تطوّر الإنتاج الزراعي العالمي، مع إرتفاع عدد السكان، بحيث تضاعف وتضاعفت معه، الآثار السلبيّة على البيئة.  ولعل أكثر القطاعات تأثيراً على موارد الطبيعة، هو الإنتاج الزراعي نظراً لما يتم إستخدامه من مبيدات وأدوية من شأنها تكثيف وتحسين نوعية الإنتاج، على حساب نظافة المياه الجوفية.

وفي هذا المجال، يحذّر تقرير  لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، من أنّ تلوّث المياه الناتج عن ممارسات زراعية غير مستدامة، يشكّل خطراً كبيراً على صحة البشر والأنظمة الإيكولوجية للكوكب، ففي الكثير من الدول تعتبر الزراعة، وليس المدن أو القطاع الصناعي، أكبر مصدر لتلوث المياه.

أما على المستوى العالمي، فإن الملوّث الكيماوي الأكثر شيوعاً الموجود في مكامن المياه الجوفية، هو النترات الناتجة عن الزراعة، وذلك حسب التقرير الذي يحمل عنوان “بشر أكثر، غذاء أكثر، مياه أسوأ؟ تقرير عالمي حول تلوث المياه من الزراعة”، والذي أطلقته الفاو والمعهد الدولي لإدارة المياه .

كميات كبيرة من الكيماويات

تؤثر الزراعة على المياه الجوفية، نتيجة المواد الكيماوية التي تستخدم فيها، إذ يوضح التقرير أنّ الزراعة الحديثة مسؤولة، عن تصريف كميات كبيرة من الكيماويات الزراعية، والمواد العضوية والرواسب والملوحة في المسطحات المائية. لذلك فإنّ هذا التلوث يؤثر على مليارات من الناس ويكلّف مليارات الدولارات سنوياً.

والملوثات الزراعية الأكثر إثارة للقلق، بشأن تأثيرها على صحة الإنسان، هي المُمرضات من الماشية والمبيدات الحشرية، والنترات في المياه الجوفية، وبقايا العناصر المعدنية والملوثات الناشئة، بما في ذلك المضادات الحيوية والجينات المقاومة للمضادات الحيوية التي تفرزها الماشية.

 

 

أرقام مهمة

لا ينحصر تأثير الزراعة على المياه الجوفية، بل يطال أيضاً الناحية الإقتصادية، كذلك يهدد حياة البشر. وفي هذا السياق، حددت الفاو بعض الحقائق والأرقام حول الري والأسمدة الزراعية، نورد في التالي أبرزها:

 

  • على مستوى العالم، يُستخدم حوالي 115 مليون طن، من أسمدة النيتروجين المعدني في الزراعة سنوياً. ويتراكم حوالي 20 في المائة، من مدخلات النيتروجين هذه في التربة والكتلة الحيوية، بينما يدخل 35 في المائة منها الى البحار.
  • على مستوى العالم، يتم رش 4.6 مليون طن من المبيدات الكيماوية في البيئة سنوياً.
  • الدول النامية تستخدم 25 في المائة من مجمل المبيدات المستخدمة في الزراعة عالمياً، لكن نسبة الوفيات الناتجة عن المبيدات فيها تشكل 99 في المائة من النسبة العالمية.
  • حسب التقديرات الأخيرة، فإن الأثر الاقتصادي للمبيدات على الأنواع غير المستهدفة (مثلاً البشر)، يبلغ حوالي 8 مليار دولار أمريكي سنوياً في الدول النامية.

 

على صعيد لبنان

تكثر المشاكل البيئية في بلدٍ، مسؤلوه غير مسؤولين، ووتفاقم نتائج وأحجام هذه المشاكل، بحيث يصبح الحل صعب المنال، إلاّ بجهودٍ مكثّفة.

وفي هذا الإطار، يعتبر رئيس جمعية المزارعين اللبنانين أنطوان الحويك، في حديث مع greenarea.me  ” أنّ المشكلة الكبيرة التي نعاني منها ، خلافاً لما تعانيه باقي دول العالم. تتمثل في مياه الصرف الصحي، التي تؤدي إلى  تلوّث أضعاف وأضعاف، التلوّث البيئي الناتج عن الزراعة، كنيترات ومبيدات ومنظمات النمو”.

يضيف “لذلك يجب البدء بالمشكلة الأكبر والأكثر خطورة، وهي مياه الصرف الصحي الناتجة عن المصانع والمنازل والمستشفيات، التي تؤدي إلى تلوّث المياه الجوفية أكثر من الزراعة”.

في المقابل، فإنّ أولوية معالجة مشكلة الصرف الصحي، لا تلغي وجود مشكلة تلوّث المياه الجوفيه في لبنان، وفي هذا المجال، يؤكد الحويك ” هناك العديد من الآبار ملوّثة، وهذه المشكلة موجودة في منطقتين أكثر من غيرهما، وهما عكار و البقاع الغربي، حيث الزراعة تكون مكثفة”.

غير أنّه يستطرد “تبقى الأولوية هي لحل مشكلة مياه الصرف الصحي، فهي تعتبر المصدر الأساسي للتلوّث في الزراعة والمياه وأحواض الأنهر، لذلك فهي تعتبر البند الأول في خارطة الحل”.

 

المطلوب تحرّك حكومي

تعتبر المشاكل البيئيّة من أكبر المشاكل التي يعاني منها لبنان، لذلك فإنّ حلّها يتم تدريجياً، وواحدة تلو الأخرى. هذا ما أوضحه الحويك بالقول “بعد حل مشكلة مياه الصرف الصحيّ، عندئذٍ يتم التطرق إلى  موضوع ترشيد إستعمال المبيدات والأسمدة. إذ أن أي عمل في هذا الإطار، دون حل المشكلة  الرئيسية يبقى بلا جدوى”.

قراراَ كهذا لحل مشكلةٍ بحجم الكارثة، يتطلب تحركاً واضحاً من قبل الحكومة والمسؤولين فيها، الأمر الذي يجعل من نسب التفاؤل في هذا المجال متدنيّة.  وفي هذا السياق، يوضح الحويك “يجب على الدولة أن تأخذ قراراً بحيث يقع على عاتقها مسؤولية حل هذه المشكلة،  ولكن وبما أن ذات الأشخاص وصلوا إلى الحكم ، بحيث أن أكثر من 40%،  من اللبنانين أعطوا أصواتهم لنفس الطبقة التي كانت حاكمة”. هذا يعني يضيف “يبقى همهم الأكبر تقاسم الحصص فيما بينهم على حساب المشاكل التي نعاني منها”.

 

لا شك في أنّ لبنان، يعتبر من أكثر الدول التي تعاني من مشاكل على كافة الأصعدة، تهدد حياة مواطنيه بشكلٍ مباشرٍ، لذلك فالأمر يحتاج إلى تحرك شعبّي لتغيير الطبقة الحاكمة غير المسؤولة، عندئذٍ يتجددّ الأمل في إيجاد الحلول، ولو  كانت على صعيد الجزء  الصحيّ من المشاكل.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This