بعد شهرين ونصف من المسار، الذي رسمته وزارة البيئة لوضع “ملخص السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة” موضع التنفيذ، يمكننا أن نقيم ما تم تنفيذه حتى اليوم من اجتماعات ومؤتمرات مع بلديات واتحادات بلديات لبنان في كل المناطق، ومع المنظمات والجمعيات البيئية والعاملة في مجال إدارة النفايات الصلبة، ومع الصناعيين وشركات القطاع الخاص العاملة في مجال إدارة النفايات، ومع ممثلين عن الجامعات والأكاديميا، لنصل إلى حصيلة مقلقة لنا وللبيئيين في لبنان، ولمعظم الناشطين في مجال حماية البيئة والصحة العامة، خصوصا إذا ربطنا هذه النتائج مع ما ظهر من مشاريع لدى الحكومة، طرحت في مؤتمر “سيدر” في باريس، بشأن استدانة 1.4 مليار دولار لتمويل إنشاء سلسلة من المحارق في مختلف المناطق اللبنانية، في بيروت وطرابلس والساحل الجنوبي (في الزهراني على الأرجح)، بكلفة إنشاء لكل من هذه المحارق 375 مليون دولار.

في الفقرة 118 من الفصل الخامس، المتعلق بإدارة النفايات الصلبة، من مشروع الحكومة المقدم إلى مؤتمر “سيدر”، يتم الربط بين موافقة مجلس الوزراء على “ملخص سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، وما تضمنته من مسح لقدرات البلديات، المالية والإدارية، لإدارة نفاياتها دون تدخل الحكومة. وإذا كانت غير قادرة أو غير راغبة بمعالجة نفاياتها، عليها حكما الإرتباط بالحل المركزي، الذي يرتكز على خيار المحارق، الذي وضعته الحكومة في عهدة مجلس الإنماء والإعمار.

الآن تكشفت كل عناصر وأبعاد خطة العمل، التي وضعتها وزارة البيئة، والتي نفذتها خلال الشهرين الفائتين، متجاهلة كل ملاحظاتنا، واعتراضاتنا، ونقدنا، واقتراحاتنا، ودعواتنا لتحسين نقاط الضعف، ومعالجة النقاط المرتبطة بالمخاوف الكبيرة بشأن اعتبار برنامج العمل، وفق التفاصيل التي رافقت تنفيذه، سيؤدي حتما إلى أن معظم بلديات واتحادات بلديات لبنان يدفعون دفعا لتسليم أمر نفاياتهم للحل المركزي، الذي لم يفصح عنه بوضوح “ملخص سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، ولا كل الأوراق التي وضعتها وزارة البيئة، والوثائق المعدة لتسيير الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدتها.

ولتأكيد ما نقول، أضع بين أيدي الرأي العام اللبناني، نص مداخلتي في الإجتماع الأول للجنة الوطنية، الذي عقد في 13 شباط 2018، وتضمنت 14 نقطة كما يلي:

  • شكر على إنشاء هذه اللجنة الوطنية، وعلى تضمينها ممثلا عن المجتمع المدني البيئي.
  • شكر على اعتماد آلية ديمقراطية بحيث تركت الوزارة للجمعيات والتحالفات والحركات البيئية أن تسمي ممثلها بحرية، والتزامها بالإسم الذي تم الإجماع عليه. وليس كما كان يحصل سابقا بأن يختار الوزير الممثل المناسب له ولسياساته. على الرغم من أن الوزير يعرف مواقفنا النقدية العميقة للسياسات البيئية للدولة، بما فيها سياساتها حيال ملف النفايات.
  • طرحت أنه كان من الضروري أن تتشكل هذه اللجنة وبمشاركة المجتمع المدني البيئي قبل إقرار هذه الوثيقة. ولو كان تم ذلك لكنا وضعنا عليها الكثير من الملاحظات لتحسينها، ولكنا تجاوزنا بعض التناقض الموجود فيها.
  • لأول مرة يصار إلى استخدام مصطلح “الإدارة المتكاملة للنفايات” على المستوى الرسمي في لبنان، وهذا أمر إيجابي، على الرغم من وجود ملاحظات جدية عليها.
  • نحن نرى أن النسب المشار إليها في النقطة 2 من المباديء السياسية لا تلبي طموحاتنا وكان يجب أن تكون متجهة أكثر نحو التدوير والمعالجة على حساب الطمر والحرق (استرداد الطاقة).
  • نحن نرى أن هناك تناقضا كبيرا بين اعتماد الإدارة المتكاملة واعتماد المحارق تحت إسم التفكك الحراري، إذ أننا نعطي الأولوية للتدوير والمعالجة والتصنيع قبل اللجوء إلى الطمر أو الحرق.
  • ليس معقولا أن نحيل إلى الحرق النفايات العضوية، ولا نرى مبررا لتجفيفها وإرسالها للحرق كما ظهر في ورقة مجلس الإنماء والإعمار لمجلس الوزراء.
  • إننا نعتبر المحارق خيارا سوف يؤدي إلى إفشال أهداف الإدارة المتكاملة، وهو خيار خطير على البيئة والصحة العامة.
  • المهلة المعطاة للبلديات (شهر واحد) كي تجيب على السؤال بشأن خطتها لإدارة النفايات، وشهرين فقط لوضع خططها، هي ضيقة جدا ولا تتيح للبلديات، ولا سيما المتوسطة والصغيرة، الفرصة الكافية لوضع الخيارات السليمة لإدارة النفايات.
  • نحن نرى أن للمجتمع المدني البيئي والجمعيات البيئية دورا كبيرا في حملات التوعية على مستوى كل لبنان.
  • نحن نوافق مع وزير البيئة على أن كامل ملف النفايات ووضع السياسة والاستراتيجية ينبغي أن يعود حصرا لوزارة البيئة، وكف يد مجلس الإنماء والإعمار ووزارة التنمية الإدارية والداخية إلا بما يعود لدور البلديات في هذا الملف.
  • انتقدنا بقوة إقفال معامل الفرز والمعالجة التي تم إنشاؤها وتجهيزها بهبات من الاتحاد الأوروبي، وإفشالها في معظم مناطق لبنان، ونرى أن في ذلك خطرا كبيرا على الإدارة السليمة المتكاملة، ربما لصالح انتشار المحارق في كل المناطق.
  • هنا جرى مقاطعتي من قبل الوزير ومستشاره الدكتور جوزيف الأسمر ليقول أن قرار مجلس الوزراء بشأن التفكك الحراري أي المحارق لا يطال كل مناطق لبنان، بل هو حصرا لبيروت وجبل لبنان، اي لحوالي 2000 طن يوميا من أصل 6500 طن تنتج في كل لبنان يوميا.
  • أكدت أننا سوف نكون نقديين وبصوت عالي لكل ما نراه سلبيا في هذه الخطة، وفي أي ممارسة نراها تتعارض مع الإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحيا للنفايات وتؤدي إلى هدر في المال العام.

إذن، نحن نبهنا منذ اليوم الأول إلى المخاطر والمطبات الموجودة في هذه الخطة، وعن العلاقة الملتبسة بينها وبين قرارات الحكومة بشأن المحارق وتكليف مجلس الإنماء والإعمار الإشراف على تنفيذها.

عقدت اللجنة الوطنية اجتماعين يتيمين، في 13 و26 شباط 2018، حيث كنا، أنا وممثل نقابة المهندسين راشد سركيس، وممثلة الجامعة اللبنانية سليمى شامات، نعيد التأكيد على ملاحظاتنا ومخاوفنا بشأن مسار تنفيذ برنامج العمل، الذي وضعته وزارة البيئة، وانطلقت لتنفيذه بحذافيره، دون الإفساح بالمجال لتقييم مؤتمرات البلديات واتحادات البلديات، التي عقدت، والفشل الذريع الذي رافقها، إن لناحية نسبة الحضور، أم للآلية غير الديمقراطية التي اعتمدتها وزارة البيئة بشأن سير عملها. إذ حولتها إلى تلقين فج لوثائق وآلية عمل الوزارة، وعدم إفساح الفرصة للنقاش أو للتعبير عن رأي البلديات واتحادات البلديات حيال الصعوبات، التي تواجه عملها في مسألة إدارة النفايات، ولا التعبير عن مطالبها للدعم الإداري والتقني والمالي. فصار عمليا مسخ كامل للمؤتمرات ومنعها من تحقيق الغاية، التي يفترض أن تحققها، لجهة الإطلاع على رأي البلديات وقدراتها الحقيقية.

كانت مداخلاتنا خلال تلك المؤتمرات واضحة ونقدية، تنطلق من ضرورة تمكين البلديات من القيام بدورها في الإدارة المتكاملة للنفايات، وفق سلم واضح من الأولويات، بشأن تفضيل الفرز والتدوير والمعالجة والتصنيع على الذهاب نحو الطمر حينا أو نحو الحرق، كما ظهر أن الحكومة تخطط، ووزارة البيئة تمهد الأرض لها وتزيل العوائق.

إن هذا الميل الخطير ظهر بجلاء أكبر مع مؤتمرات الجمعيات الأهلية البيئية والعاملة في مجال إدارة النفايات، وكذلك في مؤتمر الجامعات، حيث اتبع نفس أسلوب التلقين، واستهلاك الوقت بمداخلات مطولة من فريق وزارة البيئة، ليترك 10 دقائق فقط لمناقشة الحاضرين، مما أثار سخط كل المشاركين، ونحن أيضا عبرنا بقوة عن هذا السخط، وطالبنا بفتح المجال للنقاش الحر. فهؤلاء الحاضرون عندهم الخبرة العملية والتجارب المفيدة على مدى عشرات السنين، ولا يمكن مسخ اللقاء معهم إلى درجة تحيله شكلا بلا مضمون.

كنا ننتظر أن يتم دعوة اللجنة الوطنية للاجتماع لتقييم مسار المؤتمرات، ونتيجتها، وليتم استخلاص العبر والاستنتاجات الواجب أخذها بالاعتبار في المرحلة اللاحقة، ولكن مع الأسف الشديد، لم يحصل هذا الأمر. بل تكشفت لنا كل الخيوط مع ظهور خطة الحكومة لمشاريع المحارق، عالية الكلفة على بيئة وصحة اللبنانيين ومالهم العام.

تبين لنا أن برنامج عمل وزارة البيئة، الذي وضعته لمسح قدرات البلديات، والحوار مع الفئات ذات العلاقة بالملف، يهدف إلى إيصال البلديات إلى الباب المسدود، لكي تسلم أمرها لمحارق مجلس الإنماء والإعمار. ولذلك اختصرت المهل للرد على استمارة الوزارة بشهر واحد، رغم مطالبتنا منذ اليوم الأول بتمديد كبير لهذه المهلة، ولمساعدة البلديات في تحديد خياراتها، التي كنا نظن أن الهدف منها يكمن في تقديم أولويات الفرز والتدوير والمعالجة على مشاريع المحارق الملوثة لبيئة لبنان، والمهددة للأمان الصحي للبنانيين، ولهدر ونهب مالهم العام.

على ضوء هذا التقييم، نرى أنه ليس هناك أي أمل في تصحيح المسار، خاصة وأننا على أبواب انتخابات نيابية، وانتقال الحكومة إلى حالة تصريف الأعمال، فتتوقف نشاطات البيئة خلالها، في حين أن نشاطات مجلس الإنماء والإعمار نحو المحارق تستمر على قدم وساق.

إن البيئيين، في تعدد منظماتهم وحركاتهم وائتلافاتهم، يتابعون نضالهم ضد المحارق، ومن أجل إرساء سياسة إدارة متكاملة حقيقية، سليمة بيئيا وآمنة صحيا، ومعقولة الكلفة، تسمح باسترداد قيمة الموارد المادية الموجودة في نفايات لبنان، وتدويرها في المصانع اللبنانية، المتعطشة لإدخالها في دورتها الإنتاجية، وتسمح بتحويل المواد العضوية إلى كومبوست، وإلى بيوغاز لتلوليد الطاقة.

بناء على كل ما تقدم، أطرح استمراري أو استقالتي من اللجنة الوطنية، كممثل للمجتمع المدني البيئي، للبت بها، أمام كل الجهات، التي تبنت تسميتي، شاكرا لها الثقة الغالية.

إن ما هو مطلوب الآن، وضع استراتيجية وطنية لمواجهة خيار الحكومة بإقامة المحارق في مختلف المناطق اللبنانية، ووضع خطة العمل الشعبي الواسع لإفشالها.

* ممثل المجتمع المدني البيئي في اللجنة الوطنية للإشراف على تطبيق الخطة

 

 

Pin It on Pinterest

Share This