التنمية المستدامة، التي يحتاجها لبنان، تتطلب وضع سياسات واستراتيجيات متناسقة ومتكاملة، وهذا ما لم تتبع نهجه حكومات وبرلمانات لبنان منذ بداية التسعينات وحتى اليوم.

إن الطريقة التي تدير البلاد وفقها السلطة السياسية، التي تتكون من نفس مجموعة الأحزاب والتيارات والقوى، ترافقت بهدر ونهب كبير للمال العام، دون أن تحقق الأهداف المفترضة للمشاريع، التي نفذت خلال العقود الثلاثة الماضية وحتى اليوم. وهذا يظهر عند أول تقويم للنتائج المحققة لما أنجز من مشاريع بنى تحتية ومشاريع خدمية، وتقويم مدى تحقق أهداف التنمية المفترضة. عندها تسقط كل سياسات الحكومات، التي تعاقبت على حكم لبنان، وتسقط مصداقية برلمانات لبنان في وضع التشريعات الملائمة للتنمية المستدامة الحقيقية، وإن تحقق ذلك في بعض المجالات، نراها فشلت فشلا ذريعا في مراقبة الحكومات لناحية تطبيق القوانين والتشريعات واحترام الأنظمة والإلتزام بها.

إن أهم ما يميز ارتجال الحكومات في اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع، هو الغياب الكامل للتخطيط الاستراتيجي العام في عملها، وغياب وزارة للتخطيط والتصميم تقوم بدور “المايسترو” لتنسيق وتكامل وتطوير سياسات واستراتيجيات متوسطة وطويلة المدى للتنمية المستدامة، في كل مجالات الإقتصاد وحياة الناس ورفع مستوى معيشة ورفاه حياة الشعب.

ترافق هذا بالطبع، على مدى كل هذه السنوات، بهدر ونهب متزايد الوضوح والصلافة والجرأة، وذلك عبر تجاوز القوانين والأنظمة والقواعد، التي تتعلق بالتلزيمات، وشفافية المحاسبة، والمسؤولية القانونية والأخلاقية، التي تترتب على أصحاب الشأن والقرار بكل ما يتعلق بصرف وإنفاق المال العام.

تذهب الحكومة إلى مؤتمر “سيدر” (أو باريس 4) حاملة مجموعة من المشاريع في مجالات المواصلات والنقل والموانيء والصرف الصحي والسدود والنفايات الخطرة وغيرها من المشاريع، وتدعو دول العالم المشاركة في هذا المؤتمر لتقديم الديون لتمويل هذه المشاريع. تمكنت الحكومة من استدرار ما يقارب 11 مليار دولار من الديون الجديدة على الدولة. وتعتبر ذلك نجاحا باهرا لها ولسياساتها، وتدعي أن ذلك اعتراف دولي بالثقة، وبقدرة حكومة لبنان على تلبية مطالبها بتحقيق الإصلاحات. ولكن الحقيقة تكمن في مكان آخر، ألا وهي حاجة الدول الغربية والأوروبية وبعض الدول العربية الى سياسات لبنانية تؤدي إلى تثبيت النازحين السوريين في لبنان، تفاديا لتدفقهم باتجاه أوروبا، ومنعا لتسهيل عودتهم إلى بلدهم، ومن أجل فتح ورشة أعمال في لبنان تستوعب أعدادا إضافية من اليد العاملة السورية في لبنان، بقروض تتراكم على الشعب اللبناني، وليس بهبات دولية وعربية تشكل جزءا مما يتوجب عليهم لمساعدة لبنان على استقبال واستيعاب الأعداد الكبيرة للنازحين نسبة لعدد سكان لبنان وقدراته الإقتصادية.

إن ذهاب حكومة لبنان إلى مؤتمر “سيدر” للإستدانة في ظل استمرار نفس السياسات والمنهجيات، التي اتبعتها كل الحكومات منذ مطلع التسعينات حتى اليوم، يشكل خطرا حقيقيا على لبنان، في الإقتصاد وفي السياسة وفي النمو الإقتصادي وفي الإستقرار الإجتماعي وربما الأمني أيضا.

مزيد من الديون لمزيد من موازنات تمويل مشاريع متفرقة، لا تشكل جزءا من استراتيجية تنموية متناسقة ومتكاملة، سيكون بالتأكيد مدخلا لمزيد من الهدر والنهب والعمولات والسمسرات لقوى نافذة في السلطة ولأتباعهم وأزلامهم، ولإنفاق المال العام دون تحقق الأهداف المرجوة من التنمية، التي يحتاجها لبنان، أو إن هي تحققت جزئيا في مجال ما، تكون بالحد الأدنى من الفعالية، وبكلفة عالية جدا بسبب التلزيمات المخالفة للقواعد والأنظمة والقوانين المرعية، وخصوصا لجهة قانون المحاسبة العمومية وقواعد شفافية المناقصات.

قطاع النقل والمواصلات في لبنان اليوم، وبعد إنفاق مليارات الدولارات على تطويره في حقبة إعادة الإعمار وما تلتها، وبعد مد الأوتوسترادات والطرق، على طول الساحل اللبناني وفي الداخل، وتطوير البنى التحتية للمواصلات، من جسور وأنفاق، ما هي النتيجة المحققة اليوم؟ أزمة سير ومرور تقتل الحياة في بيروت والمدن وما بين المدن وفي كل لبنان. مزيد من هدر الوقت والفرص، ومزيد من التلوث، الذي يرتب كلفات مالية كبيرة على الإستشفاء والطبابة للتأثيرات المتفاقة لتلوث الهواء على الصحة العامة. يقدر البعض الخسائر، التي ترتبها أزمة السير على الإقتصاد الوطني، بملياري دولار سنويا، أي حوالي خمس الديون، التي استدرجتها الحكومة في مؤتمر “سيدر”، مفاخرة بنجاحه الباهر.

إن السؤال الاستراتيجي في مجال قطاع النقل، الذي لم تطرحه يوما على نفسها حكومات لبنان منذ التسعينات حتى اليوم، ولم يحاسبها أي برلمان انتخب منذ ذلك التاريخ أيضا، هو هل بمزيد من الأوتوسترادات والطرق نحل أزمة السير في لبنان؟ وهل بمزيد من البنية التحتية للطرق وحدها نلبي متطلبات التنمية في قطاع النقل بما هو نقل الركاب والبضائع؟ أم أن الأمر يحتاج إلى استراتيجية وطنية للنقل تلحظ ضرورة تطوير النقل المشترك (النقل العام) داخل بيروت الكبرى والمدن الأخرى وما بين المدن؟ استراتيجية وطنية للمواصلات والنقل تلحظ تطوير سكة للحديد لنقل البضائع والركاب على طول الساحل اللبناني، وفي الداخل باتجاه سوريا من الشرق والشمال والشمال الشرقي نحو العمق العربي في العراق والأردن ودول الخليج. استراتيجية وطنية للمواصلات والنقل تلحظ ضرورة تخطيط وتنفيذ شبكة لخطوط “الترامواي” الحديث في بيروت الكبرى، وتخطيط على المدى المتوسط والأبعد لتنفيذ خطوط “مترو أنفاق” في بيروت الكبرى. هذا هو مسار المعالجة الحقيقية لأزمة السير والمرور والأزمة المتفاقمة في قطاع المواصلات والنقل.

إن ما أنجزته مرحلة إعادة الإعمار وما تلاها من طرق وأوتوسترادات شكل حلا مؤقتا لأزمة السير والنقل في لبنان لفترة قصيرة جدا، وبعدها بدأ يتحول تدريجيا إلى حافز كبير وفعال لزيادة عدد السيارات ووسائل النقل الخاصة، حيث تضاعف عددها خلال فترة تقل عن عشر سنوات، مما شكل سببا متجددا لأزمة السير والمرور. وتعود الحكومة الآن لتعالج المسألة وفق نفس الدوامة، أي بأوتوسترادات جديدة دون استراتيجية مستدامة للنقل العام، لنعود بعد عشر سنوات أو أقل لنجد أنفسنا أمام نفس الأزمة، وما ترتبه من خسائر على الإقتصاد والصحة العامة والتنمية.

نعم إن موانيء لبنان تحتاج إلى تطوير وتحسين ورفع الكفاءة والقدرة، ولكنها أيضا تحتاج إلى استراتيجية وطنية تنمي وظيفة هذه الموانيء لتصبح مرافق تنموية مستدامة حقيقية، من حيث تطوير دورها التجاري عبر توسعة قدرتها الاستيعابية والخدمات التي تقدمها، وتوسعة دورها أيضا لتشكل رافدا في سياسة النقل، نقل الركاب والبضائع، داخليا بين المدن الساحلية وخارجيا أيضا، وتوسعة دورها أيضا في المجال السياحي والترفيهي. إضافة لتنمية استخدامها في الصيد البحري الصناعي، وليس فقط الحرفي كما هو عليه الآن.

مئات ملايين الدولارات مرصودة أيضا للصرف الصحي في الديون الجديدة لمؤتمر “سيدر”. إن أنفقت هذه الاموال بنفس الطريقة، التي تصرفت بها حكومات لبنان ومجلس الإنماء والإعمار حيال قطاع الصرف الصحي، دون استراتيجية وطنية لإدارة المياه، وعبر تطبيق كامل لقانون حماية البيئة والتشريعات والأنظمة النافذة، فسنكون أمام عبثية إضافية تهدر المال العام دون تحقيق أي من الأهداف المرجوة. في قطاع إدارة الصرف الصحي هناك هدفان استراتيجيان على أي خطة أن تحققهما معا، أو على الأقل واحد منهما، وهما، الهدف الأول تخفيف الثقل التلويثي على الأوساط البيئية المستقبلة، بحرا ومياها سطحية وتربة، والهدف الثاني إعادة تدوير المياه المعالجة لاستعمالها بما يتوافق مع مستوى معالجتها، الأولية أو الثانوية أو الثلاثية، وفي غالب الأحيان لاستعمالها بشكل آمن في ري المحاصيل الزراعية من أشجار مثمرة ومحاصيل أخرى تتطلب معالجة ثنائية أو أكثر.

خلال العقدين الأخيرين، صرفت حكومات لبنان، على يد مجلس الإنماء والإعمار، حوالي 880 مليون دولار في قطاع إدارة الصرف الصحي، في غياب استراتيجية وطنية تأخذ بعين الاعتبار ربط استهلاك المياه العذبة مع إدارة المياه المبتذلة تراعي فيها حماية البيئة والصحة العامة من جهة، وعقلنة وترشيد استخدام المياه العذبة من جهة أخرى. فما هي النتيجة المحققة عمليا اليوم؟ لا هدف تخفيف التلوث على الأوساط البيئية قد تحقق، ولا هدف إعادة استعمال المياه المعالجة قد تحقق، ولوجزئيا. نرى شبكات للمجارير تصب في البحر والأنهار والوديان والمجاري الشتوية دون دون أي معالجة، ونرى أيضا محطات لا تعمل، أو هي تتأخر لربطها بالشبكات سنوات طويلة، أو هي تعمل بكفاءة وفعالية محدودة جدا، أو هي مجرد محطات لضخ المياه المبتذلة غير المعالجة إلى البحر في أنابيب طولها ما بين 1500 و1800 متر.

هذه الحصيلة في قطاع الصرف الصحي ليس لها علاقة بالتنمية المستدامة، لا من قريب ولا من بعيد، بل هي هدر موصوف للمال العام وسوء إدارة له، يستمر دون مساءلة أو محاسبة.

ديون جديدة بمليارات الدولارات من أجل بناء السدود، وفق خطة قديمة لا تأخذ بعين الاعتبار حصيلة التقييم الموضوعي لتجربة العديد من السدود الفاشلة، التي بنيت في السنوات الأخيرة بكلفة مئات ملايين الدولارات من مال الشعب اللبناني. وبعض هذه السدود ليس فقط لم يحقق الأهداف المرجوة منه لناحية تجميع الكميات المتوقعة من المياه، بل تسبب بتخريب لطبيعة لبنان وتخريب لدورة المياه الطبيعية كما هو الحال في شاغور حمانا مع سد القيسماني الفاشل. والوضع ليس بأفضل حال مع السدود الأخرى، التي بنيت وتبنى حتى الآن. سياسة السدود تحتاج إلى إعادة نظر جذرية على ضوء النتائج السلبية المحققة حتى الآن، والبحث الجدي في وضع خطة رشيدة لاستثمار الثروة المائية الجوفية، التي تقدر بثلاثة أضعاف الثروة المائية السطحية في لبنان.

في مسألة النفايات الخطرة، قروض جديدة لإقامة منشآت لتخزين النفايات الخطرة. وهنا أيضا، لا يمكن اختزال مسألة إدارة النفايات الخطرة المتولدة في لبنان، بمنشآت للتجميع والتخزين المؤقت، وتقدر حسب تقارير وزارة البيئة بحوالي 50.000 طن سنويا. في ظل غياب أي خطة وطنية لإدارة هذا النوع الخطير من النفايات، وفي ظل التلكؤ عن وضع استراتيجية وطنية لهذه المسألة تأخذ بعين الإعتبار حصر مصادر تولدها، الصناعية وغير الصناعية، وتحديد أنواعها، ووضع أنظمة لجمعها المنفصل، ولنقلها، تمهيدا لمعالجتها في محطات متخصصة للمعالجة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية لبعضها، ولمعالجة بعضها الآخر بالتقنيات المناسبة الأخرى. إن التأخير في وضع هذه الاستراتيجية الوطنية وما تحتاجه من تشريعات ومراسيم وأنظمة وقواعد، تنطلق على أساسها ورشة استثمار في القطاعين العام والخاص في كل مراحل إدارة النفايات الخطرة المتولدة من كل المصادر، سيشكل تهديدا كبيرا لسلامة التحكم بهذه النفايات، التي تمثل خطرا كبيرا على البيئة والصحة العامة.

لبنان بحاجة إلى سياسات واستراتيجيات تنموية مستدامة في كل المجالات والقطاعات، وليس إلى استدانة مزيد من المليارات تتراكم على كاهل المواطن اللبناني، وعلى الإقتصاد الوطني، وترتب إيغالا في الأزمة الشاملة، وفي رهن البلد لاستراتيجيات تراعي مصالح أجنبية على حساب المصلحة الوطنية للشعب اللبناني.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This