نحتفل اليوم باليوم العالمي للمياه. يأتي هذه السنة في لبنان في خضم استحقاق انتخابي للمجلس النيابي. ولطالما غابت البرامج عن الحضور الجدي في حملات المرشحين من مختلف الأحزاب والتيارات والحركات السياسية في لبنان. فكيف سيكون حضور مسألة المياه في هذه البرامج، إن وجدت عند بعض هؤلاء؟ خاصة وأن الثروة المائية عندنا هي ضحية كبرى لسياسات التسيب وعدم الإلتزام بالقوانين، ولغياب الاستراتيجيات الحديثة العقلانية، التي تتناول المياه السطحية باعتبارها منظومات بيئية مائية، وليس فقط كميات من المياه معزولة عن كل مقياس آخر، لناحية المنظومة الحيوية ولناحية الجودة.

ولذلك نرى أن على السلطة السياسية، المتمثلة بالمجلس النيابي الجديد وما ينبثق عنه من حكومات على مدى فترة السنوات الأربعة لتفويضه، أن تضع السياسات والخطط والبرامج والأنشطة، التي تؤدي إلى حماية كاملة وفعالة للثروة المائية السطحية، من أنهر ومجاري مائية، وفي المقدمة منها نهر الليطاني وبحيرة القرعون، من كل أشكال وأنواع التلوث ومن كل المصادر. إن وضع خطة وطنية سليمة لمعالجة مياه الصرف الصحي في كل مناطق لبنان، بحيث تتمتع بصفات التنمية المستدامة وتحترم مؤشراتها، هي حاجة ملحة، وهي ستترك آثارا إيجابية كبيرة في حماية البيئة والمنظومات البيئية المائية، وكذلك المياه الجوفية والبحر من التلوث الفظيع التي تعاني منه هذه الأوساط حاليا.

وكذلك، إن وضع خطة وطنية لمعالجة النفايات الصناعية السائلة موضع التنفيذ الفعلي، سيكون له أفضل الأثر على حماية البيئة والمنظومات المائية من الملوثات الكيميائية والبيولوجية الخطرة.

ومن جهة أخرى، نحن نحتاج إلى استراتيجية عقلانية تستخدم الثروة المائية  الجوفية بشكل مدروس ومرتكز على العلم، والمحافظة عليها من كل أشكال ومصادر التلوث المحتملة، وذلك باعتبارها تشكل ثلثي الثروة المائية في لبنان. وهي في العموم أقل تلوثا وأقل تعرضا للتولث من المياه السطحية، ولهذا إن كلفة تحضيرها لتكون صالحة تماما للإستهلاك البشري والشرب اقل بكثير من تحضير المياه السطحية الملوثة بشكل فظيع، والمعرضة لكل أشكال وأنواع التلوث. إن العقلانية باستثمارها، ستؤدي حتما إلى إعادة النظر بالسياسات والاستراتيجيات، التي تعتمدها الدولة حتى الآن، بحيث نحمي مصادر ثروتنا المائية من التعرض للتلوث والتدهور في جودتها وهدر كمياتها، وبحيث نحسن الإستفادة من الثروة الجوفية، ونحسن إدارة المنظومات البيئية المائية.

إن وقف الهدر الكمي الكبير في المياه الناتج عن تخلف البنية التحتية والشبكات، وكذلك وقف التدهور الكبير في جودة الموارد المائية نتيجة التفلت بأسباب التلوث، يشكلان ركيزتي السياسة المستدامة لإدارة واستثمار الثروة المائية في لبنان. إن هذه السياسة المستدامة الجديدة هي حاجة ملحة، وليست رفاهية كما يحلو للبعض النظر إليها، كي نعقلن استهلاكنا واستخدامنا للمياه العذبة، في ظروف الجفاف والنقص التدريجي للمتساقطات ولمستوى الثلوج في مواسم الشتاء عندنا، المتعلقة بظواهر التغير المناخي وآثارها على لبنان والمنطقة، وفي ظروف تزايد مستمر لكميات المياه بجودة عالية التي يحتاجها مجتمعنا لتلبية احتياجات الإستهلاك البشري والشرب، وتلبية حاجات الإقتصاد الوطني الزراعي والصناعي والسياحي والخدمي.

إن هذه السياسة المرتجاة، يجب أن تتضمن استراتيجية حكيمة ومستدامة لمعالجة مياه الصرف الصحي لمستوى من الجودة يسمح بإعادة استعمالها في الري أو في مجالات أخرى تناسب مواصفات الجودة، التي تتمتع بها بعد المعالجة.

على هذه السياسة المستدامة المطلوبة في لبنان استبعاد مشاريع السدود الكبيرة، لأنها أثبتت فشلها الذريع في لبنان والعالم. وهي مشاريع تستنزف أموالا طائلة لا مردود فعال لها. بل التطلع إلى تلبية الحاجة للمياه العذبة للإستهلاك البشري والشرب من الثروة المائية الجوفية المتجددة بعقلانية ودراسة ودراية، دون استنزاف أو إسراف أو مغالاة في ضخها.

 

Pin It on Pinterest

Share This