أنجز نواب الأمة مهمتهم بنجاح، و”عادوا إلى مواقعهم سالمين”. كان المطلوب تمرير قوانين “صفقات” مؤتمر سيدر، وكان الله يحب المحسنين. انتهت مهمة تشريع الضرورة غب الطلب، ولا بأس أن ينسحب “الأشاوس” لتعطيل النصاب ومنع متابعة البحث بقضايا الناس، عمالا ومعلمين وأساتذة ومتعاقدين ومتقاعدين. هؤلاء أمورهم ليست قضايا مستعجلة، ولا تشكل واحدة من الصفقات، التي يُطوَّع تشريع الضرورة لخدمتها.

مرر توافق الجميع، بإجماع شبه كامل، لولا اعتراض عدد محدود جدا من النواب، قانون “محارق النفايات”، الذي يشكل أحد أدسم صفقات مؤتمر سيدر، حيث ستتكرم علينا الدول المقرضة بتخصيص مليار ومئتي مليون دولار لبناء ثلاثة محارق، كلفة إنشاء كل واحدة منها تصل إلى ثلاثماية وخمسة وستين مليون دولار، كتأسيس لاستمرار الصفقة لاحقا في عقود تشغيلها، التي ستقاس أيضا بمئات ملايين الدولارات سنويا.

يبيعون الناس “بوشارا” عند حديثهم عن الإدارة المتكاملة للنفايات، وهم يعلمون جيدا أن هذا مطلب البيئيين وعموم المخلصين من شعب لبنان، ولكنهم في الحقيقة يحضِّرون محارق تتجاوز قدراتها كل كميات النفايات المتولدة في لبنان.

ماذا يعني ذلك؟

هذا يعني أن كل الحديث عن الفرز والتدوير والمعالجة هو كلام هباء لا قيمة عملية له. والإدعاء بأن المحارق هي لمتبقيات تلك العمليات فقط، أي لما يسمونه “عوادم”، هو بالطبع أكذوبة كبرى.

إذا كانوا صادقين، فإن متبقيات النفايات لا تتجاوز كمياتها الـ 20-25 بالمئة من مجمل النفايات، أي حوالي 1650 طن يوميا فقط في كل لبنان، إذا ما تحققت كل متطلبات الإدارة المتكاملة بشكل صحيح، وهذا ليس معجزة، بل قابل للتحقق إذا ما اقترن بالجدية اللازمة من قبل الدولة، حكومة وبرلمانا ومؤسسات. فلماذا إذن ثلاثة محارق على الأقل قدرة كل واحدة منها أكثر من 2000 طن يوميا؟ هذا عدا عن عشرات، وربما مئات المحارق الصغيرة، التي ستنتشر كالفطر في مختلف المناطق اللبنانية.

إن العقل السليم، الذي يتمتع به اللبنانيون، على رغم أنف الكثيرين من نواب الأمة، يوصل إلى تفسيرين لا ثالث لهما. أولا، إن كل الحديث عن الإدارة المتكاملة، هو تضليل مفضوح يهدف إلى تغليف المحارق اللعينة بغطاء أخضر يتمثل بالإدارة المتكاملة. وثانيا، إنهم يحضِّرون المحارق، إضافة لكل نفايات لبنان، لاستقبال نفايات صناعية وبلاستيكية من أوروبا لحرقها في لبنان، على خلفية الأزمة الكبرى، التي تعيشها بعد توقف الصين عن استيراد 56 بالمئة من نفايات البلدان الصناعية في أوروبا  والولايات المتحدة وكندا واليابان وأستراليا.

نحن نحذر وحذرنا على مدى السنوات الماضية وحتى اليوم، من أن الإنتقال من الطمر الكلي للنفايات (أو 90 بالمئة منها) إلى الحرق الكلي للنفايات (أو 90 بالمئة منها)، هو انتقال “من تحت الدلفة إلى تحت المزراب”، حيث المخاطر على البيئة والصحة العامة أكبر بكثير، والكلفة أكبر بكثير، ما يتيح عمولات وسمسرات ونهب للمال العام بشكل أكبر بكثير.

ولكننا نرى اليوم، مع إقرار “قانون المحارق”، أن لبنان مرشح للدخول في عصر جديد للتدهور البيئي والصحي وهدر المال العام في ملف النفايات، عصر الإنهيار الصحي الكامل وتزايد نسب تعرض اللبنانيين للأمراض السرطانية والأمراض المزمنة والمستعصية الأخرى.

إن الحديث عن المحارق، قبل إرساء سياسات وتشريعات وأنظمة يكون هدفها تحقيق التخفيف الحقيقي من كمية النفايات المتولدة في لبنان من كل المصادر، وقبل إرساء نظام الإدارة المتكاملة على الأرض، الذي يعتبر ان الفرز من المصدر يشكل مدخلا لا غنى عنه للسير في فصل مكونات النفايات، التي تشكل مواردا قابلة لاسترداد قيمتها، يتبع بنظام للجمع والنقل يعتمد شاحنات لا تضغط النفايات و”تخبصها”، ونقل النفايات إلى مراكز للفرز الإضافي والتعريب، تمهيدا لتدوير أكبر نسبة ممكنة من الموارد المكونة للنفايات، ومعالجة المكونات العضوية بعمليات التفكك البيولوجي، الهوائي لإنتاج الكومبوست النوعي، وغير الهوائي لإنتاج البيوغاز، الذي يستعمل لتوليد الطاقة، ووضع نظام للعمل يؤمن أعلى فعالية ومردود لكل هذه العمليات، بهدف التقليل قدر الإمكان من كمية المتبقيات، التي تتطلب التخلص النهائي منها.

إن قرار إنشاء المحارق في لبنان خارج السياق الجدي لهذا النظام، الذي يتم تعطيل كل الفرص الممكنة لتحقيقه وإرسائه من قبل الدولة، حكومة وبرلمانا ومؤسسات، هو مخاطرة كبرى وذهاب نحو مرحلة عالية الخطورة من التدهور البيئي والانهيار الصحي، وإلى مزيد من ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والمستعصية.

إن المعالجة الجدية والسليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة للنفايات تكمن في إقرار قانون يتضمن استراتيجية التخفيف والإدارة المتكاملة للنفايات، مختلف تماما، شكلا ومضمونا، عن “قانون المحارق” الذي أقره المجلس النيابي منذ أيام.

Pin It on Pinterest

Share This