عقد طوال الأسبوع الفائت، من 14 حتى 18 أيار (مايو) 2018، ثلاثة نشاطات عالمية في بنكوك، العاصمة التايلاندية، حول تطبيق اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، ولا سيما مسألتي التخلص التدريجي من الزئبق في ملغم طب الأسنان، وكذلك التخلص النهائي من استعمال بعض المنتجات، التي تحتوي على الزئبق بحلول العام 2020.

النشاط الأول، كان ورشة عمل عالمية، شارك فيها ممثلون عن بعض الحكومات في بلدان شرق وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى ممثلين عن منظمات غير حكومية من مختلف القارات، ناشطة في مجال إدارة الكيماويات، وخصوصا اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق والإتفاقيات الدولية الكيميائية الأخرى. نظم هذا النشاط برعاية برنامج الأمم المتحدة للبيئة والحكومة التايلاندية، ممثلة بوزارة البيئة، بالتعاون مع “التحالف العالمي من أجل طب أسنان خال من الزئبق”، وبمشاركة نشيطة من قبل “مركز الصحة البيئية” لجنوب شرق آسيا والباسفيك، في داكا، بنغلادش، و”مركز الصحة البيئية” لإفريقيا، في أبيدجان، ساحل العاج.

إن اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، التي أقرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، ودخلت حيز التنفيذ في 16 آب (أغسطس) 2017، حيث لبنان بلد طرف في هذه الاتفاقية منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، تنطلق من اعتبار أن الزئبق مادة كيميائية تثير انشغالا عالميا بسبب انتقالها البعيد المدى في الجو، وثباتها في البيئة بمجرد دخولها إليها بوسائط بشرية المنشأ، وقدرتها على التراكم بيئيا في النظم الإيكولوجية، وآثارها السلبية على صحة الإنسان والبيئة. إن هدف هذه الاتفاقية، وفق ما ورد في مادتها الأولى، هو “حماية صحة الإنسان والبيئة من الإنبعاثات والإطلاقات البشرية المنشأ للزئبق ومركبات الزئبق”.

في المادة 16 من الإتفاقية، تحت عنوان الجوانب الصحية، تدعو إلى التشجيع على وضع وتنفيذ استراتيجيات وبرامج ترمي إلى تحديد وحماية المجموعات السكانية المعرضة للخطر، لا سيما الفئات الضعيفة، ويمكن أن تشمل اعتماد مباديء توجيهية صحية تستند إلى حقائق علمية وتتعلق بالتعرض للزئبق ومركباته، ووضع أهداف للحد من من التعرض للزئبق، حيثما يقتضي الأمر ذلك، وتثقيف الجمهور، بمشاركة قطاع الصحة العامة والقطاعات الأخرى المشاركة.

تطبيقا لروح الإتفاقية، بكل موادها، تعقد الأنشطة العالمية والإقليمية والوطنية بمختلف الأشكال، لتيسير وتسهيل وتسريع تطبيقها في كل بلدان العالم، ولا سيما في البلدان النامية، التي تحتاج إلى مساعدة ودعم من كل الأنواع، لتمكينها من تطبيق الإتفاقية وتحقيق أهدافها.

وفق المادة 27 من الإتفاقية، تعتبر المرفقات جزءا لا يتجزأ من الاتفاقية.

يعنى الجزء الثاني من المرفق ألف، المتعلق بالمنتجات الخاضعة للفقرة 3 من المادة 4. المادة 4 تتعلق بالمنتجات المضاف إليها الزئبق، والفقرة 3 منها تنص على ضرورة أن “يتخذ كل طرف تدابيربشأن المنتجات المضاف إليها الزئبق، المدرجة في الجزء الثاني من المرفق ألف، وفقا للأحكام المبينة في ذلك الجزء. وهذا الجزء مخصص لملاغم الأسنان، أي حشوات الأسنان التقليدية المحتوية على 50 بالمئة زئبق، والتي يطلق عليها تسمية شعبية خاطئة “الرصرصة”.

إذن، على الدول والحكومات وجميع الشركاء، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والأكاديميا والإعلام، العمل على وضع الإتفاقية موضع التنفيذ، عبر وضع وتنفيذ استراتيجيات وبرامج على المستوى الوطني، مستندة إلى تجارب البلدان الأخرى حول العالم.

يقول هذا الجزء الثاني من المرفق ألف، بشأن ملاغم الأسنان، بضرورة تطبيق إثنين على الأقل من الأحكام التسعة المذكورة في هذا الجزء، وذلك بهدف التخلص التدريجي من استعمال ملاغم الأسنان.

إن “التحالف العالمي من أجل طب أسنان خال من الزئبق”، الذي كنا من المشاركين في تأسيسه في العام 2010، مع انطلاق أولى حلقات المفاوضات من أجل وضع اتفاقية دولية ملزمة بشأن الزئبق في استوكهولم، العاصمة السويدية، ونشغل فيه منذ ذلك التاريخ، موقع نائب الرئيس للمنطقة العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعمل على تسهيل تطبيق الأحكام التسعة كلها، وفق أولويات تراعي خصوصيات وأوضاع كل بلد، ومتابعة تحقيق أهداف وأحكام التخلص التدريجي، والإنتقال، حيثما يمكن، إلى التخلص النهائي من استعمال الزئبق في طب الأسنان.

يعمل التحالف وفق أولوية وقف استعمال الملغم الزئبقي بشكل تام عند الأطفال دول الخامسة عشرة، وعند الأمهات الحوامل والمرضعات، كمرحلة أولى على طريق الوقف الكامل لهذا الإستعمال عند كل الأعمار والفئات.

كانت ورشة العمل الأولى، في بنكوك، كثيفة العمل التثقيفي والتطبيقي، وخلصت إلى وضع خارطة طريق للتخلص التدريجي، قابلة للتطبيق في كل البلدان، وخصوصا في البلدان النامية، آخذة بعين الإعتبار وجود البدائل ويسرة الحصول عليها بأثمان معقولة. معتبرة أن الوقف الكامل لاستعمال الملغم الزئبقي عند الأطفال والأمهات الحوامل والمرضعات هو أولوية مطلقة، وهدف ينبغي العمل على تحقيقه اليوم قبل الغد.

لماذا كل هذا الجهد والعمل الجدي للتخلص التدريجي، وبالتالي التخلص النهائي، من استعمال الملغم الزئبقي في طب الأسنان؟

لأن الزئبق مادة كيميائية عالية السمية للصحة البشرية وملوث خطير للبيئة. فما هي المخاطر على الصحة البشرية للملغم الزئبقي؟

إن الزئبق سم عصبي، يسبب تخريبا في الدماغ، ويسبب اضطرابات بالذاكرة، ويضعف مؤشر مستوى الذكاء عند الأطفال، ويسبب اضطرابات عصبية كبيرة. يساعد الزئبق على خسارة الشعر، ويسبب اضطرابات ومشاكل معدية-معوية، واضطرابات كلوية. إن عدد حشوات الملغم الزئبقي في أسنان الأم على ترابط وثيق مع مستوى الزئبق في دم الحبل السري والمشيمة وشعر الجنين وكليتيه وكبده، ومع مستوى الزئبق في شعر وكليتي الأطفال بعد الولادة.

يسبب الزئبق ضعفا في النظر، وبسبب ضعف بنية الأسنان، يسبب سطح الملغم الزئبقي تحققا لأبخرة الملغم داخل الجسم، ويسبب ضعفا في مقاومة الجسم العامة. يزداد تركيز الزئبق في حليب الأم مع زيادة عدد حشوات الملغم الزئبقي في أسنانها. ومن جهة أخرى، يكون تركيز الزئبق في خروج الإنسان، الذي يحمل حشوات الملغم الزئبقي في أسنانه، عشرة مرات أكبر من تلك عند الإنسان، الذي لا يحمل مثل هذه الحشوات.

من هي الفئات الأكثر تعرضا للزئبق؟

أطباء الأسنان أنفسهم، ومساعدوهم وموظفو عيادات طب الأسنان، والمرضى في غرف الإنتظار في عيادات طب الأسنان وعلى كرسي طبيب الأسنان.

من هي الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة حيال التعرض للزئبق؟

الأطفال في عمر ما دون الخامسة عشرة وخصوصا الأصغر عمرا، وكذلك الأمهات الحوامل والمرضعات، وذلك نظرا لقدرة الزئبق على الإنتقال إلى الجنين عبر الدم، وإلى الرضيع عبر حليب الأم.

هل هناك مواد بديلة للملغم الزئبقي في ترميم الأسنان المريضة والمصابة بالتسوس؟

نعم هناك بدائل موثوقة ومتوفرة وبكلفة معقولة وهي: الكومبوزيت Composite، ويونوميرات الزجاج Glass-ionomer، الكومبومير Compomer وهو خليط من الكومبوزيت ويونوميرات الزجاج، وسبائك الذهب، والسيراميك Ceramic.

لنعمل جميعا على وقف استعمال الملغم الزئبقي في طب الأسنان، ولنبدأ بوقفه نهائيا عند الأطفال تحت الخامسة عشرة وعند الأمهات الحوامل والمرضعات.

في المقالة القادمة سنتحدث عن الإجتماع وورشة العمل الثانية، من ضمن أنشطة أسبوع بنكوك الكثيف، للعمل على تطبيق إتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق.

 

Pin It on Pinterest

Share This