إن إصرار المسؤولين في الحكومة، والعديد من القوى السياسية الممثلة في البرلمان، وفي حكومات “الوحدة الوطنية”، وفي البلديات الكبرى، في مقدمتها بلدية العاصمة بيروت، وبعض البلديات واتحادات البلديات في مختلف مناطق لبنان، على السير باستراتيجية إقامة محارق النفايات، تحت تسميات متعددة، إنما هو اعتراف صريح بفشل السياسات والاستراتيجيات، التي اعتمدوها على مدى ثلاثة عقود من حكمهم، وارتجال القرارات والخطط العرجاء والناقصة والقاصرة، ودائما تحت ضغط ابتزاز أوضاع طارئة تتطلب إجراءات طارئة، تمليها مصالح فئات نافذة ومتحكمة بهذا الملف في السلطة السياسية. والإمتناع عن، بل منع السير بما تقول به الحركات البيئية منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم، أي السير بالإدارة المتكاملة، التي تتضمن المفاتيح التالية: التخفيف، الفرز من المصدر، التدوير، التسبيخ، التصنيع، إشراك البحث العلمي في ابتداع طرق ووسائل جديدة وفعالة للاستفادة من متبقيات كل تلك العمليات، والتخلص السليم بيئيا، والآمن صحيا ومعقول الكلفة مما يتبقى منها، إلى حين تصفيرها في المستقبل.

إنه اعتراف بالفشل والقصور والعجز عن إرساء منظومة إدارة بيئية سليمة للنفايات على مدى كل تلك السنوات. إنه استمرار لنفس النهج في التعامل مع هذا الملف باعتباره “دجاجة تبيض ذهبا” تصب في جيوب الممسكين به في مستويات السلطة السياسية وأتباعهم وأزلامهم. إنه استمرار لنهج الكب العشوائي، والطمر لمجمل النفايات، وإفشال عمليات الفرز، إن في مراكز الفرز والمعالجة، التي أقيمت في كثير من المناطق، أو عبر مبادرات جادة قامت بها مجموعات أهلية ومنظمات بيئية وبلديات صغيرة هنا وهناك.

لمن لا يزال عنده لبس بشأن رؤيتنا للإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة لنفايات لبنان، نعيد التأكيد على رفضنا الحازم، على مدى أكثر من عقدين من الزمن لسياسة الرمي العشوائي في مكبات ومزابل عشوائية انتشرت كالفطر في كل مناطق لبنان، مع كل ما تلقيه من ثقل تلويثي على كل أوساط البيئة، ومن مخاطر صحية تهدد عموم فئات الشعب اللبناني. ورفضنا الحازم أيضا لسياسة الطمر الكلي أو شبه الكلي للنفايات، التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، مرفقة بإفشال أي جهد جدي لتطوير وتحسين وتفعيل مراكز الفرز والمعالجة، وتشجيع تدوير الموارد لتحقيق تنمية الصناعة اللبنانية، المتعطشة لإدخال هذه الموارد في دورتها الإنتاجية. وإفشال كل محالات تطوير عمليات معالجة وتحويل وتصنيع المكونات العضوية بعمليات بيولوجية، هوائية ولاهوائية، عبر الإمتناع عن بذل أي جهد لتطوير وتحسين وتفعيل ورفع كفاء وقدرة معامل التسبيخ، التي كانت بإدارة الشركات المتعاقدة مع الحكومة لإدارة النفايات. بل أكثر من ذلك، عبر شن الحملات الإعلامية الكاذبة والهادفة لتشويه سمعة عملية التسبيخ Composting، وإعتماد التضليل وحجب الحقائق العلمية وتشويهها المقصود، بآليات تسويقية وترويجية تضليلية رخيصة، بغية تبرير ممارساتهم في طمر كل النفايات، أو معظمها، تحقيقا لمصالحهم الذاتية الضيقة، إذ أن كلما زاد وزن النفايات كلما زادت الفاتورة والأرباح المحققة. وصلت الأمور ببعض أبواقهم التافهة، لأن تقول بأن التسبيخ “تقنية خطيرة”، وأن الكوبوست “منتج خطير” على بيئة لبنان وصحة اللبنانيين. أنتم أمعنتم بإفشال هذه العملية في معاملكم، وأمعنتم بإنتاج منتج فاقد لكل مواصفات النوعية الجيدة، ورميتم فشلكم على عملية التحويل نفسها، ما يدل عن جهلكم أو تجاهلكم لهذه التقنية وفئات الجودة لمنتجها. أنتم بذلك تثبتون جهلكم أو تجاهلكم، وقلة درايتكم، بأن السوق اللبناني يستورد الكومبوست بجودة عالية بعشرات ملايين الدولارات سنويا، من بلدان أجنبية نجحت في إرساء نظام لإدارة نفاياتها ومعالجتها وتصنيعها، وإنتاج كومبوست عالي الجودة، لا يتطلب إنتاجه “تقنيات نووية” ولا “تكنولوجيات روبوتية”، بل مصداقية ومعرفة حقيقية بمؤشرات حسن سير هذه العملية البسيطة، التي تتوفر في لبنان كل متطلبات ازدهارها وشروط نجاحها.

نحن نعيد مرة أخرى رفضنا لمحارق النفايات، التي يعتبرونها “الترياق”، الذي ينقذ لبنان من أزمته المتمادية والمستمرة والثقيلة بشأن إدارة النفايات في لبنان.

إن استراتيجية المحارق، هي من حيث الفلسفة والرؤية، الوجه الآخر لاستراتيجية المطامر، لناحية مخاطرها على البيئة والصحة العامة وارتفاع كلفتها، ولناحية تعارضها الاستراتيجي مع سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، التي ندعو إليها.

يكثرون من سؤالنا لماذا أنتم ضد المحارق، في حين أنها موجودة في بلدان متقدمة صناعيا؟ فنقول، أولا، إن محارق تلك البلدان إلى أفول، وهي في تناقص مستمر، وهناك معارضة واسعة من قبل البيئيين والأكادميين والعارفين بمضارها ومخاطرها على البيئة والصحة البشرية، حتى في أكثر محارق العالم الصناعي تقدما تكنولوجيا. ونقول ثانيا، إن أرقى تقنيات المحارق في تلك البلدان تخضع لأنظمة صارمة من الرقابة والمتابعة ودقة التشغيل والصيانة والرصد، ما لا تتوافر له أي من متطلبات تحققه في لبنان، لا على  المستوى المؤسسي، أو التشريعي، أو الرقابي، أو القدرة التقنية على رصد كل مؤشرات التلوث، ولا سيما منها تلك عالية الخطورة، والمسببة للسرطانات وغيرها من الأمراض المستعصية والمزمنة.

مرة جديدة، لماذا نحن ضد المحارق؟

لأن حرق النفايات هو مقاربة غير بيئية، عالية الكلفة، ملوثة، وغير فعالة. فمحارق النفايات تتسبب، حتى في عملها النظامي، وبشكل أكبر في كثير من حالات عملها غير النظامي، أي عند اختلال بعض مؤشرات عملها النظامي، بانبعاث ملوثات سامة، وإطلاق روائح مزعجة، ووقوع حرائق وانفجارات. وهي منظومة غير آمنة ماليا، نظرا للإرتفاع الكبير جدا لكلفة إنشائها وتشغيلها وصيانتها، ومكافحة التلوث الذي تنتجه، ومعالجة النفايات السامة والخطرة، التي تتولد عن عملها. وأخيرا نظرا للظلم البيئي الذي تتسبب به عبر تلويث ثابت ومستدام لعناصر البيئة، ما يهدد ليس فقط الأمان الصحي للمواطنين حاليا بل الأجيال القادمة أيضا.

نحن ضد المحارق لأننا مطالبون بالعمل من أجل الإنتقال إلى مجتمع يحسن إدارة نفاياته، ويحمي بيئته ويقي صحة أبنائه من كل المخاطر، التي تمثلها محارق النفايات. ولأننا مطالبون بأن نحمي السكان والعمال من كل المخاطر، وأن نصمم مستقبلنا للتخفيف التدريجي، للكميات المتبقية من النفايات والمطلوب التخلص النهائي منها، في المطامر أو المحارق، باتجاه تصفيرها في المستقبل.

إن الحرق Incineration، وتقنية التغييز Gasification، والبيروليز Pyrolysis، وقوس البلازما Plasma arc، كلها تقنيات خطرة ومسببة للمخاطر البيئية والصحية، ولا تشكل حلا مقبولا لإدارة النفايات.

يكذبون عليكم عندما يقولون بأن المحارق تنتج الطاقة. الحقيقة برأينا أن المحارق هي هدر وتضييع للطاقة. فالمحارق يمكن أن تولد كهرباء بفعالية منخفضة جدا، وهذا يعود إلى القيمة الحرارية المتدنية جدا للنفايات المنزلية في لبنان، وهذا ما تناولناه في العديد من مقالاتنا السابقة. ليست الشطارة في أن تنتج كهرباء، بل الشطارة أن تجيب على سؤال بأية فعالية وبأية كلفة؟ أضافة إلى أنها تطلق كميات كبيرة جدا من الانبعاثات المسببة للتغير المناخي، والانبعاثات السامة والخطرة مثل أول أوكسيد الكربون، والزئبق والديوكسين والفوران والجزيئات (الجسيمات) متناهية الصغر. إذا قارنا محارق النفايات مع معامل إنتاج الطاقة العاملة على الفحم الحجري، وهو الوقود الأحفوري الأكثر تلويثا على الإطلاق، لرأينا أن المحارق تولد تلوث كربوني أكبر لكل وحدة طاقة.

إن محارق النفايات هي هدر وتضييع للموارد. وهي بالوعة للنفايات، مهما أعطيتها تطلب المزيد، وبالتالي هي دافع لزيادة تولد النفايات وليس لتخفيفها، وهي عامل تثبيط لأنظمة فرز الموارد وتدويرها ومعالجتها وتصنيعها. وهي منافس غير شريف لكل هذه العمليات. وهي بذلك تشكل استمرارا ووريثا حقيقيا للمطامر، التي تستقبل كل النفايات أو 90 بالمئة منها، فهي كذلك سوف تستقبل كل النفايات أو 90 بالمئة منها. هذه الموارد التي يصار إلى إعدامها في المطامر، ويحضر لإعدامها في المحارق، بكلفات عالية جدا تقاس بمئات ملايين الدولارات، يمكن أن يتم إعادة استعمالها، وتدويرها وتسبيخها. وهي تسهم أكثر بكثير جدا في التلوث المسبب للتغير المناخي من أي نظام للإدارة السليمة للنفايات.

إن المحارق كما المطامر، هي هدر وتضييع للمال العام. فالمحارق هي الطريق الأغلى على الإطلاق لإنتاج الطاقة الكهربائية. وهي تتميز بأعلى معدل للأثر الإقتصادي السلبي الناتج عن تلوث الهواء بالمقارنة مع القيمة المالية المضافة، التي تولدها الصناعة.

إن الكلفة الإنشائية للمحارق وكلفة تشغيلها وصيانتها هي أكبر من كل تقنيات توليد الطاقة الكهربائية العاملة على الوقود النووي أو الفحم الحجري أو الفيول أو الغاز أو الطاقة الشمسة أو طاقة الرياح.

إن محارق النفايات هي هدر وتضييع للفرص أيضا. ففي حين أن الإدارة المتكاملة والسليمة بيئيا المرتكزة على مبدأ استرداد الموارد، تؤمن فرص عمل جديدة، وتحفز نشاط اقتصادي واجتماعي وتنموي للمجتمعات المحلية، تكون المحارق مصدرا إضافيا لتلوث البيئة بالانبعاثات السامة والخطرة، وبالجزيئات السامة والخطرة، وبالنفايات الخطرة التي تتولد عنها.

لنفكر جيدا، ماذا لو تم توظيف كل أموال المحارق في مشاريع توليد الطاقة النظيفة والمتجددة، من طاقة شمسية ورياح؟ وكذلك في إرساء نظام متكامل للإدارة السليمة بيئيا للنفايات يتضمن سياسات التخفيف، وإعادة الاستعمال والتدوير والتسبيخ والمعالجة والتصنيع والتخلص السليم بيئيا من المتبقيات، التي ينبغي أن تتناقص كمياتها تدريجيا وصولا إلى تصفيرها؟

ماذا لو كان عندنا في لبنان رجال دولة يفكرون في كل هذا قبل الإقدام على حرق أنفاس شعبهم بمحارق النفايات؟

 

 

Pin It on Pinterest

Share This