولا قوة على إلزام الآخرين بتطبيقها، لا في القطاع العام، ولا في القطاع الخاص، المستقوي بعلاقاته مع قوى نافذة في السلطة.

لكل هذه الأسباب يتم الإستدراك بأن وزارة البيئة المطواعة هي ضرورة للإستمرار في نفس السياسات والمقاربات، التي تضمن مئات ملايين الدولارات لجيوب المستفيدين، وتضمن انسيابا سلسا للمصالح المتقاطعة محليا وخارجيا، على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام.

Pin It on Pinterest

Share This