للسنة الرابعة على التوالي نحن شهود على غرق الحكومات، مرة بعد مرة، في ارتباك وتناقضات كبيرة بقراراتها وخياراتها حيال ملف النفايات. وقد أصبح واضحا وضوح الشمس، أن تلك القرارات والخيارات تلبي مصالح فئوية، على حساب البيئة والصحة البشرية والمال العام.
ويتجلى الإرتباك والتناقض الكبير في ما توافق عليه الحكومة، وأحيانا في جلسة واحدة. من جهة تقر خطة الإدارة المتكاملة للنفايات، التي تتضمن الدعوة للتخفيف من تولد النفايات، والفرز من المصدر وفي مراكز متخصصة في مختلف المناطق اللبنانية، وفصل المواد القابلة للتدوير لاسترداد قيمتها وحفظ مواردها، من ورق وكرتون ومواد بلاستيكية ومعادن وزجاج، ومعالجة مكوناتها العضوية بالتقنيات المناسبة بالتسبيخ لإنتاج الكومبوست، أو بالهضم اللاهوائي لإنتاج البيوغاز والطاقة. ومن جهة أخرى تقر اعتماد المحارق كخيار استراتيجي للتخلص من النفايات. هذان الخياران على تناقض كبير، وتعارض صارخ، فالواحد منهما لا يكمل الآخر، بل أن خيار المحارق ينسف عمليا خيار الإدارة المتكاملة في لبنان. إن الفرز الذي يسبق الحرق، وفق رؤية الحكومة، سيطاول فقط المعادن، وليس كل الموارد القابلة للتدوير والمعالجة لكي تتحول إلى موارد قابلة للاستعمال، إما في تحسين التربة (الكومبوست)، وإما في إنتاج الطاقة (الهضم اللاهوائي). والكل بات يعرف أن الإستشاري الدولي “رامبول” Ramboll، الذي يعتمد قرار الحكومة لخيار المحارق على دراساته ودفتر شروطه، يطلب إبقاء الورق والكرتون والمواد البلاستيكية في عداد النفايات الداخلة للمحارق. وهذا في تعارض صريح وكامل مع خيار الفرز والتدوير الذي تقول به الإدارة المتكاملة. وكذلك يطلب الإستشاري نفسه نزع 20 بالمئة فقط من المكونات العضوية، بهدف تخفيف الرطوبة التي تحملها، وهي معيقة لعملية الحرق، حيث أن المكونات العضوية، التي تشكل نسبة 60 بالمئة من نفايات لبنان، تحتوي على 60 بالمئة ماء. أي أن كل طن من نفايات لبنان يحتوي على 360 كلغ من الماء، الذي يفترض أن يتم تبخره قبل احتراق المواد التي تحمله. كل هذه المتطلبات هي ضرورية كي تصبح عملية الحرق ممكنة بالحد الأدنى من القيمة الحرارية للنفايات، التي تسمح من حيث المبدأ بالحديث عن خيار الحرق كتقنية ممكنة للتخلص من النفايات. وهكذا، يصبح أي حديث عن مقولة “من نفايات إلى طاقة”، حديث يفتقر كليا للدقة العلمية، ويصبح اللجوء إليه غاية للتضليل ولإيهام الناس أنه عبر حرق النفايات، ستتم معالجة معاناتهم الشديدة والمديدة من أزمة الكهرباء، في بلد تستنزف حكوماته أموال شعبه على صفقات الفساد في كل الملفات، بما فيها ملفي الكهرباء والنفايات معا، دون توفير المستوى المطلوب والمقبول من هذه الخدمات.
في المقلب الآخر، نرى في المجتع المدني وفي الجامعات، نموذجا آخرا من المبادرات السليمة، والسائرة بثقة واضطراد نحو النجاح وتحقيق أهداف المعالجة السليمة للنفايات، وفق رؤية سليمة للتنمية المستدامة. حبذا لو تأخذ الحكومة منها العبر، لتحولها إلى سياسات واستراتيجيات رسمية وطنية. بل أدنى من ذلك بكثير، حبذا لو أن الحكومة ترعى وتدعم وتساعد هذه المبادرات، ولا تتركها لمصيرها بمواجهة الصعاب والمعوقات من كل نوع وصنف.
مؤسسة “الهادي للإعاقة البصرية والسمعية”، مؤسسة أهلية، يفتخر المجتمع المدني بها وبنشاطها، وهي عضو فاعل ونشيط ومبادر في إطار “الحركة البيئية اللبنانية”، ترعى بنجاح كبير مبادرة لفرز جميع أنواع النفايات، ولترشيد الطاقة، وللتوعية والتدريب على الممارسات السلوكية البيئية اليومية السليمة. وهي تشكل نموذجا يحتذى، حبذا لو أن الحكومة تقوم بزيارة هذه المؤسسة ودرس تجربتها، واستخلاص العبر والدروس والأمثولات المباشرة وغير المباشرة منها. استحقت مدرسة هذه المؤسسة بجدارة وسام المدرسة البيئية الأولى في لبنان.
وعلى مستوى الأكاديميا، نحن شهود لتجربة رائدة أيضا، أطلقتها عميدة كلية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية البروفيسورة الدكتورة نينا سعدالله زيدان. نمت هذه المبادرة وتحولت إلى إطلاق “النادي البيئي” في الكلية، وانطلق مشروع فرز النفايات، وهو ينمو يوما بعد يوم وسنة بعد سنة. يزداد باستمرار عدد الطلاب المشاركين في هذه المبادرة الجميلة، ويتزايد عدد الطالبات والطلاب الناشطين في هذا العمل، مما دعى البلدية في المنطقة إلى مد يد التعاون وتسهيل نقل النفايات المفروزة. يقوم عدد من الأساتذة بمشاركة كبيرة في العمل على إنجاح هذه المبادرة. تلعب المدربة الاجتماعية في الكلية الأستاذة أمل أبي حرب، والعديد من الدكاترة، على سبيل المثال لا الحصر، الدكتورة أمال افرام، والدكتورة سليمى شامات، وغيرهن الكثيرات والكثر.
منذ أيام احتفلت كلية العلوم، الفرع الثاني، للجامعة اللبنانية، بإطلاق مشروعها لفرز النفايات، بمبادرة كريمة ودعم كبير من مدير الكلية الدكتور شوقي صليبا، وعدد آخر من الأساتذة في الكلية، بالإضافة إلى عدد كبير من الطالبات والطلاب الناشطين في هذه المبادرة، التي تدعمها وتمد يد العون لها منظمة “إينوديف” Innodev غير الحكومية.
تتوسع مبادرات فرز النفايات في الجامعة اللبنانية، ونتمنى أن تتوسع لتشمل كل الكليات، وكل الجامعات، وكل المؤسسات التعليمية والتربوية، الخاصة والعامة، في لبنان، لإعطاء الدرس الشافي لحكوماتنا، ولتتعلم كيف يجب أن يتم التعامل مع ملف النفايات بطريقة سليمة، تحافظ على البيئة والصحة العامة والأموال العامة.
لتتعلم الحكومة من المجتمع المدني والأكاديميا التفكير السليم حيال ملف النفايات وكل ملفات البلد.

Pin It on Pinterest

Share This