خمسة وسبعون مندوبا لممثلي خمسة وعشرين دولة آسيوية، وأربعة مؤسسات للأمم المتحدة، وإحدى عشر منظمة غير حكومية، وثلاثة مراكز إقليمية للتدريب ونقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى سكرتارية إتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، وسكرتارية الإتفاقيات الكيميائية الثلاث، بازل وروتردام وستوكهولم، و سكرتارية النهج الإستراتيجي للإدارة الدولية للكيماويات SAICM، اجتمعوا في بنكوك، العاصمة التايلاندية، في مركز الأمم المتحدة للمؤتمرات ، في ثلاثة إجتماعات متتالية للتشاور، تحضيرا للمؤتمر الثاني لاتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، الذي سيعقد الشهر القادم، تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 في جنيف، وتحضيرا لمؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية الثلاث، التي ستعقد في نيسان – أيار (إبريل – مايو) من العام القادم 2019، ومتابعة لتحضيرات الإجتماع الثالث المفتوح، الذي يستكمل البحث في مستقبل النهج الاستراتيجي للإدارة الدولية للكيماويات فيما بعد 2020.

لبنان كان حاضرا بجناحيه الرسمي والمدني-غير الحكومي، حيث شاركت ممثلة وزارة البيئة اللبنانية الإختصاصية الكيميائية والبيئية الدكتورة ساندي عردو، وشارك عن المنظمات البيئية غير الحكومية الدكتور ناجي قديح من ضمن الفريق الدولي لـ”مجموعة العمل من أجل صفر زئبق” ZMWG، وفريق “الشبكة الدولية للتخلص من الملوثات العضوية الثابتة” IPEN، و”التحالف العالمي من أجل طب أسنان خال من الزئبق” WAMFD. وعمل ممثلا لبنان كفريق واحد متكامل لتحقيق المصلحة الوطنية في التطبيق الناجح لاتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، وكذلك الاتفاقيات الأخرى، التي تعنى بالإدارة السليمة للكيماويات والنفايات، بما يحفظ ويحمي البيئة والصحة البشرية من مخاطرها.

في حلقته الأولى، المتعلقة باتفاقية ميناماتا، تناول الإجتماع بنقاش عميق وغني كل الوثائق والقضايا الهامة، التي سيتناولها المؤتمر الثاني للاتفاقية. وأطلعت السكرتاريا الاجتماع على المستجدات بشأن الاتفاقية، وما تحقق حتى الآن من إنجازات على الطريق الطويل لتطبيقها، وتحقيق أهدافها في حماية البيئة والصحة البشرية من مخاطر الزئبق، هذا المعدن السام والملوث الكوني. واستعرضت الهيكلية العامة للمؤتمر الثاني وبرنامج العمل، وقدمت شروحا عن كل وثيقة وعنوان مطروح على جدول أعماله. أخذت “الدلائل التقنية” حيزا من اهتمام الاجتماع حيث ناقش “دليل إنبعاثات وإطلاقات الزئبق”، و”دليل التخزين المؤقت السليم والآمن بيئيا للزئبق غير نفايات الزئبق”. ومن أكثر المسائل نقاشا، كانت عملية تحديد حد نفايات الزئبق، أي حد محتوى الزئبق في النفايات لكي تعتبر نفايات ملوثة بالزئبق، وتتطلب إدارة خاصة بهذا النوع من النفايات وفق اتفاقيتي ميناماتا وبازل. وكذلك “دليل معالجة المواقع الملوثة بالزئبق”. وبالطبع كما في كل الاتفاقيات الدولية تأخذ الآلية المالية اهتماما كبيرا نظرا لارتباطها الوثيق بقدرة الدول النامية على وضع خطط تنفيذية لتطبيق الاتفاقية وتحقيق أهدافها. بالإضافة إلى مسألتي بناء القدرات والمساعدة التقنية.

هذه المرة أخذ موضوع تطبيق الاتفاقية والإمتثال لالتزاماتها وعمل “لجنة التطبيق والإمتثال” نقاشات واسعة وغنية، وتباينت الآراء بشأنها. وناقش الإجتماع أيضا مسألة الفعالية والتقييم والإجراءات والأنظمة المالية للاتفاقية.

أخذت قضية تخفيف استعمال الملغم الزئبقي في طب الأسنان، والتخلص النهائي من هذا الاستعمال عند الأطفال والأمهات الحوامل والمرضعات، حيزا من اهتمام الاجتماع. حظي هذا الأمر بتأييد كل ممثلي المنظمات غير الحكومية وعدد من ممثلي الدول، منها لبنان وفييتنام وبنغلادش وساموا وأندونيسيا والنيبال وسيري لانكا.

من أكثر القضايا التقنية، التي ناقشها الاجتماع، أهمية كانت مسألة حرق النفايات التي تحتوي على الزئبق. فالزئبق سيكون حاضرا في الانبعاثات في كل حالات حرق النفايات، إن كان ذلك حرقا عشوائيا في المكبات العشوئية غير المراقبة، أو في المحارق النظامية المراقبة. لأن الزئبق لا يختفي ولا يتفكك ولا يتكسر إلى مركبات أخرى كما هو شأن المركبات الكيميائية الأخرى، بل هو يكون حاضر في الإنبعاثات الى الهواء الجوي، لأن كل الفلاتر وأجهزة وأنظمة مكافحة التلوث الملحقة بالمحارق المتطورة لا تتمكن من التقاط كل كميات الزئبق المنطلقة في الانعاثات الناتجة عن حرق نفايات تحتوي على الزئبق.

إن الإدارة السليمة الوحيدة، التي من شأنها منع انبعاثات الزئبق في الهواء الجوي، تكمن في فصل نفايات الزئبق مسبقا وجمعها المنفصل ووضع نظام جمع ومعالجة وإدارة منفصلة لنفايات الزئبق وللنفايات، التي تحتوي على الزئبق، والنفايات الملوثة بالزئبق، بشكل منفصل تماما عن سيل النفايات الأخرى. إن وضع وتطبيق هذا النظام وحده يستطيع أن يحول دون انبعاثات الزئبق في الجو، وتلويث الهواء والبيئة، وتهديد الصحة البشرية بأكبر المخاطر.

إن التعاون والتكامل بين الاتفاقيات الكيميائية، بازل وروتردام وستوكهولم، مع اتفاقية ميناماتا الجديدة نسبيا مطروحة بشكل جدي، وبعض الدول، كما التجربة الفيتنامية مثلا قد حققت على المستوى الوطني تكاملا بينها، ووحدت الأطر التنظيمية المسؤولية عنها، والوزارات المعنية بتطبيقها في إطار تنسيقي واحد ينفذ برامج واحدة تحقق التكامل بينها.

إن من أهم البرامج، التي لاقت نجاحا كبيرا وأهمية كبيرا أيضا في تخفيف تعرض العمال في قطاع تعدين الذهب الحرفي للزئبق، وحماية صحتهم من المخاطر الكبيرة التي يعانون منها، كان البرنامج النموذجي، الذي نفذه برنامج التنمية الصناعية للأمم المتحدة UNIDO في بوركينا فاسو. يطبق هذا البرنامج وهذه التقنية حاليا في عدد من الدول الإفريقية، حيث تم وضع نظام إنتاج حرفي للذهب لا يستخدم الزئبق على الإطلاق، وقام بتدريب عدد كبير من العمال على إستخدامه وإدارته.

في حلقته الثانية، المتعلقة بالتشاور وتبادل المعلومات بشأن التحضير لمؤتمرات الاتفاقيات الكيميائية الثلاث، أعلمت السكرتاريا المجتمعين بشأن ما اتخذ من إجراءات حتى الآن. وتم الإعلان عن قرار الإتحاد الأوروبي بمنع استخدام بعض المنتجات البلاستيكية وحيدة الإستعمال. وكذلك الموافقة على نقل النفايات البلاستيكية الصلبة من المرفق التاسع لاتفاقية بازل إلى الملحق الثاني، أي إخضاع عمليات تصديرها إلى آلية الموافقة المسبقة عن علم، المتبعة في اتفاقية روتردام بشأن التجارة الدولية بالكيماويات الخطرة. وكذلك جرى الإعلان عن قرار الصين بالمنع الكامل لاستيراد النفايات البلاستيكية وتصديرها إلى البلدان النامية. وكذلك عبرت إيران، التي لعب ممثلها دورا نشيطا جدا في كل نقاشات الاجتماعات، عن موافقتها على وضع ضوابط للحد من تصدير النفايات إلى البلدان النامية.

ومن القضايا ذات الأهمية البالغة، التي توقف عندها الاجتماع، مسألة الربط بين العلم والبحث العلمي والأفعال المطلوبة للإدارة السليمة للكيماويات والنفايات، حماية للبيئة والصحة البشرية. نعم إن البحث العلمي ومنجزاته يشكلان رافعة الخلاص لمعالجة الكثير من العقد المستعصية حاليا في معالجة بعض أنواع النفايات وإدارتها.

في الحلقة الثالثة، المتعلقة بالنهج الاستراتيجي للإدارة الدولية للكيماويات في مرحلة ما بعد 2020، تابع النقاش وتبادل المعلومات بشأن التقدم والإنجازات المحققة حول التحضير لمرحلة ما بعد 2020. سيعقد الإجتماع التحضيري الثالث في الأوروغواي شهر آذار (مارس) من العام القادم 2019، تحضيرا للمؤتمر الخامس للإدارة الدولية للكيماويات ICCM5، في العام 2020، الذي سيقرر وضع النهج الاستراتيجي في مرحلة ما بعد هذا التاريخ.

بعض الدول ترى ضرورة تحويل النهج الاستراتيجي إلى اتفاقية ملزمة قانونا، والبعض الآخر يرى إبقاءه موجِّها لسياسات طوعية واختيارية في إدارة الكيماويات، وبعض آخر يرى الجمع بين الإثنين، بحيث يكون ملزما في جوانب وطوعيا في جوانب أخرى.

ناقش الاجتماع الآليات الممكنة لتعاون نقاط الاتصال لاتفاقية ميناماتا والاتفاقيات الكيميائية الثلاث مع نقطة الاتصال للنهج الاستراتيجي بشأن التكامل والتنسيق في مسائل إدارة الزئبق ونفايات الزئبق والنفايات الملوثة بالزئبق.

وناقش الإجتماع أيضا مسألة دور وإسهام النهج الاستراتيجي في تنفيذ الأجندة 2030 بشأن أهداف التنمية المستدامة.

كانت اجتماعات غنية بنقاش قضايا على درجة عالية من الأهمية لبلداننا في تطوير أنظمة إدارة الكيماويات والنفايات، بما يؤمن ويعزز حماية البيئة والصحة البشرية والتنمية المستدامة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This