إذا نظرنا إلى ما آلت إليه “السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، التي أحالتها وزارة البيئة إلى مجلس الوزراء في 17 آب (أغسطس) 2017، نرى أن تنازع الصلاحيات بين مختلف الجهات الرسمية، التي تعمل على ملف النفايات، ورغبة الوزراء في اختصار نصها لكي يتمكنوا من قراءتها، قد أدى إلى تقليصها لتصبح “ملخصا” لتلك السياسة.

وفق القوانين المتعلقة بوزارة البيئة والقوانين البيئية الأخرى، تحددت صلاحيات هذه الوزارة، التي تقول بوضع السياسات والاستراتيجيات في كل ملفات البيئة ومراقبة تطبيقها. إن ملف النفايات ليس استثناءا، بل يمكن اعتباره نموذجا صارخا للملف البيئي بامتياز. وذلك نظرا إلى ما أحدثه سوء إدارة هذا الملف من كوارث بيئية، ومن تدهور فظيع في الأوساط البيئية المختلفة، جبلا وسهلا وشاطئا وبحرا ونهرا وهواء ومياها جوفية. ونظرا إلى أثره الخطير على الصحة العامة للبنانيين، والتدهور الملحوظ في أمانهم الصحي، وارتفاع نسب تعرضهم للأمراض السرطانية والأمراض المزمنة الصعبة والمستعصية الأخرى.

إن ما يعاني منه لبنان منذ سنوات في الخيارات الإرتجالية، التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، هي ناتجة عن تشتت هذا الملف بين أطراف عديدة، حيث مراكز القوى في السلطة أدت ولا تزال تؤدي إلى وضع مخططات لا يحكمها منطق بيئي متناسق، بل نتافات من قرارات متعارضة فيما بينها، ولا ترتكز إلى رؤية بيئية متكاملة ومنسجمة ومتوافقة مع المضمون الحقيقي لقانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002.

في هذا السياق، لا بد من الإضاءة الكاملة على الدور، الذي لعبه ولا يزال يلعبه مجلس الإنماء والإعمار في هذا الملف، ناسفا بشكل كامل صلاحيات وزارة البيئة، في التخطيط ووضع السياسات والاستراتيجيات والخطط والبرامج في عدد كبير من ملفات البيئة، وعلى رأسها ملف إدارة النفايات. فبتكليف من رئاسة مجلس الوزراء يقوم مجلس الإنماء والإعمار بوضع المقترحات، التي تتحول إلى قرارات في جلسات الحكومة دون مناقشات معمقة، وفي كثير من الأحيان دون الإلتزام بمقتضيات القوانين والمراسيم والتشريعات البيئية النافذة في لبنان، وبتجاهل كامل لدور ورأي المؤسسة الأم ذات الصلة بهذه الملفات، وهي وزارة البيئة.

منذ سنوات، دخلت وزارة الداخلية بقوة على خط إدارة النفايات في لبنان، في مراحل مختلفة سابقا، بذريعة أن هذا الملف هو ملف بلدي. وفي هذا تعارض أيضا مع صلاحيات وزارة البيئة في وضع السياسة والاستراتيجية والخطة والتوجه العام، حيث يكون للبلديات دور في تطبيقها، في إطار صلاحياتها وفق القانون.

ودخلت أيضا وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، مقتحمة هذا الملف تحت عنواين مختلفة لا تمت بصلة لصلاحيات هذه الوزراة والغاية التي أنشئت من أجلها، ألا وهي التنمية الإدارية، أي تعزيز وتطوير قدرات مؤسسات الإدارة اللبنانية على تحسين أدائها، والإرتقاء بعملها لتلبية أهداف التنمية. وإذا تساءلنا ما علاقة هذه الوزارة بملف إدارة النفايات في لبنان، ماذا سيكون الجواب؟ لأسباب معروفة في تقاسم المشاريع الممولة بهبات أجنبية، تم إيداع مشروع “أومسار” في هذه الوزارة، بدل أن يكون في وزارة البيئة. ليس مهما في عهد أي وزير حصل ذلك، بل المهم أن هذا المشروع لا يزال مستمرا في هذه الوزارة على الرغم من أنها لا علاقة لها به، لا من قريب أو بعيد، وعلى الرغم من تراكم الفشل فيه منذ سنوات طويلة وحتى اليوم.

لا يزال اللبنانيون يذكرون كيف أن هذا الملف، وفي أصعب الظروف وأكثرها ضغطا على اللبنانيين وبيئتهم وصحتهم، تم انتزاع كامل دور وزارة البيئة فيه، ليعطى إلى لجنة فنية برئاسة وزير آخر أنذاك. وشهدنا بأم العين كل حلقات التخبط في الخطط والخيارات، التي طرحتها هذه اللجنة، وحصدت الفشل تلو الفشل، منتهية بالمكبات الشاطئية، التي بدأت “مواقف Parking”، وانتهت مشاريع ردم للبحر، مرورا بإقامة مطامر غير نظامية، حيث أن الجدار الغربي للمطمر بقي مجردا من العزل، وذلك لتسريب العصارة إلى البحر عبر الحاجز الصخري للسنسول، وإلى رمي النفايات في البحر مباشرة كما حصل في برج حمود وأماكن أخرى. لا أظن أن اللبنانيين نسوا مشروع “ترحيل” النفايات، الذي انتهى بفضيحة تزوير مدوية كلفت المال العام عشرات ملايين الدولارات، وشوهت سمعة لبنان دولة وحكومة.

ماذا نريد القول من هذا الإستعراض؟ بكل بساطة، كفُّوا يد الجميع عن التدخل بهذا الملف، وأعيدوه كاملا دون نقصان إلى حضن أمِّه الشرعية، وزارة البيئة. هناك سوف يكون ممكنا وضع سياسة منسجمة لا تناقضات تشوبها، ولا تعارض فيها بين الجانب الرؤيوي منها والجانب التطبيقي، وذلك بالإنسجام والتوافق الكامل مع القوانين والمراسيم والتشريعات البيئية النافذة، التي يعود لوزارة البيئة صلاحية السهر على تطبيقها من قبل الجميع في الدولة اللبنانية، من كل قطاعات الدولة العامة والخاصة، مؤسسات وأفرادا.

قبل الدخول في استعراض ملاحظاتنا النقدية على “ملخص السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، التي أقرها مجلس الوزراء يوم 11 كانون الثاني (يناير) 2018، أود تسليط الضوء على التناقض الكبير في قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بملف النفايات، والمتخذة في تلك الجلسة نفسها. توسعة مطمر الكوستابرافا، أي مشروع ردم البحر، وإنشاء معمل للفرز والمعالجة في نفس الموقع، وتطوير معملي الكرنتينا والعمروسية، وهذا قرار سبق أن اتخذ قبل شهور، ولكنه لم يجد طريقه إلى التنفيذ. من يحاسب من في هذا الملف بالذات، على مستوى الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار أو الشركات الملتزمة للأعمال؟ فمجلس الوزراء يوافق على مقترحات مجلس الإنماء والإعمار، التي يحضرها استشاري، هو نفسه لمعظم مشاريع لبنان، بتغييب أي دور فعلي لوزارة البيئة في كل ذلك. هذه هي الحقيقة المرة، التي يجب أن لا ينكرها أحد تحت أي عذر أو تبرير.

مع إقرار مجلس الوزراء لملخص السياسة التي وضعتها وزارة البيئة، أقر في نفس الجلسة “التأكيد على الإلتزام بإطلاق مناقصة لمعامل التفكك الحراري وذلك خلال ستة أشهر مع تحديد المناطق”. كان مجلس الوزراء في جلسة سابقة اتخذ قرارا بتكليف مكتب استشاري “أجنبي” لوضع دراسة تقييم الأثر البيئي “لدفتر الشروط”. لا حظوا معي مسألتين، الأولى أن المكتب الإستشاري يجب أن يكون أجنبيا، لماذا؟ هل الإستشاري الأجنبي يعرف التشريعات البيئية اللبنانية وظروف لبنان وبيئة لبنان أكثر من أهله؟ طبعا لا، ولكن لتعظيم الأمر، واعتبار أن ما يقوله الأجنبي هو الحقيقة غير القابلة للنقاش، وفي هذا هراء كبير…هذا المنطق على كل حال هو منطق سائد في كثير من القضايا وفق مفاهيم السلطة السياسية في لبنان، ولا سيما منها الفئة الممسكة بإحكام بملف النفايات تحديدا حتى الآن. والثانية، هي أن الدراسة مطلوبة أن تكون لدفتر الشروط، وهذا برأينا هرطقة لا تستقيم، لا مع فلسفة تقييم الأثر البيئي للمشاريع، ولا مع مضمون وحرفية مرسوم تقييم الأثر البيئي النافذ في لبنان. إذ أن دراسة تقييم الأثر البيئي تكون لمشروع وضعت تصاميمه الكاملة في موقع محدد ومعروف، وليس لدفتر شروط. ومن جهة أخرى، إذا اعتبرنا هذا القرار جزء من خطة استراتيجية محددة لإدارة النفايات، ففي هذه الحالة يمكن أن تخضع هذه الخطة الاستراتيجية أو هذه السياسة المحددة قبل إقرارها لدراسة تقييم بيئي استراتيجي وفق المرسوم النافذ، الذي يعنى بهذه المسألة. سؤالنا في هذا المقام، هل كان لوزارة البيئة رأي في هذه القرارات؟ وهل استشارها أحد في صيغة تلك القرارات التي اتخذت، بتعارض استراتيجي مع “ملخص السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في لبنان”؟

ونعود إلى القرار في نقطته رقم 7، أي تلك التي تتحدث عن مناقصة لمعامل التفكك الحراري. هل هناك أحد في مجلس الوزراء أو في مجلس الإنماء والإعمار أو في أي مؤسسة معنية أخرى ليجيبنا على سؤالنا، بأي تقنية بالتحديد سوف تتعلق مناقصة معامل “التفكك الحراري”، إذ أن التفكك الحراري يشمل المحارق Incineration، والبيروليز Pyrolysis والتغييز Gasification والبلازما Plasma، أي كل التقنيات، بما فيها تلك التي لا تزال قيد البحث المخبري والتجريبي (البيروليز والتغييز)، والتي لم تتحول بعد إلى صناعة موثوقة في مجال إدارة النفايات الصلبة، والتي تدمر المواد بفعل الحرارة، أو تلك المتخصصة بتدمير أكثر النفايات الخطرة ثباتا واستقرارا (البلازما على درجات حرارة ما بين 5000 و10000 درجة مئوية). إذن المقصود بالتفكك الحراري هو الحرق والمحارق تحديدا. فلماذا اللف والدوران، والتهرب من استخدام المصطلح العلمي لهذه التقنية، الذي يعبر عنها بالتحديد وبدقة وبوضوح كامل؟

“ملخص السياسة المستدامة”، الذي وضعته وزارة البيئة وأقره مجلس الوزراء، هو أول محاولة رسمية لوضع توجه يستخدم مصطلح “الإدارة المتكاملة للنفايات”، وهو ما سعى إليه البيئيون في لبنان وعملوا له عبر عقود طويلة. ويأتي على ذكر النفايات الخطرة، ويحاول الاستناد إلى السلَّم الهرمي العالمي للإدارة المتكاملة للنفايات. ولأول مرة أيضا يصار إلى الإنطلاق من مباديء محددة، بعضها تضمنها قانون حماية البيئة. يشكل هذا الطرح انتقالة جيدة في الإتجاه الصحيح، ولكن لا تزال تشوبها العديد من نقاط التناقض والضعف، مما يشكل ثغرات خطيرة يمكن لها، إن لم يجر استدراكها، أن تطيح بكل ما هو إيجابي في هذه السياسة.

جميل أن نذكر بأن النفايات الصلبة في لبنان تتكون من حوالي 52.5 بالمئة مكونات عضوية، وحوالي 36.5 بالمئة ورق وكرتون وبلاستيك ومعادن وزجاج، وحوالي 11 بالمئة مواد أخرى، يحلو للبعض تسميتها “عوادم” على الرغم من ضبابية هذا المصطلح، حيث أجد مصطلح “متبقيات” عمليات الفرز والمعالجة أكثر دقة وملاءمة. لماذا أقول أن هذا التذكير مهم في مطلع أي سياسة أو استراتيجية مستدامة ومتكاملة للنفايات الصلبة؟ لأن هذا التركيب وهذه النسب هي التي تميز النفايات اللبنانية عن كل نفايات العالم، ولا سيما لناحية نسب المكونات. هذا التفاوت بالنسب ينتج عنه ميزات خاصة بنفاياتنا اللبنانية، لناحية تدليلنا على من أين ينبغي أن نبدأ للتصدي لإدارتها، أي بفرز مكوناتها العضوية التي تحتوي على أكثر من 50 بالمئة من الماء، ومن حيث قيمتها الحرارية المتدنية، ومن حيث وضع أولويات التسلسل في العمليات التي يتضمنها السلم الهرمي العالمي.

في التشريعات الأوروبية، التي تلتزم هذا السلم الهرمي، يتم تحديد أولوياتها بوضوح كامل، وهذا ما يحدد بدوره الميل العام الذي تسعى إلى تحقيقه تدريجيا خطة الإدارة المتكاملة. وهكذا نعرف بأن الأولوية والأفضلية في تلك التشريعات معطاة إلى عمليات الفرز والتدوير والاسترداد المادي للموارد. ويلي مسلسل العمليات هذه بعد ذلك، عملية استرداد الطاقة من المكونات ذات القيمة الحرارية العالية، والتي لا تصلح للتدوير. في أكثر البلدان الأوروبية تطورا، والتي يحلو لمحبذي المحارق أن يتمثل بها، يتم حرق ما بين 20 و30 بالمئة فقط من نفاياتها، حيث يصار إلى تدوير ومعالجة وتصنيع المزيد منها سنة بعد سنة، وتخفيف الكميات الذاهبة إلى الطمر أيضا. فتدوير المواد واسترداد قيمتها المادية تتقدم على حرقها لاسترداد قيمتها الحرارية، هذا في أوروبا والعالم الصناعي، حيث نفاياتهم ذات قيمة حرارية أعلى بكثير من نفاياتنا، فمن الأولى أن تكون هذه الأولوية والأفضلية محترمة عندنا، حيث نفاياتنا ذات قيمة حرارية متدنية جدا. وهذه القيمة المتدنية موجودة أصلا في أفضل المكونات، التي ينبغي أن ندورها ونعالجها ونصنعها. ولذلك نرى أن تناسب عمليات الإدارة المتكاملة في أوروبا والعالم ينحو نحو تناقص نسب النفايات الذاهبة إلى الحرق لصالح تزايد نسب المكونات، التي يتم تدويرها ومعالجتها وتصنيعها، والتقليل قدر الإمكان من الكميات المحالة إلى الطمر الصحي.

هذا هو الميل العام للتشريعات والسياسات والاستراتيجيات الأوروبية والعالمية، الميل إلى زيادة نسب التدوير والمعالجة والتصنيع، والتقليل التدريجي من نسب الحرق والطمر.

كان يمكن لسياستنا أن تحترم هذا الميل، وتحدد أولوية التدوير والمعالجة والتصنيع على الحرق، أو ما يحلو للبعض تسميته بالتفكك الحراري، وهذا بالضبط ما يقول به السلم الهرمي للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة.

إذن ملاحظتنا الأولى، أن هذه السياسة في النقطة رقم 2 من مباديء السياسة، وضعت استرداد المواد واسترداد الطاقة دون تحديد أولويتها، وبذلك شوهت استخدام السلم الهرمي لصالح الحرق على حساب التدوير والمعالجة والتصنيع. وهذا برأينا على تعارض عميق مع المباديء العامة، التي جرى الإستناد إليها، من حيث النتائج والآثار على البيئة والصحة العامة، ومن حيث حسن إدارة المال العام في هذا الملف. نرى في هذه النقطة بالذات أن المنحى الواضح هو في زيادة نسبة استرداد الطاقة إلى 50 بالمئة، فهل يمكننا أن نعرف ما هي هذه المكونات، التي يفضل حرقها لاسترداد محتواها من الطاقة على تدويرها أو معالجتها وتصنيعها؟ فهل القصد في حرق البلاستيك والورق والكرتون على حساب صناعة التدوير في لبنان، التي تستحق كل تشجيع ودعم ومساندة؟ أم أن القصد، كما ينصح مجلس الإنماء والإعمار في مقترحاته لمجلس الوزراء، بإضافة حلقات، في معامل الكرنتينا والعمروسية والمعمل المنوي إنشاؤه في الكوستابرافا، لتجفيف المواد العضوية قبل إرسالها للحرق؟ وهذا برأينا هذيان اقتصادي وبيئي وصحي ومالي، إذ أنه هدر بكل الأبعاد والمعاني. ماذا يعني أن أهدر طاقة لتجفيف المواد العضوية وأرسلها للحرق، بدل معالجتها بواحدة من التقنيات المقبولة بيئيا واقتصاديا، الهضم الهوائي لصناعة الكومبوست النوعي، حيث أن سوق الكومبوست في لبنان يصل إلى 150 مليون دولار، مستوردا هذا المنتج من بلدان تحسن إدارة نفاياتها العضوية مثل هولندا وغيرها. أم بالهضم اللاهوائي، كما هي الحال في معملي صيدا وبكاسين، وهي تعتبر تجارب ناجحة لهذه التقنية، لتوليد البيوغاز والطاقة؟

جميل أن نعتمد اللامركزية في تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة. ولكن هل مهلة الشهر كافية لكي تقوم البلديات واتحادات لبلديات بتحديد خططها وتحديد أهدافها، وهي المرة الأولى التي يناط بها التعامل الجدي مع مع هذا الملف في كل سياسات وقرارات الحكومات حتى الآن؟ نحن نعتقد أن مهلة الشهر غير كافية على الإطلاق للقيام بهذه المهمة. على الأقل هي تحتاج إلى مدة ثلاثة أشهر، مع تقديم كل أشكال المساعدة لها، بحيث يستفاد من هذه المهلة للتقدم التدريجي بوضع خططها، وتحديد ما هي قادرة عليه، وما هي خياراتها البيئية السليمة. نحن نتخوف من أن ضيق هذه المدة سيؤدي إلى استسهال عدد كبير من البلديات خيار المحارق، ضنا منها أنه الترياق لإدارة النفايات تحت ثقل الأزمة المتمادية للتعامل غير السليم مع هذا الملف، ونمو المكبات العشوائية المشتعلة، والتي تطلق سمومها لتلويث الأجواء والأرض والمياه والمواد الغذائية، وتضع المواطنين أمام مخاطر صحية كبيرة. وذلك أيضا، تحت تأثير الدعاية المضلِّلة للمروِّجين والسماسرة، الذين يجولون المناطق لتقديم عروض للبلديات بتقنيات يجهلون حقيقتها ومخاطرها. فهل هذا هو المطلوب حقا؟

الملاحظة الرئيسية الثانية تتعلق بالنفايات الخطرة وما تضمنه الملخص بشأنها. جميل أن تذكرت الدولة أخيرا أن في لبنان تتولد كميات من النفايات الخطرة من مصادر مختلفة وتتطلب وضع خطة وطنية لإدارتها. ولكن ما تم طرحه في “ملخص السياسة” لم يجر استكمال حلقاته لكي يصبح مفهوم وواضح ما هي رؤية الحكومة حيال هذا الملف الهام والخطير؟ إن ما يثير القلق هو أن تناول هذه المسألة انحصر بإقامة محطات للتخزين قبل “الترحيل”. فهل تنوي الحكومة “ترحيل”، والأصح استخدام مصطلح “تصدير”، لأن هذا الأمر يخضع لإجراءات وضوابط والتزامات اتفاقية بازل بشأن حركة النفايات الخطرة عبر الحدود وإدارتها السليمة بيئيا. إذن نحن أمام توجه الحكومة إلى تصدير النفايات الخطرة إلى بلدان متقدمة مؤهلة تكنولوجيا لمعالجتها. هذا الأمر يصح لحالات طارئة ولكميات محدودة من نفايات خطرة تتولد في لبنان ولا نملك التكنولوجيات المناسبة لمعالجتها وتدميرها. هذا الأمر لا يصح على ما يعتقده البعض ممكنا، أي تصدير النفايات الخطرة المتولدة عن المحارق، ولا سيما الرماد المتطاير، الذي يتم التقاطه في فلاتر أجهزة مكافحة تلوث الهواء. فهذا الأمر غير ممكن وفق اتفاقية بازل، حيث أن هذه النفاية الخطرة معدة للتخلص النهائي وليس للمعالجة، وبالتالي على حكومة لبنان أن ترفق خططها لإنشاء محارق بخطط موازية لإنشاء مطامر هندسية ملائمة لاستقبال النفايات الخطرة. ما يحدث بين بعض البلدان الأوروبية من تبادل للنفايات فيما بينها لا يصح على لبنان على الإطلاق. أولا هي كلها بلدان منضوية تحت المرفق السابع لاتفاقية بازل، وهي أيضا بلدان منضوية في اتفاقيات محكومة بتشريعات الإتحاد الأوروبي. لبنان ليس عضوا في المرفق السابع، الذي يضم فقط البلدان الصناعية المتقدمة، التي تتمتع بقدرات تكنولوجية وفنية عالية للتعامل مع النفايات الخطرة وإدارتها بطريقة سليمة بيئيا. إذن، لا يمكن لأحد في لبنان أن يظن باستطاعته إقامة محرقة لنفاياته، ويتكل على وهم تصدير النفاية الخطرة المتولدة عنها (الرماد المتطاير) إلى الخارج. وإذا ما جرى التعامل مع هذه النفاية الخطرة بطرق ملتوية وغير سليمة بيئيا، لتحولت إلى كارثة بيئية حقيقية، وإلى وبال صحي خطير على عموم اللبنانيين.

نحن نستعجل وزارة البيئة بإجراء التعديلات الضرورية بأسرع وقت ممكن، كي تصبح سياسة متكاملة منسجمة وواضحة وبيئية، من حيث إجراءاتها وأهدافها ونتائجها. ونستعجلها أيضا في وضع الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، التي وعدت بوضعها بموازاة البدء بتنفيذ ما تضمنه “ملخصها للسياسة المستدامة”.

Pin It on Pinterest

Share This