لم يألف اللبنانيون اختيار ممثليهم إلى الندوة البرلمانية على ضوء ما يقدمون من برامج أو أطروحات لمعالجة مشاكل البلد الإقتصادية والمالية والتنموية والبيئية والصحية، ولا على أساس رؤى وبرامج لتطوير القطاعات المنتجة وخلق فرص عمل جديدة، ورفع وتائر النمو، وتطوير البنى التحتية والخدمات، وتحقيق التنمية المستدامة، ولا في مجال حماية البيئة من التدهور والدمار المنهجي، الذي تتعرض له على يد الحكومات المتعاقبة منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم، تحت رعاية وأعين وتواطؤ البرلمانات المتعاقبة أيضا، وتوافق معظم القوى السياسية والكتل النيابية، إن لم يكن كلها في كثير من الحالات.

ولما بلغ التدهور البيئي ما بلغه من مستويات خطيرة جدا، لناحية تدمير الموارد الطبيعية وتعرضها في كثير من المواقع إلى تدمير لا قلوب، غير قابل للتصحيح على الإطلاق، كما يحدث في جبال وهضاب ظهر البيدر وغيرها من جبال وهضاب لبنان، على يد المقالع والكسارات، التي نهشت ولا تزال تنهش بها، آخذة معها جزءا كبيرا مما تبقى من غطاء أخضر في لبنان، من غابات الصنوبر والسنديان والشجيرات البرية المعمرة. ولناحية مستويات التلوث الفظيعة في بحر لبنان وأنهاره، وفي المقدمة منها نهر الليطاني وبحيرة القرعون، حتى بلغ التلوث مبلغا أصبحت معه مياه النهر والبحيرة غير صالحة لأي استعمال ممكن، بشكل آمن ودون تبعات ضارة على الصحة العامة. ولناحية تلوث الهواء في بيروت الكبرى والمدن الأخرى نتيجة تضاعف عدد السيارات والمركبات الآلية الخاصة على وجه التحديد، في ظل غياب منظومة للنقل المشترك تستجيب للحد الأدنى من معايير الانتظام والشمول، وفي ظل التلكؤ المتمادي عن تطبيق خطة وطنية للنقل، تلحظ تطوير وتنظيم خطوط ومسارات نظام النقل العام، وتلحظ تنظيم السير والتخفيف من اختناقات المرور، التي أصبحت على مدار الساعة، بعدما كانت مقتصرة على ساعات الذروة فقط. يترتب على مستويات تلوث الهواء في بيروت الكبرى والمدن اللبنانية الأخرى، من قطاع النقل وحرق النفايات ومصادر صناعية وغير صناعية أخرى، مخاطر صحية مقلقة، على ضوء التقارير الرسمية والمتخصصة بشأن الإرتفاع المخيف لوتائر الإصابة بالأمراض السرطانية، التي تضاعفت عدة مرات في السنوات العشرة الأخيرة.

إن مسألة حماية البيئة اللبنانية من التلوث، وحماية الموارد الطبيعية من التدهور والدمار، أصبحت اليوم أولوية الأولويات، وذلك لارتباطها بكل شؤون التنمية الحقيقية والمستدامة، وشؤون تحسين حياة الناس ورفاه عيشهم، والحفاظ على سلامة واتزان المنظومات البيئية، البحرية والنهرية والبرية، لتكون آمنة لحياة وعيش أجيال اللبنانيين الآتية.

إن حماية بيئة لبنان وموارده الطبيعية من التدهور الفظيع، الذي عرفته خلال العقود الثلاثة من حكم هذه السلطة السياسة، سلطة الصفقات واللامساءلة، على مستوى المجلس النيابي، وكل المستويات الأخرى، يتطلب من شباب لبنان، ومن المعارضين الحقيقيين للسياسات التي تعتمدها الحكومات والبرلمانات اللبنانية المتعاقبة، التحلي بالشجاعة للتقدم بنهج جديد للحكم. نهج احترام القوانين والتشريعات البيئية النافذة، وفي المقدمة منها القانون 444 للعام 2002، وما يتعلق به وبالقوانين البيئية الأخرى من مراسيم وقرارات، ومساءلة الحكومات عن حسن تطبيقها، والعمل على تحديث البعض منها وتطويره، والعمل على وضع تشريعات جديدة تلبي حاجات الرؤية الحديثة للإدارة السليمة لمختلف ملفات البيئة. قانون لحماية الشواطيء من التدهور الذي تشهده، وقانون حديث لإدارة النفايات، الصلبة المنزلية، والصناعية، الخطرة منها وغير الخطرة، يجسد استراتيجية واضحة للإدارة المتكاملة لهذه النفايات السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، حيث تتحدد فيها بوضوح كامل الأولويات والأفضليات حيال مسارات الإدارة المتكاملة، لناحية تشجيع التخفيف من كميات النفايات، ووضع وتطوير أنظمة الفرز من المصدر وفي مراكز متخصصة عالية التجهيز التقني، من أجل تحقيق أولوية إعادة الإستعمال وإعادة التدوير، ومعالجة المخلفات العضوية بهدف تحويلها إلى منتجات قابلة للاستعمال، إن في الزراعة عبر إنتاج الكومبوست بالمعالجة البيولوجية الهوائية، أو في إنتاج الطاقة عبر إنتاج البيوغاز بالهضم اللاهوائي. إن هذه الحلقات من الإدارة المتكاملة للنفايات، كل أنواع النفايات، يجب أن تتقدم على أي خيارات أخرى كأولوية مطلقة، حماية للبيئة والصحة العامة، وحفاظا على حسن استخدام المال العام بعيدا عن الهدر والنهب المنظمين.

ندعو بقوة إلى التجديد واختيار الكفاءة والنزاهة، والعمل بحزم على احترام الدستور وتطبيق القوانين، واستعادة الدور الحقيقي لنائب الأمة في البرلمان، من موزع خدمات ومعقب معاملات، ومتابع للواجبات الإجتماعية، إلى مراقب ثاقب النظر في أعمال الحكومة والإدارة والمؤسسات، وإلى محاسب ومسائل لها على حسن تطبيق القوانين والتشريعات والقرارات، بما يلبي المصالح العليا للشعب اللبناني، والتقدم والتنمية المستدامة، لا تبادل الخدمات والتقديمات وتوزع المصالح بين مكونات السلطة، تلبية لمصالح فئوية على حساب مصلحة الوطن والشعب. وإلى مبادر لتقديم الإقتراحات لتطوير وتحديث القوانين، ووضع قوانين جديدة تواكب التطور وحاجات التقدم والتنمية.

إن ما حل ببيئة لبنان، وفي القلب منه العاصمة بيروت، هواء وبحرا وأرضا ومياها سطحية وجوفية، وتطويقها بمطامر النفايات البحرية غير النظامية، التي يترافق إنشاءها مع رمي ملايين الأطنان من النفايات في البحر، ومع أعمال ردم البحر إمعانا بتدمير الشواطيء ومصادرة الأملاك البحرية العمومية، وتدمير موائل حياة وتكاثر الثروة السمكية اللبنانية، وتهديد التنوع البيولوجي في المنظومة البيئية البحرية بأكبر المخاطر. وإن ما تعرفه بيئة بيروت وبيئة لبنان من سوء إدارة وتدبير، يترافق بمخاطر كارثية على صحة المواطنين وأمان ورفاه عيشهم، ويترافق أيضا بهدر غير مسبوق، وسوء تصرف بالمال العام لحساب الفئات المتسلطة وأتباعهم وأزلامهم. هذا الواقع المر، الذي تقع مسؤولية إيصال البلد إليه على كل أطراف السلطة السياسية، الذين يتربعون على أريكة السلطة منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم، وهم مسؤولون عن كل السياسات الإقتصادية والمالية و”التنموية” والبيئية، وعن كل ما أصاب بيئة لبنان من كوارث، يستدعي إصلاحا عميقا في السلطة السياسية، بدءا من المجلس النيابي والحكومة والإدارة والتشريعات، وتطبيق القوانين النافذة واحترام الدستور نصا وروحا.

Pin It on Pinterest

Share This