كلام كثير، وتصريحات ومشادات ومؤتمرات واستراتيجيات وشعارات وأهداف كبيرة ومشاريع للقطاعات، وخطط خمسية ورؤى عشرية تطرح في الهيئات والإدارات والوزارات. كلها لا تشكل خطوة نافعة في الإتجاه الصحيح لإخراج لبنان واللبنانيين واقتصاد البلد من أزمة الكهرباء المديدة والمستمرة لحوالي ثلاثة عقود من عمر دولة الطائف.

خطة الـ 2020، إنتاج 12 بالمئة طاقة متجددة من إجمالي استهلاك الطاقة الكهربائية في لبنان. وعندما نقول طاقة متجددة علينا إضافة “نظيفة” أيضا، أي غير ملوِّثة، أو أقل تلويثا من المصادر التقليدية المستعمِلة للفيول الأحفوري. ولكي تكون نظيفة، علينا أن لا نزج حرق النفايات والطاقة المرافقة لها والمتولدة أساسا من إضافة أطنان من الفيول لتحقيق حرقها، في لائحة مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة المتفق عليها، أي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والجيوحرارية والطاقة المتولدة عن حركة أمواج البحر.

إن عزوف الحكومات المتعاقبة عن وضع وتنفيذ خطط لإنشاء وتشغيل معامل إنتاج، شبيهة بالمعامل القائمة في الزهراني ودير عمار، لتأمين إنتاج حاجة لبنان من الطاقة الكهربائية، هو السبب الحقيقي لاستمرار أزمة الكهرباء الخانقة في لبنان والضاغطة على كل أوجه الحياة فيه، الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والصحية، والمترافقة بهدر كبير للمال العام في خسائر غير مبررة لهذا القطاع تقاس بمليارات الدولارات، أو هي نتيجة طبيعية لسوء السياسات والخيارات الحكومية، ولسوء تخطيط الدولة برمتها، إدارة وحكومة ومجلسا نيابيا.

نحن شهود، كما كل اللبنانيين، على ميل واضح لدى الطبقة السياسية، التي تعاقب ممثلوها بكل أطيافهم، على حقيبة وزارة الطاقة والمياه، وقبلها وزارة الموارد المائية والكهربائية، للإستثمار على الأزمة، وليس وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط والمشاريع والأنشطة الهادفة لمعالجتها.

تأتي في هذا السياق سياسة نشر المولدات في كل أحياء وأزقة ودسكرات وقرى وبلدات ومدن لبنان، نافثة ملوثاتها في غرف نوم الأمهات الحوامل والرضع والأطفال والمرضى، وناهبة جيوب اللبنانيين بفواتيرها العالية وغير النظامية.

وتأتي في هذا السياق أيضا، سياسة استئجار البواخر لتوليد الكهرباء بأسعار تفوق بكثير قيمة كلفة إنتاجها محليا، لو ذهبت خيارات الحكومة إلى إقامة معامل إنتاج، لا تزيد كلفتها عن قيمة الخسائر المحققة في هذا القطاع لسنة واحدة أو سنتين على الأكثر. ومن الغريب حقا هذا الإصرار، الذي نشهده عند بعض قوى السلطة النافذة في هذا القطاع، على خوض معارك سياسية للضغط لتمرير عقود البواخر هذه، وكأنها الترياق السحري لداء أزمة الكهرباء، التي تكوي اللبنانيين واقتصادهم وجيوبهم، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

وتأتي في هذا السياق أيضا، سياسة الإمتناع عن تأهيل وتحديث المعامل الكهرومائية الموجودة في لبنان، حيث تصل قدرتها إلى أكثر من 280 ميغاوات، والقابلة لأن ترتفع لتصل إلى 330 ميغاوات وأكثر. إن معوقات السير بهذه السياسة تكمن في التقليل من أهمية هذا المسار، والتلكؤ في وضع التشريعات اللازمة، والإجراءات الإدارية والتنفيذية الضرورية. فبدل القيام بكل ذلك، يذهبون لخوض معارك البواخر، وما هي إلا جرعات “مورفين” لتهدئة أوجاع لبنان من أزمة الكهرباء، دون أي فعالية حقيقية تذكر، حيال استراتيجية المعالجة العقلانية لأزمة الكهرباء عندنا.

لا بد من تسريع الخطى في وضع كل ما يلزم من إجراءات قانونية وتنظيمية وإدارية وتنفيذية ومؤسسية لتنشيط قطاع إنتاج الطاقة الشمسية الفوتوفولتية، وكذلك طاقة الرياح، وتسهيل وتسريع كل ما من شأنه تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجال إنتاج الطاقة النظيفة والمتجددة.

ولا بد أيضا من العمل فورا على وضع خطة تنفيذية لتأهيل ورفع فعالية المعامل الكهرومائية الموجودة. إن التباطؤ في تحقيق ذلك يمكن اعتباره شكلا من أشكال الهدر غير المبرر لمقومات قائمة، ولطاقة كامنة قابلة لأن تتحول إلى طاقة محققة. وهذا يتطلب الجرأة في نسف كل ما يعيق هذا الأمر من عقود لم يجر احترامها، ومن إجراءات يجري التمنع أو التخلف عن القيام بها.

حلول جذرية ومستدامة، هذا ما يريده اللبنانيون، وليس مسارات تشوبها الصفقات، وضبابية الرؤية، والدوران في حلقات الأزمة والإستثمار عليها، في ظل ضجيج المؤتمرات وقرقعة الشعارات.

 

Pin It on Pinterest

Share This