مرة جديدة يكون اللبنانيون، وخصوصا سكان بيروت وجبل لبنان، ضحية التعرض لأطنان من الملوثات عالية الخطورة على الصحة البشرية، نظرا لسميتها العالية، وثباتها واستقرارها لسنوات طويلة في الأوساط البيئية المختلفة، بعد هبوطها من الجو إلى الأرض والمزروعات والمياه السطحية، واحتمالات تسربها إلى المياه الجوفية، التي تغذي الآبار الأرتوازية لملايين اللبنانيين في منطقة الساحل، وقدرتها المميزة على التراكم في الأوساط الحيوية، وفي أنسجة الحيوانات والمنتجات الحيوانية من بيض وأجبان وألبان، ودخولها السلسة الغذائية للإنسان.

مرة جديدة تغطي سماء بيروت وجبل لبنان غيوم كثيفة من السموم المتنوعة، الناتجة عن حوادث الحريق في مصانع لبنانية مختلفة. هذه المرة حريق هائل، هو مستمر منذ عدة ساعات، شب بعد ظهر أمس  14 شباط فبراير 2018 في معمل شركة زيوت مازولا في المكلس، ولا يزال اللهب يتجدد، وأعمدة الدخان تتصاعد على رغم الجهود الكبيرة، التي يبذلها الدفاع المدني ورجال الإطفاء.

IMG_1034 (1)

مرة جديدة تصفع وجوه اللبنانيين نتائج التقصير والإهمال على كل المستويات. من التقصير والإهمال والخلل الواضح في تطبيق إجراءات السلامة والحماية في المصنع نفسه، ومخازنه للمواد الأولية والوسطية والمنتجات النهائية، خاصة وأنها كلها مواد سريعة الإشتعال، من القناني والأوعية والكالونات البلاستيكية إلى الزيوت النباتية المختلفة، إلى خزانات الوقود والمحروقات، وكلها مواد سريعة الإشتعال، يتطلب تخزينها احتراما صارما لقواعد التخزين الآمن، وقواعد فصل المواد عن بعضها، وقواعد الإضاءة والتهوية، وحماية شبكة الكهرباء، وحماية المراجل والحراقات، وتأمين خزانات الوقود والمحروقات، واحترام إجراءات الوقاية من الحرائق في أقسام المعمل، وإجراءات منع التدخين ومنع استخدام شعلة ظاهرة في الأماكن ذات الخطر الكبير.

على إدارة هذا المعمل، وإدارات كل معامل ومصانع لبنان أن يدركوا، أن كلفة أكثر خطط الوقاية والسلامة المهنية الصناعية كمالا وشمولا، وأكثرها دقة وتجهيزا، لا تصل إلى نسبة 1 – 2 بالمئة من الخسائر المادية، التي يمكن أن تتحقق مع حصول حادث حريق واحد، كما هي الحالة الآن. هذا إذا لم تقع خسائر وضحايا بشرية وجرحى بين العاملين والمتواجدين في مواقع نشوب الحريق.

IMG_1033

في كل مرة نطرح السؤال، من هي الوزارات المعنية بالمراقبة الجدية على تطبيق خطط الوقاية والسلامة المهنية في مصانع لبنان من كل الفئات؟ أهي وزارة الصناعة؟ أم وزارة العمل؟ وما هو دور جمعية الصناعيين في تطبيق سياسات وخطط الوقاية والسلامة المهنية؟

هل تقوم هذه الجهات الرسمية وغير الرسمية بواجباتها؟ أم هي غارقة في التقصير والإهمال أيضا، ما يساهم في رفع احتمالات تكرار هذه الكوارث، مع كل مخاطرها على الصحة العامة والبيئة وسلامة وأمن المواطنين في مناطق واسعة مكتظة بالسكان؟

كيف تتدخل وزارة البيئة ووزارة الصحة العامة في الإسهام بالحد من احتمالات وقوع هذا النوع من الحوادث، التي يمكن تفاديها ومنع حدوثها، إلا إذا تمت بعمل تخريبي مقصود، وهذا يقع تحت عنوان الجريمة، التي يتولاها القضاء لجلاء تفاصيلها والمسؤوليات عنها.

إن التهاون مع هذه المخاطر هو خطأ كبير، بل جريمة كبيرة تجاه صحة اللبنانيين وبيئتهم وأمانهم وسلامتهم ورفاه حياتهم. إنها خسائر كبيرة يمكن تلافيها بحسن الإدارة والتدبير وتطبيق إجراءات الوقاية والسلامة المهنية الصناعية.

57282

 

Pin It on Pinterest

Share This