إن دور المجتمع الأهلي ومنظماته في لبنان، وفي القلب منها الجمعيات البيئية، دور عالي النشاط والحيوية والأهمية على مستوى كل المجتمع، وفي كل المناطق، مدنا وبلدات وقرى.

لم يكن يوما دور الجمعيات البيئية أن تحل محل الدولة أو القطاع الخاص في عملها حيال ملفات البيئة عموما وملف إدارة النفايات على وجه الخصوص، على الرغم مما عرف هذا الملف من أزمات حادة وعميقة في السنوات الأخيرة، نتيجة الفشل الذريع، الذي رافق سياسات الحكومات حياله، بسبب رهن وإخضاع ملف النفايات لمصالح فئوية لبعض القوى في السلطة وأتباعهم، طمعا بصفقات كبيرة على حساب بيئة لبنان وصحة أبنائه والمال العام.

لقد نادت الجمعيات البيئية منذ عقود بالإدارة المتكاملة السليمة بيئيا للنفايات، المرتكزة على مبدأ استرداد القيمة وحفظ الموارد، متضمنة التخفيف من كميات النفايات المتولدة، وفرز النفايات من مصدر تولدها، تسهيلا لجمعها ونقلها وتدويرها ومعالجتها. وبهذا يصبح يسيرا استرجاع القيمة المادية من معظم مكوناتها غير العضوية من جهة، ويصبح ممكنا معالجة مكوناتها العضوية، بحيث يتم إنتاج “كومبوست” عالي النوعية، وقابل للمنافسة في السوق المحلي والأسواق الخارجية، أو توليد البيوغاز لمصدر للطاقة.

إن الجمعيات البيئية والنشطاء البيئيين في لبنان انحازوا بوعي كامل إلى صناعة التدوير الوطنية، التي تتمتع بقدرات استيعابية كبيرة تفوق ما تحتويه نفاياتنا من مكونات قابلة للتدوير، فمعامل الورق والكرتون جاهزة لاستقبال كل الكميات، التي يتم جمعها وفق مواصفات محددة، وكذلك معامل البلاستيك، والشركات المتخصصة بجمع الخردة والمعادن، ولفترة وجيزة كان معمل الزجاج في الشويفات ينادي في مؤتمرات البيئة أنه قادر على استيعاب كل كميات الزجاج في نفايات لبنان إذا ما وضع نظام لجمعها وتصنيفها بطريقة مقبولة. وأقفل مؤخرا هذا المعمل لأنه لم يستطع الصمود أمام صعوبات الإنتاج، التي تواجهها الصناعة اللبنانية في ظل غياب التخطيط السليم للدولة، ووضع سياسات وخطط شاملة على مستوى كل القطاعات.

جهدت الجمعيات على مدى كل تلك السنوات، جيل بعد جيل، على إطلاق المبادرات بهدف تعويم فكرة التخفيف والفرز والتدوير والمعالجة، وتقديم الدليل على واقعية نجاحها، إذا ما توافرت النية والخطة وحسن الإدارة والتدبير. لم يكن مطلوبا منها أن تحل محل الدولة وسياساتها ومشاريعها، بل تقديم النموذج القابل للتطبيق، كي تأخذ الدولة العبرة، بأن مشروعا صغيرا محدود القدرات والإمكانات يحقق نجاحا، على الرغم من المعوقات الموضوعية، وأحيانا المقصودة الهادفة لإفشاله.

في المؤتمر الأخير، الذي عقدته وزارة البيئة مع الجمعيات البيئية في لبنان، ظهرت تجارب على درجة عالية من النجاح والأهمية عند عدد كبير من الجمعيات في كل مناطق لبنان. ونحن ننتظر أن تستخلص وزارة البيئة العبر والإستنتاجات من تلك التجارب والنماذج الناجحة، وتعمل على إدخال خلاصات هذه العبر في الخطة الاستراتيجية المنوي إعدادها في المرحلة التالية. وربما أهم ما يساعد على حسن إدارة النفايات هو السير بجمعها المنفصل، أي بالفرز من المصدر للمكونات العضوية على حدة وغير العضوية على حدة.

إن جمعية الصناعيين في لبنان تعبر بوضوح عن تشجيعها للتدوير، وهذا بالطبع ما يستجيب لمصالح الصناعيين ومصالح الاقتصاد اللبناني ومصالح الحفاظ على البيئة وحماية الصحة العامة في لبنان.

توجه بعض الجمعيات بالنقد لبعض جوانب خطة الحكومة وممارساتها حيال إدارة ملف النفايات. طالت الإنقادات القاسية سياسة إقامة المكبات على شاطيء البحر، وردم البحر تحت حجة إقامة “مطامر غير نظامية” في مواقع الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة. وطاول الإنتقاد أيضا أسباب فشل أو إفشال معامل الفرز والمعالجة، التي يمول الإتحاد الأوروبي إنشاءها وتشغيلها في كل المناطق اللبنانية. وكذلك أيضا إفشال تجارب معالجة المكونات العضوية إلى “كومبوست”، بسبب عدم الإلتزام بالشروط التقنية لهذه العملية، وضعف الأهلية عند الشركات المشغلة لهذه المعامل.

طاول النقد أيضا، الطريقة التي تناولت بها خطة الحكومة الهرم العالمي. في حقيقة الأمر، إن الهرم ما هو إلا سلم أولويات طرحه الإتحاد الأوربي في تشريعاته المتعلقة بإدارة النفايات. إن إعلان خطة الحكومة الالتزام بالهرم، يشترط الإلتزام الحقيقي بسلم الأولويات تلك. إن الرؤية الجديدة لإدارة النفايات، التي يمثلها الهرم، تنطلق من ضرورة الإنتقال من واقع طمر كامل للنفايات (في أوربا)، وواقع طمر كامل ورمي كامل للنفايات في مكبات عشوائية (في لبنان)، إلى تخفيف نسبة النفايات الذاهبة إلى الطمر أو الرمي العشوائي، وزيادة مضطردة لنسبة المكونات المعاد تدويرها ومعالجتها لتحويلها إلى منتجات قابلة للاستخدام في الزراعة، أو لبيوغاز كمورد للطاقة (أي الإسترداد المادي). ووضع مسألة الحرق والطمر في أسفل وآخر سلم الأولويات.

إن الوضوح الكامل في سلم الأولويات والأفضليات هذه مطلوب بإلحاح ، كي لا يصبح حرق النفايات متساويا من حيث الأولوية والتفضيل مع التدوير أو المعالجة، وذلك باستعمال مصطلح غير دقيق على الإطلاق في ظروف نفايات لبنان، أي “استرداد الطاقة”. إن مصطلح استرداد الطاقة بمعناه اللبناني، هو حرق النفايات كوسيلة للتخلص منها، وما الحديث عن استرداد الطاقة منها إلا وهم لا يستقيم أمام المعادلات العلمية للقيمة الحرارية لنفايات لبنان، وللميزان الطاقوي لمعادلة الحرق، الذي هو في الواقع إما متعادل أو سلبي. ولذلك، إن حرق النفايات سيتطلب استعمال كميات كبيرة جدا من الفيول كي يؤمن استمرار عملية الحرق ودرجة حرارة الحرق المطلوبة. وبالتالي إن الطاقة الكهربائية، التي يمكن توليدها من محرقة لنفايات لبنان هي طاقة تتولد من كميات الفيول المستعمل لدعم استمرار عملية الإحتراق على درجة الحرارة المقبولة للحرق. وهي بالتالي ستكون عالية الكلفة مقارنة مع معامل إنتاج الطاقة الكهربائية.

إن تجارب الجمعيات الناجحة جدا، والتي علينا تشجيعها وتطويرها وتعميمها، تجارب رائدة. تجربة الجمع المنفصل للكتب والألبسة والأقمشة لإعادة استعمالها التي تنفذها جمعية “عباد الرحمن” في بربور، بيروت، وتجربة جمع وتفكيك النفايات الإلكترونية لجمعية “بيئتنا”، وتجربة جمع القناني والزجاج لجمعية Arc en Ciel، وتجربة جمع الألبسة والأقمشة وبقايا القماش لجمعية “مخزومي” في بيروت….وغيرها الكثير من المبادرات التي تساعد على نشر الوعي والتدريب على الفرز والتدوير والمعالجة.

نعم، نستطيع استخلاص الكثير من العبر والدروس من تجارب الجمعيات البيئية في لبنان، لإدخال عصارتها في سياق الاستراتيجية الجديدة للإدارة المتكاملة للنفايات في لبنان.

 

Pin It on Pinterest

Share This