لو أتيح لمشاريع السدود، التي تقوم الحكومات المتعاقبة بالتسرع في إقرارها وتنفيذها، بعيدا عن احترام الإجراءات القانونية والمتعلقة بالتراخيص المرتكزة على دراسات موثوقة، أن تخضع لنقاش علني وشفاف ومسؤول، لكانت كلها قد تم التراجع عنها، والبحث عن بدائل استراتيجية  لها لتوفير ما يحتاجه الاقتصاد الوطني والشعب اللبناني من المياه الصالحة للشرب وللاستعمالات الأخرى.

إن بعض مشاريع السدود، التي قد أقرت ونفذت على عجل، تحتاج على وجه السرعة إلى القيام بعملية تقييم لفعاليتها، وجدوى إقامتها، ودرس معمق للآثار السلبية الناتجة والتي ستنتج عنها، وذلك أيضا بشكل علني وشفاف، وبمشاركة المجتمع المدني الصادق والأمين والحامل الحقيقي لمصالح البلد والشعب، القريبة والبعيدة.

لقد قامت منظمات المجتمع المدني في لبنان، بالإضافة إلى تلك المعنية مباشرة بمشروع إقامة سد بسري بمواجهة المشروع والاعتراض عليه. وانتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي، وفي الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، نقاشات جادة لهذا المشروع، وطرحت العديد من المخاوف والهواجس، والعديد من النواقص الجوهرية، المرافقة للتخطيط واتخاذ القرار بشأن هذه المشروع على المستويين اللبناني، أي مجلس النواب، والحكومة ومجلس الإنماء والإعمار، والدولي، أي البنك الدولي، الممول لهذا المشروع عبر قرض بقيمة تزيد عن 400 مليون دولار.

كل ذلك جيد، ولكن لا بد أن نشيد بالمسار، الذي اتخذته “الحركة البيئية اللبنانية” لمتابعة هذا الملف. ما قامت وتقوم به من عمل عالي المسؤولية حيال هذا الملف وغيره من الملفات الهامة، حيث عملت بدأب وبأناة كبيرين على استنهاض عدد كبير من الهامات العلمية والفنية في لبنان، والحمد لله أننا في بلد يفتخر بكفاءاته العلمية على كل المستويات، اللبنانية الداخلية والعربية الإقليمية والعالمية. ومن جهة أخرى، ارتكزت على ما هو معلن من سياسات البنك الدولي، الجهة الممولة للمشروع، ما يتيح فتح نقاش جدي وعلني وشفاف وعميق علميا وفنيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، حول هذا المشروع، لتحليل كل معطياته ومرتكزاته.

هذا الجهد المثابر أدى إلى موافقة البنك الدولي على تنظيم حلقتين للنقاش العلمي والمسؤول والعميق والشفاف، الأولى تتعلق ببحث المسائل الفنية الجيولوجية والزلزالية والهيكلية والهيدروجيولوجية، وأخرى تتعلق بالقضايا الإقتصادية الاجتماعية والبيئية.

نظم في بيروت، الأسبوع الفائت، حلقة نقاش استمرت لأكثر من 90 دقيقة، شارك فيها من “نيويورك” ثلاثة خبراء جيولوجيين من البنك الدولي، المعنيين بقرار هذا البنك على تمويل مشروع سد بسري. وشارك فيها من لبنان، كممثلين عن المجتمع المدني، بمبادرة وتنظيم “الحركة البيئية اللبنانية”، مجموعة من الأساتذة الكبار والباحثين في الجيولوجيا والزلازل والهيدروجيولوجيا ومهندسين مدنيين وخبراء بيئيين وبالاقتصاد المائي والزراعة والتنوع الحيوي وتغير المناخ، بالإضافة إلى نشطاء من المجتمع المدني يحملون قضايا المجتمع المحلي في منطقة بسري ومصالحهم الآنية والمستقبلية.

اقتصر النقاش في الحلقة الأولى، على الجوانب التقنية، وتحدث فيها من جانب المجتمع المدني اللبناني البروفيسور الجيولوجي  الدكتور محمد الخولي، والبروفيسور الجيولوجي والزلزالي الدكتور طوني نمر، والبروفيسور الهيدروجيولوجي الدكتور ولسن رزق، بالإضافة إلى ممثلي الأهالي في منطقة بسري. وتحدث من جانب البنك الدولي الدكتور كاري هويغ Dr. Kaare Höeg، والدكتور مصطفى أرديك Mostapha Erdik، بتيسير من فريق البنك الدولي في بيروت وتسهيلات تقنية للترجمة المباشرة.

تم التركيز على عدد من القضايا المفصلية وكبيرة الأهمية، التي يرتكز عليها المجتمع المدني في رفضه القاطع لمشروع سد وبحيرة بسري. إذ أن مسألة السلامة، لا تقتصر على سلامة السد والبحيرة، بل تمتد أيضا لتشمل بأهميتها سلامة المجتمع المحلي والخدمات والأرض في المنطقة، وخاصة أن الارض زراعية بامتياز، في حالة وقوع الكارثة. إن المسألة لا يمكن حصرها ببناء السد، بل علينا أن نتوسع باعتباراتنا لنشمل البحيرة والمجتمع المحلي. هذا ما دعا إليه الدكتور خولي في مداخلاته.

واحتلت الإشكاليات الجيولوجية الخاصة الحيز الأكبر من النقاش، وذلك يعود إلى أن خبراء البنك الدولي لم يعطوا هذه الإشكاليات الجيولوجية الأهمية التي تستحقها، أو أن قراراتهم ارتكزت على معلومات جيولوجية خاطئة.

تناول البحث أربعة متطلبات للسلامة، السلامة الهيكلية Structural safety، والرصد والتحليل Monitoring and analysis، وسلامة التشغيل المستدام، وتخطيط الطواريء وتحليل المخاطر، بالنسبة لمشروع السد نفسه والبحيرة والمجتمع المحلي.

لم يتناول خبراء البنك الدولي القضايا المتعلقة بالهيدروجيولوجيا. وهذا ما دعا الخبراء اللبنانيين أن يعبروا عن استهجانهم لعدم وجود أي هيدروجيولوجي يتمتع بالخبرة والتجربة الكافية في هيئة التقرير بشأن مشروع سد بسري. وتساءل الخبراء اللبنانيون حول ما إذا كان خبراء البنك الدولي قد قاموا بزيارات ميدانية للمواقع المتعلقة بمشروع السد والبحيرة، حيث أن الإكتفاء بالعودة إلى بعض المراجع اللبنانية، أو من المنطقة، غير كاف على الإطلاق. وإذا كان هؤلاء الخبراء قد زاروا الموقع، فهل سمحت زيارتهم بالاطلاع على خصائص الموقع والوثائق العلمية الموثوقة المتعلقة به. إذ لا يعقل أن يكون هناك مشروع كبير من هذا القبيل، يتأثر به مئات ألوف الناس، دون القيام بتحليل سلامة المشروع، أو أن يتم هذا التحليل من قبل أشخاص تنقصهم الخبرة، أو أنهم لم يزورا الموقع إطلاقا، أو أنهم اكتفوا بالإطلاع على بعض التقارير غير الكافية.

من جهة أخرى، خاض الدكتور نمر، من الفريق اللبناني نقاشا دقيقا وموثقا ومرتكزا على المعطيات العلمية الموثوقة، بشأن القضايا المتعلقة بالجيولوجيا والزلازل.

إن القرارات التقنية، المتعلقة بالموافقة على مشروع سد بسري من قبل خبراء البنك الدولي، ارتكزت بشكل واسع وأساسي على تقرير الدكتور عطا إلياس، الذي هو بحد ذاته موضوع جدل ونقاش علمي جدي، لناحية دقة وموثوقية وعلمية معطياته وخلاصاته. وأن هذه القرارات تجاهلت، أو لم تعتمد، على دراسات جيولوجية وزلزالية أخرى في منطقة المشروع.

تركز اهتمام خبراء البنك الدولي على سلامة هيكلية السد بغض النظر عن موقع وجوده. أي بتجاهل تام لكونه مخطط لأن يقوم على مساحة تقع فوق تقاطع فالقين نشيطين للزلازل. السؤال الكبير والخطير، ماذا يمكن أن ينتج عن وجود سد وخزان بحيرته، الذي يزن ملايين الأطنان، على هذه المساحة بالذات؟

بدا أن جيولوجيي البنك الدولي ليسوا على علم بالتحديات الجيولوجية والزلزالية والهيكلية الخاصة بمنطقة المشروع. وهذا ما ظهر بنقاشاتهم العامة، وخصوصا فيما يلي:

  • أشار أحد خبراء البنك الدولي أن الفالق الموجود تحت سد بسري هو غير نشيط (أي فالق روم). لقد شكل هذا الإعلان ويشكل صدمة كبيرة لخبراء الجيولوجيا والزلازل اللبنانيين، وذلك بسبب قلة المعرفة لحقيقة جيولوجية وزلزالية بسيطة عن فوالق لبنان الزلزالية النشيطة.
  • استشهد خبير آخر ببحث للدكتور نمر نفسه، منشور في العام 2006، حيث ظهر عدم فهم دقيق للبحث الذي استند إليه في الوصول لاستنتاجاته، وهذا ما تطلب إعادة شرح دقيق وعميق من قبل الدكتور نمر.
  • لم يعرب فريق البنك الدولي عن تقديره للواقع المتعلق بأن صخور الجانب الجنوبي من الموقع حيث مخطط لأن تقوم بحيرة سد بسري، خلف السد، هي مكونة من حجر رملي معزز بشكل ضعيف. وأن الجانب الشمالي مكون من الحجر الجيري (الكلسي) الكاريستي. ومن المؤكد أن هذه المواد الصخرية والحجرية تسبب تسرب مياه البحيرات إلى ما تحت سطح الأرض، وتؤدي إلى تلويث المياه في المنطقة.
  • خلص النقاش العميق والمسؤول والدقيق والمرتكز على معطيات علمية موثوقة إلى ضرورة إعلان ما يلي:

“نؤكد ونود أن نوثق بطريقة رسمية على أنه في حالة حصول أي آثار سلبية أو كارثية، يمكن أن تنتج في المستقبل عن وجود سد وبحيرة في منطقة بسري، فإننا سوف نحمِّل المسؤولية ونقاضي أي هيئة لبنانية أو دولية أو فرد أو أفراد كان لهم أي دور في التخطيط أو التوصية أو الموافقة أو التمويل أو تنفيذ مشروع سد بسري وبحيرته أمام المحاكم اللبنانية والدولية.” عليهم أن يعلموا.

هذه حصيلة جلسة النقاش التقنية، إن القرارات المتعلقة بإقامة وتمويل بسد بسري مبنية على دراسات وتقارير غير علمية وغير موثوقة، ولا ترتقي إلى المستوى الصلب من الثقة والدقة العلمية المطلوب لاتخاذها.

ماذا ستكون حصيلة جلسة النقاش الاقتصادي – الاجتماعي – البيئي؟ لننتظر ونرى.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This