اليوم سوف يقر مجلس الوزراء بالإجماع طبعا، ودون مناقشة أو اعتراض أو ملاحظة أو تحفظ من أحد، مبالغ بملايين الدولارات تحت عنوان معالجة المكبات العشوائية. وإنما في الحقيقة، استغلال هذا العنوان المؤلم لكل اللبنانيين، لكي يؤمنوا أموال الحملات الإنتخابية، التي تقرع الأبواب بعد شهرين ونيف.

يبدو أن هذا القرار سيكون في سياق حركة حكومية واسعة لتمرير تمويل مشاريع، بشكل استثنائي ومن خارج بنود الموازنة، لتمويل الحملات الإنتخابية لعدد كبير من القوى المكونة للحكومة.

هناك من استفاق الآن على مكننة مؤسسته، وهناك آخرون استشعروا ضرورة توسعة مطار بيروت اليوم وقبل الغد، فهو يغص بملايين السواح القادمين إلى ربوع مزابلنا المنتشرة في كل هضاب ووديان وسفوح وشواطيء لبنان.

وكذلك الآن استحق تمديد عقود شركات تشغيل وتقديم الخدمات لكهرباء لبنان، نضجت الطبخة مع افتتاح باب الترشيح للإنتخابات النيابية.

وامتدت الطبخة لتشمل وزيري الصحة والبيئة، حيث استفاقا بليلة لم يأتها ضوء القمر، على أن في لبنان مزابل تشتعل وتطلق في الهواء ملوثات خطيرة على الصحة، وترفع نسب المصابين بالأمراض التنفسية والسرطانية.

حتى الأمس القريب، كان كل هؤلاء صم بكم لا يسمعون ولا يتجاوبون ولا يتفاعلون، ولا كأن شيئا يقلق راحتهم.

لقد ملأنا البلد صراخا ومناشدة ودقا لنواقيس الخطر. عشرات المقالات والندوات والمقابلات الصحافية، في الصحافة المقروءة وفي الإذاعات وعلى شاشات التلفزيونات. ملأنا الأثير تحقيقات وصورا تضيء على المشكلة الكبرى، التي تفاقمت بوتائر مقلقة جدا منذ أزمة النفايات في تموز 2015 وحتى الآن. وقام غيرنا أيضا، والجامعات ومراكز الأبحاث بوضع دراسات أكاديمية دلت بكل وضوح على المخاطر الجسيمة، التي تمثلها المزابل العشوائية وحرائقها والملوثات المنبعثة منها، التي تغطي أجواء لبنان كلها. وقامت أيضا منظمات دولية بالإضاءة على هذه المخاطر بتقارير ارتكزت فيها على دراسات ومراجعات ومتابعات وملاحظات بشأن الآثار المدمرة للمكبات العشوائية، التي غزت ربوع لبنان كلها، المشتعلة في معظم الأوقات، وما تسببه من تهديد كبير للأمان الصحي للبنانيين.

كل هذا يستمر منذ 2015 وحتى الآن، لم يحركوا ساكنا، ولم يتخذوا أي إجراء، بل اكتفوا بتصريحات بليدة من وقت لآخر، تزيد من قلق اللبنانيين على بيئتهم وعلى صحتهم وصحة أبنائهم وأحفادهم وأجيالهم الآتية، ولا تؤشر لأي جدية في التعامل مع هذه الأزمة المتزايدة ثقلا وخطرا.

ازداد عدد المزابل العشوائية على خلفية الفشل الذريع لسياسات وقرارات وخيارات الحكومات، بما فيها الحكومة الحالية، حيال ملف إدارة النفايات. فنقلت البلد من فشل إلى فشل أكبر، وأكثر خطرا وتهديدا على سلامة البيئة اللبنانية، بحرا وساحلا وجبلا وسهلا ومياها فوق الأرض وتحتها، وتهديدا لصحة اللبنانين بأكثر الأمراض خطورة واستعصاء. وترافق ذلك بمزيد من نهب المال العام بمئات الملايين من الدولارات على حساب الخيارات السليمة للإدارة المتكاملة للنفايات في لبنان.

فجأة، ومع فتح باب الترشيح للإنتخابات النيابية، استفاق وزيري الصحة والبيئة على أن في لبنان مشكلة علينا توفير المال لمعالجتها. ولكن أين وكيف؟ في مناطقهم والدوائر الانتخابية التي ينوون الترشح فيها. هكذا إذن، لبنان بالنسبة لهؤلاء هو دوائرهم الإنتخابية. هناك فقط يوجد مزابل عشوائية تحتاج إلى أموال عامة لمعالجتها. وكيف ستتم المعالجة يا جهابذة؟ بنقلها إلى مكباتكم الشاطئية، التي تسمونها زورا مطامر صحية في الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة. أي صنف من رجال الدولة أنتم؟

أما مزابل الجنوب المشتعلة على مدار الساعة في الجية والصرفند وفرون والغندورية وزوطر الغربية والكفور، وغيرها الكثير الكثير، حيث نمت كالفطر في تلال لبنان كافة. ففي منطقة النبطية وحدها أصبح عدد المزابل العشوائية 30 مزبلة. وعلى هذه الوتيرة زادت أعدادها في كل مناطق لبنان. في البقاع وبعلبك الهرمل، في الشمال وعكار، مئات المكبات العشوائية المشتعلة، وفي بعض مناطق جبل لبنان، حتى تجاوز عددها1350  مكباً عشوائيا، وليس كما يحلو لهم تخفيض العدد إلى ما دون الألف.

إذن الوزراء يطلبون بضعة ملايين من الدولارات لتمويل حملاتهم الانتخابية، وللرشوة الانتخابية لناخبيهم في دوائرهم ومناطقهم، تحت عنوان تخفيف العبء البيئي والصحي، ومعالجة أو نقل مكباتهم من هذه المناطق لتلويث مناطق لبنانية أخرى.

وماذا عن مكباتنا العشوائية في الجنوب والبقاع وبعلبك الهرمل والشمال وعكار؟ أم أن هذه المناطق، التي تسمونها في لغتكم البالية أطرافا، لا تستحق أن تكون جزءا من خطة وطنية لمعاجتها.

ومن جهة أخرى، أي سياسة تطبقون، وأي استراتيجية تعتمدون؟ فمعالجة المكبات العشوائية هي ضرورة حقيقية، ولكن في سياق خطة وطنية شاملة ومتكاملة لإدارة النفايات إدارة سليمة بيئيا وآمنة صحيا ومعقولة الكلفة. تأتي من ضمنها، ومكمل لها خطة وطنية شاملة لمعالجة المكبات العشوائية في كل لبنان.

مسكين يا شعب لبنان العظيم، يتاجرون حتى بمأساتك، التي نتجت عن سياساتهم الخرقاء، يتاجرون بمرضك ومعاناتك وتنغيص حياتك، لتمويل حملاتهم الانتخابية، بكل جرأة دون أن يرجف لهم جفن أو ترف لهم عين.

اليوم سوف يقر مجلس الوزراء بالإجماع، ودون أي مناقشة أو اعتراض أو تحفظ. “مرقلي لمرقلك”، هكذا يحكم التحالف الطائفي المذهبي لبنان، وهكذا يسوسه. إخس عليكم، إنكم تسيئون استعمال ما أنتم مؤتمنون عليه أمام الله والشعب والتاريخ.

Pin It on Pinterest

Share This