تابعت حكومة لبنان تسجيل أرقام قياسية في تدمير البيئة اللبنانية وتلويثها، هواء ومياها وأرضا وبحرا، جبلا وسهلا وشاطئا، وتحقيق مستويات قياسية في رفع تهديد صحة اللبنانيين وتعرضهم للأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والمستعصية، التي تصيب هذا الجيل وأجيال عدة للمستقبل، والوصول إلى مبالغ قياسية في هدر المال العام ونهبه، في سياسات وخيارات تفتقد للحد الأدنى من العقلانية والفعالية البيئية.

يمكننا القول بحق أن العام 2017 عام الأرقام القياسية في كل المجالات البيئية والمرتبطة بالسياسات والخيارات البيئية التي سلكتها الحكومة، مستكملة ما بدأته الحكومات السابقة في استخدام الملفات البيئية لمصالح فئوية، على حساب المصالح الوطنية، المستدامة والثابتة للشعب اللبناني في بيئة سليمة وآمنة، وفي حسن إنفاق المال العام، المؤتمنة عليه أمام الله والتاريخ.

كان العام 2015 عام عبث الحكومة بنفايات لبنان، و2016 عام عبث الحكومة بنفايات وبيئة لبنان وصحة شعبه، حيث أعلنت مصادر صحية رسمية أن لبنان يسجل أعلى نسبة أمراض سرطانية في الشرق الأوسط، و2017 عام عبث الحكومة ببيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام وقوته ولقمة عيشه…

في ملف النفايات، الأزمة مستمرة، والسياسات الخاطئة مستمرة أيضا، بصلافة وإصرار موصوفين، تنقل البلد في حلقات متتابعة ومتصاعدة من التدمير البيئي والخطر الصحي والهدر المتمادي. شهد هذا العام عقودا بما يزيد عن 400 مليون دولار في مشاريع النفايات وحلقاتها ومطامرها غير النظامية، في برج حمود والجديدة والكوستابرافا على الشواطيء اللبنانية. تأبى الحكومة إلا وأن تختتم العام بمشروع توسعة هذه المطامر وردم الواجهة البحرية والعبث بالمنظومة البيئية البحرية بكلفة تتجاوز 200 مليون دولار إضافية، ليصل مجموع عقود النفايات في العام 2017 إلى أكثر من 600 مليون دولار. ولا يزال البلد غارقا في الزبالة والمزابل، وفي تلويث البحر وردمه وتدمير الشواطيء ومصادرة الواجهة البحرية، وفي تعريض صحة اللبنانيين لأكبر المخاطر من التلوث في الهواء والمياه السطحية والجوفية والأرض والبحر، وبالتالي السلسة الغذائية بكل تنوعها.

إصرار على تجاهل وإنكار مقتضيات الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا، والآمنة صحيا، ومعقولة الكلفة، التي تؤمنها سياسة التخفيف والفرز والتدوير واسترداد قيمة الموارد المكونة للنفايات، والتخلص الآمن من المتبقيات عبر إشغال الفكر والبحث العلمي والهندسة البيئية والصناعية في التفتيش عن سبل تصنيع مكوناتها، وقد حققت بالفعل تقدما ملحوظا، وقدمت خيارات ذكية وهامة لتخفيف المتبقيات المطلوب التخلص النهائي منها تدريجيا، باتجاه ميل هادف وواضح نحو تصفيرها.

مستويات قياسية أيضا حققتها السلطة السياسية بكل قواها، في الضغط على القضاء، بمحاولات جادة ومستميتة لليِّ ذراعه، وفي السعي لتعطيل القضاء البيئي، وتسويف قرارات المحاكم التي قضت في دعاوى الكوستابرافا وبرج حمود – الجديدة، وتهميش دوره وإضعاف فعاليته في مكافحة التلوث ومسببيه، وفي تطبيق القانون، حمايةً للبيئة بكل أوساطها من التعديات والمخالفات، وفي المقدمة منها تلك التي تقوم بها إدارات ومؤسسات الدولة، والشركات الخاصة المرتبطة بقوى فاعلة في السلطة.

مستويات قياسية تحققت أيضا في الإستهتار بالأمن والسلامة العامة، فكان التفريط بسلامة الطيران المدني في مطار بيروت، عبر إقامة منشآت تستقبل مئات آلاف، بل ملايين الأطنان من نفايات تحتوي أكثر من نصفها مكونات عضوية قابلة للتعفن والتحلل، وتجتذب الطيور التي تهدد سلامة الطيران، وقد هددتها بالفعل، إلى أن كانت المجزرة – الفضيحة، التي نفذتها الحكومة عبر أدواتها، حيث أعدمت ما يزيد عن 11 ألف طير من النورس في مهلكة استمرت يومين متتاليين على يد قواصين مؤجورين. واليوم، يسيرون بخطى سريعة نحو تحقيق أرقام قياسية جديدة في الإصرار على توسعة موقع المطمر غير النظامي في الكوستابرافا، وردم البحر، وإنشاء معمل للنفايات، إمعانا في السياسات والخيارات الخاطئة والمدمرة للبيئة وللأمان الصحي في الوقت عينه.

مستويات قياسية جديدة تحققها الحكومة في ردم ملايين الأمتار المربعة من البحر، واحتلال مساحات من الواجهة البحرية تنمو كالفطر، من البيال إلى ضبيه، إلى برج حمود – الجديدة، وصولا إلى الكوستابرافا وصيدا، وربما غدا في طرابلس وغيرها من المدن والبلدات الساحلية من عكار حتى الناقورة، وتعطيل حقوق اللبنانيين، بأجيالهم المتلاحقة، في شاطيء البحر. والإمعان في تدمير المنظومة البيئية الساحلية، غير عابئين بتلوث البحر، وما يرتبه من تبعات على تلويث الثروة السمكية، وتخريب منظوماتها وتهديد استقرار دورة حياتها وتكاثرها، وما يتبعه من مخاطر على صحة المستهلكين لثمار البحر غذاء لهم.

مستويات قياسية تحققت أيضا في تلوث الليطاني وبحيرة القرعون، فتراكمت عبر العقود ملوثات من كل صنف ونوع، من مصادر الصرف الصحي، الضحية – الفضيحة لسياسات الحكومات المتعاقبة في التنمية المنقوصة والمجتزأة وغير المستدامة، التي أنفقت مئات ملايين الدولارات من مال الشعب على شبكات مجارير تصب في نهر الليطاني، أو في البحر، أو في الوديان والمجاري الشتوية، غير مربوطة بمحطات فعالة للمعالجة. وأنفقت ملايين مماثلة في بناء محطات لمعالجة المياه المبتذلة معطلة لا تعمل، أو أنها تعمل دون أي فعالية. وتراكمت الملوثات الصناعية، التي لا تزال تصب سمومها في النهر أو في فروعه وروافده، أو في حوضه. وكذلك مصادر أخرى من التلوث مرتبطة بسوء إدارة النفايات، وغياب ترشيد استخدام الأدوية والأسمدة الزراعية الكيميائية السامة.

مستويات قياسية للتلوث لا تزال مستمرة في التدفق والتراكم في النهر وحوضه، وفي المقابل مبالغ قياسية من الأموال المرصودة لمعالجته. أكثر من 800 مليون دولار من أموال الشعب اللبناني رصدت في قانون برنامج لمدة 7 سنوات لمعالجة أسباب ومصادر التلوث في نهر الليطاني وبحيرة القرعون. سنة كاملة مرت على هذا القانون، ماذا كانت الإنجازات؟ صرف أموال طائلة في غير محلها، ودون أي فعالية تخفف من تدفق الملوثات من كل المصادر إلى النهر وحوضه. مستويات قياسية من الإهمال، والبلادة، والتجاهل، وسوء الإدارة والتدبير، وهزال المؤسسات المتابعة، وعقم سياسات وممارسات الأجهزة المناط بها معالجة الكارثة الوطنية الكبرى، وضعف واضح في فعالية عمل اللجنة الوزارية الخاصة بمعالجة تلوث الليطاني. هذه هي الحصيلة الحقيقية للعام 2017 في هذا الملف، دون مداراة والتفاف على الوقائع، ودون تبرير للتقصير والتخفيف من آثاره المدمرة. هذه هي الحقيقة المرة التي يتلوى بنارها اللبنانيون، الذين يعيشون مأساة تلوث الليطاني وبحيرة القرعون، ويدفعون من اقتصادهم ولقمة خبزهم وصحتهم ورفاه عيشهم أثمانا باهظة لها.

مستويات قياسية من السير بالإتجاه المعاكس للعالم أجمع مع استفاقة القوى النافذة في وضع سياسات إدارة النفايات على اعتبار الحرق، بكل تنوع تقنياته، استراتيجية جديدة بعد استنزاف خيارات الطمر تدميرا للأوساط البيئية وعبثا بها وتلويثها، واعتماد التضليل الوقح في تسمية الحرق استراتيجية “مستدامة” لإدارة النفايات. نفايات لبنان، بتركيبها وتناسب مكوناتها، هي فقيرة بالإجمال بقيمتها الحرارية وبقابليتها للإحتراق. وهذا يعني ضرورة الاستعانة بأطنان من الوقود والفيول لتحقيق الحرق المرجو. والحرق لن يتحقق إلا بعد التضحية بموارد أساسية للتدوير، مثل البلاستيك والورق، وهي موضوع صناعات لبنانية ناجحة، وكذلك بموارد أساسية للمعالجة، مثل المكونات العضوية، بالتسبيخ الهوائي لإنتاج الكومبوست، وهو سلعة نستوردها لتلبية حاجات سوقنا الداخلي، أو بالهضم اللاهوائي لإنتاج البيوغاز وبالتالي الطاقة النظيفة. إن السير بخيار المحارق هو سير نحو مستوى جديد من العبثية في إدارة النفايات. إن المحارق، بكل تسمياتها التضليلية، من “تفكك حراري”، إلى “من نفايات إلى طاقة”، وصولا إلى “التغييز Gasification”، وما هي إلا تقنية الحرق في وسط فقير بالأوكسجين، وتحويل المواد المعدة للتدوير والمعالجة، أي الورق والبلاستيك والمواد العضوية، إلى غازات غنية بأول أوكسيد الكربون والهيدروجين، وبلائحة طويلة أيضا من الغازات الضارة والسامة وشديدة السمية، إنما هي تقنية تقع على طرف نقيض تماما للتدوير والمعالجة، التي تمثل المفاهيم الأساسية المحدِّدة للاستراتيجية المستدامة الحقيقية لإدارة النفايات.

مستويات قياسية تحققها الحكومة أيضا، في مجال إغفال المقالع والتدمير المنظم ونهش الجبال والغطاء الأخضر. وبتنا نتوقع أن تطل مدينة زحلة وبلدات البقاع على البحر، بعد التدمير التدريجي لجبال ظهر البيدر وعين دارة، إضافة لتشويه جبال وهضاب لبنان في كل المناطق.

مستويات قياسية نشهدها أيضا في عبث سياسات الحكومة حيال إدارة الثروة المائية. فمن جهة، تتركها فريسة للتلويث من كل المصادر ومن كل الأنواع لتعدم الحياة في منظوماتها البيئية النهرية، كما هو حاصل فعلا في أكبر وأهم نهر في لبنان، نهر الليطاني وبحيرة القرعون، ولتهدد مصادر المياه السطحية والجوفية بأكبر المخاطر. ومن جهة أخرى، تسير بسياسة تنتمي إلى الرؤى البائدة في إدارة الثروة المائية، سياسة بناء السدود التي لا طائل منها، وهي تشكل تدخلات فظة في دورة حياة ودينامية المنظومات المائية النهرية، تخرب سياقها وتدمرها، ولا تحقق الأهداف المرتجاة منها في توفير كميات من المياه صالحة للاستعمال البشري في النشاط الاقتصادي، ومياه الشفة، بكلفات معقولة على الإقتصاد الوطني. إن الإمعان العبثي في السير بسياسة بناء السدود في لبنان، هوعلى تعارض تام مع الحقائق الجيولوجية والهيدروجيولوجية لطبيعة لبنان، وأكبر دليل على ذلك، هو الفشل الذريع الذي نشهده للسدود التي جرى إنشاؤها حتى الآن. فهي كلها فاشلة ولا تحقق غاياتها، وفعالية التجميع فيها تبقى بعيدا دون الحدود المقبولة ومؤشرات الكفاءة الإقتصادية. سياسات ذكية ومرتكزة على العلم، هذا ما يحتاجه لبنان في استثمار ثروته المائية، تلبية لحاجات أجيالنا من هذا المورد الاستراتيجي الهام. إن الإصرار على بناء السدود، ما هو إلا إصرار على هدر المال العام، لما يرافق ذلك من هدر وفساد، تلبية لمصالح فئوية ضيقة، على حساب المصالح الوطنية العامة للشعب اللبناني بأجياله المتتالية.

في مقابل المستويات القياسية للتدمير البيئي المتفلت من عقاله في سياسات الحكومة وخياراتها ومشاريعها، نشهد أيضا ارتفاعا في مستوى المواجهة والرفض، عند فئات تزاد اتساعا من القوى الشعبية، البيئية والمدنية والقانونية. فحركات رفض المطامر والمحارق تزداد اتساعا وفعالية.

نشهد تقدما ملحوظا في اتساع وفعالية الإعلام البيئي. أصبحت قضية البيئة وملفاتها، موضوعا رئيسيا في الكثير من وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة. وأصبح عندنا عددا متزايدا من الصحافيين والإعلاميين والمفكرين البيئيين، وهذا يؤشر على الأهمية البالغة لقضايا البيئة على حياة الناس واقتصادهم وصحتهم وتقدمهم وضمان مستقبل أجيالهم.

إن نشوء “إئتلاف إدارة النفايات” في الشهر الأخير من العام 2017، مؤشر على عمق الأزمة البيئية، التي تسببها سياسات الحكومة وعبثها بالبيئة والصحة والمال العام. تشكل هذه الحركة بريق أمل نحو رفع مستوى المواجهة، بغاية التصويب والتصحيح والتغيير الحقيقي خلال العام القادم.

إن مناضلي البيئة في لبنان هم أشد عودا وأصلب إرادة، وأكثر تصميما على حماية بيئة لبنان وصحة أبنائه، وأكثر حزما في مواجهة الفساد المستشري، ومقاومة العبث بقوت اللبنانيين ومالهم العام.

إلى مزيد من العمل والنضال، من أجل إيقاف الإنهيار نحو الجحيم البيئي، الذي تدفع البلد إليه سياسات العبث البيئي الرسمية، للحكومات المتعاقبة. وإلى مزيد من السعي الجاد لوقف التدهور البيئي والصحي، المترافق مع فساد مشهود وهدر فظيع ونهب مفضوح، حماية لثروة شعب لبنان بأجياله الحالية والمستقبلية، وبيئة لبنان وموارده الطبيعية، وحقه في الحياة الكريمة والصحية في بيئة نظيفة معافاة.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This