قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002 هو القانون الإطاري لحماية البيئة بكل أوساطها من كل أنواع التلوث الآتي من كل القطاعات، ومن سوء إدارة كل أنواع النفايات، الصلبة منها والسائلة، والإنبعاثات الغازية الملوثة للجو.

كان حري بكل الحكومات وبكل وزراء البيئة، الذين تعاقبوا منذ ذلك التاريخ حتى اليوم أن ينكبوا على وضع المراسيم التطبيقية لهذا القانون، وأن يعملوا على توفير كل الظروف المساعدة على تنفيذها، من تطوير البنية المؤسسية وإغنائها بالطاقات البشرية المناسبة لمتابعة ومراقبة وتسهيل عمليات تحقيق الخطط والبرامج التنفيذية، المرتبطة بتطبيق وإنفاذ قانون حماية البيئة.

أما وقد تخلفوا جميعا عن إنجاز هذه المهمة، ولم يفلحوا بإحداث تقدم مهم في هذا المضمار، غرقوا في وحول الأزمات المتتالية، المتأتية عن السياسات والقرارات الخاطئة، التي اتخذتها الحكومات في كثير من الملفات البيئية، وعلى رأسها ملف النفايات.

مصالح بعض الفئات النافذة في السلطة السياسية لم تعر أي اهتمام إلى وضع إدارة متكاملة لكل أنواع النفايات، الصلبة المنزلية والصناعية والطبية والنفايات الإلكترونية والنفايات الخطرة والنفايات السائلة، من الصرف الصحي ومن التدفقات الصناعية ومن كل المصادر الأخرى، بل تلهت في ما يؤمن لها العقود بمئات ملايين الدولارات دون تحقيق أي إنجاز نوعي في هذا الملف. وتحقق ذلك على حساب البيئة والصحة العامة وحسن التصرف بالمال العام.

تتكون النفايات الإلكترونية من كل الأجهزة والأدوات الإلكترونية والرقمية والهواتف الذكية والكمبيوترات من كل الأحجام والأنواع والألواح والألعاب الإلكترونية مع كل ما يرافقها من تجهيزات ووسائل مساعدة، وكذلك كل أنواع الأسطوانات و”الفلاشات”، يضاف إليها التجهيزات والأدوات الكهربائية وملحقاتها، التي تخرج من الخدمة لأي سبب من الأسباب، أو ينتهي عمر استخدامها بغض النظر عن السبب، الذي يمكن أن يعود إلى تعطلها عن العمل، أو انتهاء عمرها التكنولوجي، أو ظهور أجيال جديدة من أنظمتها. كل هذه اللائحة مع كل ما يمكن أن نصنفه نفايات كهربائية وإلكترونية تتولد في لبنان بكميات كبيرة جدا، نظرا للتوسع الكبير في استخدامها من قبل شرائح متزايدة من الشعب اللبناني والقاطنين في لبنان.

لم يترافق التوسع الهائل لسوق الأجهزة الكهربائية والإلكترونية في لبنان مع ظهور قطاع للصيانة والتصليح يواكب ببنيته وقدرته الإستيعابية وحرفية خدماته وسهولة الوصول إليها وفعالية نشاطه، من جهة، ومن جهة أخرى لم يترافق بوضع نظام وطني للجمع المنفصل لهذا الصنف من النفايات مما يشكل خطوة ضرورية في إرساء نظام فعال لإدارتها السليمة بيئيا. على الرغم من بعض المبادرات الأهلية، التي بقيت محصورة وضيقة الاتساع والقدرة. هذا ما أدى لانضمام هذا النوع الخطير من النفايات إلى سيل النفايات الصلبة، الذي هو في الأساس سيل خليط من مختلف المصادر، المنزلية والصناعية والتجارية والطبية، نظرا لغياب اهتمام وزراء البيئة والحكومات المتعاقبة على وضع خطط إدارة وطنية لكل صنف من أصناف النفايات المتولدة في لبنان من مختلف المصادر والقطاعات.

إن النفايات الكهربائية والإلكترونية تصنف نفايات خطرة، نظرا لاحتواء أقسامها المعدنية على معادن ثقيلة سامة، مثل الرصاص والكروم، التي تعتبر ملوثات خطيرة للبيئة، تربة ومياها سطحية وجوفية، وهواء بعد حرق النفايات، إن في المكبات العشوائية، أو في محارق النفايات التي يحلو للكثيرين تسميتها بالتفكك الحراري. هذا الصنف من النفايات يصنف نفايات خطرة أيضا لاحتواء أقسامه البلاستيكية على مركبات كيميائية عضوية هالوجينية عالية السمية البيئية والبشرية، وعالية الإستقرار والثبات، مما يجعلها ملوثات عالية الخطورة على البيئة والصحة العامة، إذا كان مصيرها مع سيل النفايات الصلبة من مختلف المصادر، الذاهبة إلى المكبات العشوائية أو المطامر أو محارق النفايات. إن حرق الأقسام البلاستيكية من النفايات الإلكترونية، التي تحتوي على  أثيرات متعددة البروم وثنائية الفنيل، وهي مثبطات للهب تضاف إلى اللدائن البلاستيكية واسعة الاستعمال في الصناعة الإلكترونية وغيرها من الصناعات، وهي مواد عالية السمية البشرية، ويتولد عند حرقها مركبات تحاكي الديوكسين من حيث تركيبها الكيميائي وسميتها العالية واستقرارها وثباتها، مما يجعل من حرق النفايات الإلكترونية في محارق النفايات (التفكك الحراري) مصدرا لانبعاث لائحة طويلة من ملوثات الهواء عالية السمية البيئية، وعالية الخطورة على الصحة البشرية، والمسببة للأمراض السرطانية والطفرات الوراثية والتشهوات الخلقية والأمراض المزمنة.

الأمر يأخذ أبعادا أكثر خطورة، عندما يبقى لبنان بلدا مفتوحا وسوقا مشرعة لاستيراد الإجهزة والأدوات الإلكترونية والكهربائية المستعملة من الخارج، تحت تبريرات وعناوين مختلفة. إن مستوردي هذه الأجهزة المستعملة، والتي تكون على قاب قوسين أو أدنى من انتهاء عمر استخدامها وتحولها إلى نفايات إلكترونية خطرة، يظنون أنهم يساهمون بتوفير هذه الأجهزة بأسعار مخفضة لفئات من الشعب اللبناني والقاطنين على الأرض اللبنانية ذوي المداخيل المحدودة، ولكن في الحقيقة هم يستوردون أجهزة منتهية الصلاحية والعمر التقني، وآيلة لأن تصبح نفايات إلكترونية خطرة بعد وقت قصير جدا، يقاس بالأشهر أو بالأسابيع.

باب آخر يستخدم لتبرير استيراد أجهزة إلكترونية مستعملة معطلة بهدف صيانتها وإصلاحها، وكأن في لبنان هناك ورش عالية التأهيل بإصلاح وصيانة الأجهزة الإلكترونية. وهذه بالطبع كذبة كبيرة، وإنما تستخدم لتبرير استيراد نفايات إلكترونية تحت عناوين تلتف على القانون بادعاء صيانتها وإصلاحها.

من هذين البابين الواسعين، تحولت القارة الإفريقية إلى مقبرة العالم للنفايات الإلكترونية، وتحولت هونغ كونغ (الصين) وتايلاند وكوريا وفيتنام ونيجيريا إلى كبريات بلدان العالم المستوردة للنفايات الإلكترونية، أو الأجهزة الإلكترونية المستعملة والمعطلة بحجة الصيانة والتصليح.

وها هي تلك البلدان تنتفض بعد أن عانت ما عانته من تبعات التعرض للمخاطر على البيئة وعلى الصحة البشرية ولمستويات التلوث الخطيرة، التي شهدتها في التربة والمياه والهواء. بالإضافة إلى التعرض المهني لألوف العمال العاملين في ورش تفكيك هذه الإجهزة بهدف تدويرها، وحرق أقسامها البلاستيكية أو تدويرها في منتجات ألعاب الأطفال، التي أثبتت الدراسات على احتوائها على نسب عالية من المعادن الثقيلة السامة، وعلى بقايا من مركبات كيميائية برومية وكلورية وديوكسين وفوران عالية السمية وتهدد الصحة العامة بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض الخطيرة المزمنة.

اتخذت هذه الدول مؤخرا إجراءات قانونية وتشريعية للحد من تدفق النفايات الإلكترونية إليها، ووضعت قيودا على استيرادها وعلى صناعة تدويرها، بهدف التخفيف من آثارها الخطيرة على البيئة والصحة العامة.

ماذا نحن فاعلون في لبنان؟ هل تفكر الحكومة والوزارات المعنية بوضع خطة وطنية للتعامل السليم بيئيا والآمن صحيا مع هذا النوع من النفايات الخطرة؟ وهل يفكر المشرع اللبناني بأن يضع قانونا يمنع استيراد الأجهزة الإلكترونية المستعملة أو بحجة صيانتها وإصلاحها، التي تتحول فورا أو بعد فترة وجيزة إلى نفايات إلكترونية خطرة، نسيء إدارتها، وتتحمل بيئة لبنان وصحة اللبنانيين والقاطنين فيه نتائجه الخطيرة والملوثة والمميتة؟

هل سيتم وضع هذا الملف الخطير والساخن على طاولة الوزارات المعنية والحكومة والبرلمان؟

Pin It on Pinterest

Share This