منذ العام 1990، أي منذ انتهاء الحرب في لبنان وعلى لبنان، وعودة الدولة، شكل ملف النفايات، الذي تفاقم طوال فترة غيابها الفعلي، واحدا من أكثر الملفات ضغطا على سلامة البيئة والموارد الطبيعية، وعلى الأمان الصحي للبنانيين في كل المناطق، وواحدا من الأبواب الواسعة للـ”هدر”، أي لنهب المال العام.

منذ البداية، كان لإقفال المكب العشوائي في النورماندي، ومعالجته، وردم البحر في موقعه ومحيطه، نموذجا مقلقا للتعامل مع ملف النفايات، انطلاقا من اعتباره بابا لامتصاص مئات ملايين الدولارات من المال العام، من أموال البلديات والموازنات، وبتغييب كامل للأبعاد البيئية والصحية للخيارات، التي رافقت تلك الأعمال. فكان أن أنفقت مئات ملايين الدولارات على معالجته وإزالته، ونقل أتربته الملوثة إلى العديد من المناطق اللبنانية. ترافق ذلك مع ردم مئات آلاف من الأمتار المربعة من الواجهة البحرية، لصالح شركة “سوليدير”، المثيرة للجدل بشأن قانونية الأعمال، التي قامت بها في مناطق مركز العاصمة بيروت.

وتلا ذلك، إقفال المكب العشوائي في برج حمود، مترافقا مع ظهور مشاريع لردم البحر في هذه الواجهة البحرية، ما أطلق عليه إسم مشروع “لينور”، لتوسيع المساحات المردومة من البحر، استكمالا لمشروع “خوري” لردم   البحر في ضبيه. وكان أن ترافق هذا الإقفال مع ما سمي “بالخطة الوطنية الطارئة للنفايات”. وكانت عقود “سوكلين” ومشتقاتها في إنشاء وتشغيل مطمر الناعمة – عين درافيل. إنها خيارات البدايات، التي ارتدت رداءا بقياسين، قياس مشاريع ردم البحر، وقياس الطمر الكلي، وشبه الكلي للنفايات، المترافق مع عقود بمئات ملايين الدولارات من الأموال المصادرة، للتذكير فقط، بمراسيم غير قانونية، من الصندوق البلدي المستقل.

طوال هذه الحقبة، لقد تركت مناطق لبنان، في الشمال والجنوب والبقاع وجزء من جبل لبنان، مسيبة لانتشار واتساع وازدياد المكبات العشوائية، أي المزابل العشوائية، التي تشتعل فيها النيران في معظم الأوقات، تلقائيا، أو بالإفتعال، لا فرق، لناحية بث السموم في الهواء والتربة، وتلويث المياه السطحية والجوفية، إضافة لتلويث البحر من المكبات العشوائية في معظم مدن وبلدات لبنان الساحلية، من العريضة في عكار حتى الناقورة في الجنوب.

في تلك الحقبة أيضا، كانت تجدد العقود، وتتوسع الأعمال، دون أي نقاش جدي وحقيقي في مجلس الوزراء، وأحيانا دون اطلاع بعض الوزراء على الكثير من الوثائق والتفاصيل.

استمر هذا الوضع حتى 17 تموز 2015، حينما نقلت حكومة لبنان البلد إلى مرحلة جديدة من أزمة إدارة النفايات، حيث شهدنا أزمة لم يعرف لها لبنان، ولا أي بلد آخر، مثيلا، وطمر البلد مع أهله في النفايات وتحتها، من عاصمته حتى آخر هضبة وجدول ووادي من جغرافية لبنان، عرضا وطولا.

منذ انفجار أزمة تموز 2015 وحتى الآن، نرى أن الحكومات تعتمد خيارات طابعها العام استثمار في ملف النفايات، لمصالح فئوية على حساب بيئة لبنان وطبيعته وصحة سكانه وأمان أجياله، ونهب مليارات الدولارات من ماله العام، بحجة ابتداع “حلول” لا مفر منها، في مكبات شاطئية، تسمى زورا “مطامر”، وهي في الحقيقة مطامر غير نظامية، وفي معامل للفرز لا ترقى إلى فعالية فصل تتجاوز الـ 8%، ومعمل متخلف للتسبيخ، بدأت قدرته بـ 300 طن/يوميا في العام 1997 واستمرت حتى الآن (2017)، دون أي تطوير أو توسعة أو تحسين للنوعية الفاشلة جدا لمنتجه من الكومبوست، الذي لا يصلح لشيء.

في سياق التخبط في المحاولات الفاشلة، تجرأت الحكومة على السير بمغامرات “مافيوية” رافقت محاولة الترحيل الفاشلة. وهي تمعن في استنزاف خيار الطمر الكلي حتى آخر قطرة فيه، شابكة مع مشاريعها القديمة الجديدة لردم البحر، فتفتقت عبقريتها عن ما سمته زورا مطامر في برج حمود – الجديدة وفي الكوستابرافا، حيث كان اللبنانيون جميعا شهودا على ردم مئات آلاف الأطنان من النفايات في البحر. وتهديد الطيران المدني في مطار بيروت، حيث يلاصق مكب الكوستابرافا المدرج الغربي، ولا تزال مجزرة النورس، التي ارتكبتها الحكومة، شاخصة في وعي وذاكرة اللبنانيين والعالم.

اليوم، تسير الحكومة بتوسعة المكبات في الكوستابرافا وبرج حمود – الجديدة، منتقلة بالكامل إلى حلقة ردم البحر، وهي الهدف الحقيقي لخياراتها المتعلقة بالنفايات، وعودة لمشاريع ردم قديمة (لينور)، وجديدة في الكوستابرافا، وربما غيرها، تحت تسميات مختلفة. ودائما، تتميز هذه الخيارات بكلفات تقاس بمئات ملايين الدولارات، ودائما تتسم بأنها مؤقته، وطارئة، ولا حل غيرها، بانتظار الترياق المتمثل بالمحارق، الذي تسميه بعض القوى بصلافة لا تحسد عليها بالخطة “المستدامة”. وهي ليست من الإستدامة بشيء، فالمحارق هي الأخطر بيئيا وصحيا، وهي المترافقة بهدر ونهب أكبر للمال العام، ودائما في الإتجاه المعاكس للحماية البيئية والصحية، التي تنص عليها كل التشريعات البيئية في لبنان، وفي مقدمتها قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002.

قوى المجتمع المدني، والجمعيات البيئية، ونشطاء حقوق الإنسان والقانونيين، والخبراء البيئيين والتقنيين والقانونيين والصحيين، والكثير من الأكادميين والباحثين العلميين في مختلف مجالات العلوم، البيئية والصحية والقانونية، والباحثين في التلوث وآثاره على الصحة العامة، كلها تعمل منذ عقود طويلة على نشر الوعي البيئي والسلوكيات الفضلى حيال البيئة، وفي المقدمة منها مسألة الإدارة السليمة للنفايات. وهي منذ عقود لم يهدأ نشاطها ونضالها بكل الأشكال المشروعة لتطالب الدولة باعتماد الخيارات والسياسات والاستراتيجيات المتكاملة، السليمة بيئيا والآمنة صحيا وذات الكلفات المعقولة، والتي تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير فرص العمل، واسترداد القيمة من الموارد المكونة للنفايات، وتنشيط صناعة التدوير، واستدامة الموارد، وحفظ البيئة وسلامة الصحة العامة.

وبعد أن تجاوزت الحكومات المتعاقبة كل معايير العقلانية في التعامل مع ملف النفايات، وهي ممعنة في خياراتها الخاطئة والفاشلة، والتي تؤدي إلى مزيد من التدهور البيئي، ومزيد من المخاطر الصحية، في بلد أصبحت نسب الأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض الخطيرة والمزمنة، هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، وتهدد حياة الكثيرين من البشر، المعرضين قسرا لكل أنواع التلوث الناتج عن الممارسات والخيارات والسياسات الحكومية الرسمية حيال ملف النفايات، منذ عقود وحتى الآن، وهي مستمرة في هذا النسق، واعدة اللبنانيين بكوارث التلوث الخطير، المتولد عن نشر المحارق في العاصمة، وفي المناطق اللبنانية الأخرى.

لكل هذه الأسباب، تداعت قوى المجتمع المدني والقوى الناشطة في مجال حماية البيئة والصحة العامة وحقوق الإنسان، والعاملة على إرساء سياسات بيئية سليمة، مرتكزة على مباديء ومفاهيم الإدارة المتكاملة للنفايات، واسترداد القيمة، والتخفيف من تولدها، عبر مراجعة لسياقات الإنتاج والإستيراد والإستهلاك، وعبر نشر ثقافة الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، تنشيطا لصناعة التدوير اللبنانية، ونشر ثقافة معالجة المكونات العضوية بالتسبيخ الهوائي لإنتاج الكومبوست النوعي، الذي يستورده السوق اللبناني من الخارج بفاتورة تتجاوز الـ 150 مليون دولار سنويا، وتشجيع البحث العلمي للتفتيش عن خيارات فعالة وآمنة لتصنيع المتبقيات، أو اختبار استعمالات اقتصادية آمنة لها، بعيدا عن الآثار السلبية، المباشرة وبعيدة المدى للمكبات والمطامر والمحارق.

تداعت كل هذه المكونات الإجتماعية لتأتلف فيما بينها، وتعلن عن نشوء “إئتلاف إدارة النفايات”، لتعمل يدا بيد وكتفا على كتف من أجل تحويل الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا، والآمنة صحيا، ومعقولة الكلفة، إلى سياسات رسمية تعتمدها الحكومة، وتطبقها البلديات واتحادات البلديات، بمشاركة كل المكونات الاجتماعية ذات العلاقة بالنفايات، منذ لحظة تولدها حتى آخر مراحل إدارتها.

لماذا الآن؟ لأن الحكومة بلغت مبلغا بعيدا في التمادي باعتماد سياسات وخيارات مدمرة للبيئة، وخطيرة على الصحة، ومترافقة بهدر كبير للمال العام، هو أشبه بالنهب المنظم.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This