منذ دورات مفاوضات المناخ، التي سبقت مؤتمر  كوبنهاغن 2010، دأبت مجموعة الدول العربية، التي تتحدث باسمها المملكة العربية السعودية حصرا، على اعتماد المواقف، التي تعتبر معرقلا كبيرا لإحداث تقدم باتجاه اعتماد سياسات جدية وفعالة في مسألة تغير المناخ. أي إعاقة اعتماد قرارات قوية وطموحة يؤدي تطبيقها إلى التحكم بارتفاع درجات الإحترار الكوني بما لا يزيد عن درجتين. ولمزيد من الأمان لشعوب العالم قاطبة، العمل على منع ارتفاع درجات الإحترار الكوني إلى ما يزيد عن 1.5 درجة مئوية حتى نهاية القرن، مقارنة مع مستواها قبل الثورة الصناعية.

تستمر السعودية منذ ذلك التاريخ في تبني نفس المواقف والسياسات المعيقة لمفاوضات المناخ، جارَّة معها كل مجموعة الدول العربية، حيث تفرض على الجميع احتكار التحدث باسمها، على الرغم من أن بعض الدول العربية، مثل لبنان والأردن وتونس والمغرب، تعتمد عمليا سياسات مختلفة على المستوى الوطني، وتتبنى خيارات وآليات جذرية في سياسات التحكم بالتغير المناخية، إن على مستوى سياسات التخفيف أو التكيف، وتلتزم بالآليات، التي تقرها مؤتمرات اتفاقية المناخ المتتالية وصولا إلى المؤتمر المنعقد حاليا في مدينة كاتوفيتشي في بولندا، مرورا بمؤتمر باريس، الذي تمخض عنه اتفاقية باريس عالية الأهمية.

على الرغم من كل ما شهدته منطقتنا العربية، في الشرق الأوسط والخليج وشمال إفريقيا، من الأردن وقطر والكويت والسعودية نفسها والعراق واليمن ولبنان والجزائر والمغرب من أحداث تغير المناخ، التي ترافقت بخسائر كبيرة مالية واقتصادية، وأحيانا بشرية، ومخاطر صحية واجتماعية كبيرة. على الرغم من كل ذلك، لا زال الوفد السعودي إلى مفاوضات المناخ يشكك بصحة تقارير  الهيئة الحكومية الدولية، التي يشارك فيها كبار العلماء والباحثين من معظم دول العالم، والتي تشكل تقاريرها الدورية مرتكزا للسياسات والخيارات والإجراءات والآليات، التي تقرها مؤتمرات تغير المناخ، ومرجعا ثابتا لها.

اعتادت السعودية على نيل جائزة “الوقود الأحفوري”، التي يمنحها ممثلوا المجتمع المدني يوميا، على ضوء سير المفاوضات، للدولة أو الدول، التي تتبنى مواقف تفاوضية تصنف في خانة العرقلة والإعاقة ومنع التقدم للوصول إلى إتخاذ القرارات المؤدية إلى سياسات مناخية موثوقة وتساعد على تحقيق الغاية بالحد من ارتفاع درجات الحرارة الكونية إلى ما دون الدرجتين مئويتين، ولمزيد من الأمان إلى حدود درجة مئوية ونصف حتى نهاية القرن.

إن عرقلة الوصول إلى قرارات صارمة من شأنه أن يبقي سياسات والتزامات الدول حيال التغير المناخي رخوة وضعيفة، ما يترافق بمخاطر وصول الإرتفاع بدرجات الإحترار الكوني إلى ما يزيد عن 3 درجات وصولا إلى 5 درجات وفق توقعات تقارير الهيئة الدولية لتغير المناخ.

خلال المؤتمر المنعقد في بولندا حاليا، أخذت المجموعة العربية، التي يتحدث باسمها حصريا ممثلوا الوفد السعودي، جائزة “الوقود الأحفوري” للمرة الثانية، وهذا يشكل عارا على مواقف المجموعة العربية في مفاوضات المناخ في كاتوفيتشي في بولندا.

مرة لمواقفها المطالبة بإزالة كامل النص المتعلق بزيادة الطموح للحصيلة العالمية Global Stock take. والمرة الثانية لأن المجموعة العربية على لسان السعودية غير مقتنعة بتقرير الهيئة العالمية للمناخ IPCC المتعلق بالحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فقط، وغير مقتنعة بآلية وارسو الدولية المتعلقة بالخسائر والأضرار WIM.

إن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، هل وفود الحكومات اللبنانية والأردنية والتونسية والمغربية موافقة على تلك المواقف، التي يتخذها الوفد السعودي في مفاوضات المناخ؟ ولماذا تسلِّم هذه الوفود الحكومية بما يفرضه الوفد السعودي عليها من مواقف لا تتفق مع سياساتها الوطنية؟ ولماذا هي تلوذ بالصمت ولا تعبر عن مواقفها المتمايزة عن مواقف السعودية في مفاوضات المناخ؟

أليس في هذه الوفود واحدا يجرؤ على التعبير عن مواقف حكومته في سياسات المناخ الوطنية؟ من يترأس وفد حكومة لبنان إلى هذه المفاوضات في بولندا؟ ولماذا لا يأخذ المبادرة للتعبير عن مواقف لبنان من هذه القضايا، التي تختلف جوهريا عن مواقف السعودية؟ ولماذا السكوت على مصادرة موقف المجموعة العربية وحرية التعبير لموفديها وحصرها بالوفد السعودي، الذي على عادته القديمة يعيق ويعرقل سير المفاوضات نحو اتخاذ قرارات حازمة تحمي شعوب العالم من كوارث التغير المناخي، التي أصبحت واقعا في كثير من مناطق العالم، ومنها بلداننا العربية الأكثر هشاشة وتعرضا، ولم تعد توقعات كما كانت عليه قبل عقد أو عقدين من الزمن.

 

Pin It on Pinterest

Share This